تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

اخر الاخبار
مقالات رأي

مصر وتركيا تعيدان رسم معادلة الردع.. تعاون عسكري يربك حسابات إسرائيل في الشرق الأوسط

بقلم – د. محمد نصار

لم يعد التعاون المصري – التركي في المجال العسكري مجرد خطوة عابرة في مسار العلاقات بين القاهرة وأنقرة، بل أصبح أحد المؤشرات المهمة على التحولات المتسارعة التي يشهدها الشرق الأوسط، في ظل إعادة تشكيل التحالفات والشراكات، وتزايد أهمية القدرات العسكرية والتكنولوجية في صناعة النفوذ وحماية المصالح الوطنية.

وخلال السنوات الأخيرة، انتقلت العلاقات المصرية – التركية من مرحلة التباعد السياسي إلى مسار جديد يقوم على توسيع مجالات التعاون والتنسيق، وهو مسار امتد إلى المجال الدفاعي والعسكري، من خلال التدريبات المشتركة وتبادل الخبرات والتعاون في الصناعات الدفاعية، بما يعكس رغبة لدى البلدين في بناء علاقات استراتيجية أكثر اتساعاً وعمقاً.

وتكتسب هذه الخطوات أهميتها من طبيعة البلدين وموقعهما في الخريطة الإقليمية. فمصر تمثل قوة عربية وإفريقية وشرق أوسطية ذات ثقل عسكري وسياسي كبير، بينما تمتلك تركيا قدرات عسكرية وصناعات دفاعية متقدمة وموقعاً جغرافياً بالغ الأهمية يربط بين قارتي آسيا وأوروبا، فضلاً عن حضورها المؤثر في عدد من الملفات الإقليمية.

وعندما تتقاطع قدرات دولتين بهذا الحجم في مجال التدريب العسكري وتبادل الخبرات والتعاون الدفاعي، فإن ذلك ينعكس بالضرورة على حسابات القوة والردع في المنطقة، حتى وإن لم يكن التعاون موجهاً بصورة مباشرة ضد دولة بعينها.

فالردع لا يعني بالضرورة الاستعداد للحرب، وإنما يعني امتلاك القدرة التي تجعل أي طرف آخر يفكر أكثر من مرة قبل اتخاذ قرار قد يؤدي إلى صدام أو يهدد مصالح دولة أخرى. وكلما اتسعت شبكة التعاون الدفاعي، وتطورت القدرات العسكرية والتكنولوجية، زادت الخيارات المتاحة أمام الدول في حماية أمنها ومصالحها.

ومن هنا يمكن فهم جانب من الاهتمام الإسرائيلي المتزايد بالتقارب المصري – التركي، خصوصاً أن إسرائيل تنظر إلى التطورات العسكرية والاستراتيجية في شرق المتوسط والشرق الأوسط باعتبارها جزءاً من بيئة أمنية شديدة الحساسية.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن القاهرة وأنقرة بصدد تشكيل تحالف عسكري يستهدف إسرائيل، فهذا استنتاج يتجاوز ما هو معلن رسمياً، لكن من الطبيعي أن يؤدي أي تقارب عسكري بين قوتين إقليميتين كبيرتين إلى إعادة حسابات الأطراف الأخرى، وفي مقدمتها إسرائيل.

فالمعادلة الجديدة لا تقوم فقط على حجم الترسانة العسكرية، وإنما على طبيعة العلاقات بين الدول، ومستوى التنسيق، والقدرة على تبادل المعلومات والخبرات، وتطوير الصناعات الدفاعية، وإجراء التدريبات المشتركة، وامتلاك خيارات استراتيجية متعددة.

وتزداد أهمية هذه المعادلة في شرق المتوسط، المنطقة التي أصبحت خلال السنوات الماضية واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية بسبب تداخل ملفات الطاقة والحدود البحرية والأمن الإقليمي والتحالفات العسكرية.

وفي الوقت نفسه، فإن مصر تمتلك أوراقاً استراتيجية مهمة بحكم موقعها الجغرافي وسيطرتها على قناة السويس وامتدادها البحري في البحرين المتوسط والأحمر، بينما تمتلك تركيا حضوراً قوياً في شرق المتوسط وقدرات بحرية وجوية وصناعات دفاعية آخذة في التطور.

وبالتالي، فإن زيادة التنسيق بين القاهرة وأنقرة يمكن أن تمنح الطرفين مساحة أوسع للحركة، وتضيف بعداً جديداً إلى معادلات الأمن الإقليمي، دون أن يعني ذلك بالضرورة انتقال العلاقات إلى مرحلة التحالف العسكري الكامل.

ولعل اللافت أن التحولات في العلاقات المصرية – التركية تأتي في وقت تشهد فيه المنطقة إعادة ترتيب واسعة لموازين القوى، من الحرب في غزة، إلى التطورات في سوريا، مروراً بالتنافس على النفوذ في شرق المتوسط، وصولاً إلى ملفات الطاقة والأمن البحري.

وفي مثل هذه البيئة، تصبح الشراكات العسكرية وسيلة لتعزيز القدرة على الردع، وليس بالضرورة مقدمة للمواجهة.

أما بالنسبة لإسرائيل، فإن مصدر القلق المحتمل لا يرتبط فقط بالتعاون العسكري القائم بين مصر وتركيا، وإنما بما يمكن أن ينتج عنه مستقبلاً إذا اتجه التعاون إلى مستويات أكبر في مجالات التكنولوجيا الدفاعية والصناعات العسكرية والتدريب والتنسيق الاستراتيجي.

فالدول لا تنظر فقط إلى الواقع الحالي، وإنما تراقب أيضاً اتجاهات التطور المحتملة في قدرات خصومها وشركائها ومنافسيها.

ومن هنا، فإن التقارب المصري – التركي يفرض على جميع الأطراف، بما فيها إسرائيل، إعادة قراءة المشهد الإقليمي على ضوء معطيات جديدة، خاصة أن المنطقة لم تعد تتحرك وفق تحالفات ثابتة كما كان الحال في عقود سابقة، وإنما أصبحت العلاقات فيها أكثر مرونة، وتتغير وفق المصالح والملفات والتهديدات المشتركة.

كما أن القاهرة لا تتحرك في سياستها الخارجية من منظور الصدام مع طرف معين، وإنما تسعى إلى الحفاظ على أمنها القومي وتوسيع علاقاتها الدولية والإقليمية، وتنويع الشراكات بما يمنحها قدرة أكبر على التعامل مع المتغيرات المحيطة بها.

وبالمثل، فإن التعاون التركي – المصري يمكن أن يفتح المجال أمام البلدين لتبادل الخبرات في مجالات متعددة، خصوصاً في ظل التطور المتسارع للصناعات الدفاعية التركية، والخبرات العسكرية المصرية الممتدة، وما يمكن أن ينتج عن الجمع بين هذه القدرات من فرص للتعاون في المستقبل.

وهنا تكمن أهمية التطور الحالي؛ فالمشهد لا يتعلق فقط بتدريب عسكري مشترك أو اتفاق دفاعي، وإنما بإمكانية بناء قاعدة تعاون طويلة المدى يمكن أن يكون لها تأثير في ميزان القوى الإقليمي.

ومع ذلك، فإن التعامل مع هذا التعاون باعتباره مقدمة حتمية لمواجهة مصرية – تركية مع إسرائيل سيكون قراءة مبالغاً فيها، لأن العلاقات الدولية أكثر تعقيداً من منطق المواجهة المباشرة، ولأن المصالح الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية تظل عاملاً أساسياً في تحديد مسارات الدول.

لكن المؤكد أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة جديدة تتعدد فيها مراكز القوة، وتتسع فيها شبكة الشراكات، وتتراجع فيها فكرة الاعتماد على طرف واحد في تأمين المصالح الاستراتيجية.

وفي هذه البيئة، يصبح التعاون المصري – التركي أحد المتغيرات التي تستحق المتابعة، ليس لأنه يستهدف دولة بعينها، وإنما لأنه يعكس صعود مفهوم جديد للأمن الإقليمي يقوم على تنويع الشراكات، وتطوير القدرات، وتعزيز الردع، وامتلاك خيارات استراتيجية متعددة.

لقد اعتادت المنطقة خلال عقود طويلة على معادلات قوة محددة، لكن التطورات الحالية تشير إلى أن هذه المعادلات لم تعد ثابتة. وكل تعاون عسكري جديد بين قوى إقليمية كبرى يمكن أن يضيف طبقة جديدة إلى الحسابات الاستراتيجية.

ومن هنا، فإن التقارب المصري – التركي قد لا يكون مجرد صفحة جديدة في العلاقات بين القاهرة وأنقرة، وإنما جزءاً من مشهد إقليمي أوسع يعيد تشكيل مفهوم القوة والردع في الشرق الأوسط.

وفي النهاية، فإن الرسالة الأهم ليست أن مصر وتركيا تتجهان إلى مواجهة أحد، وإنما أن الدولتين تعملان على توسيع قدراتهما وخياراتهما وشراكاتهما في منطقة شديدة الاضطراب.

وعندما تمتلك دولتان بحجم مصر وتركيا قدرة أكبر على التعاون والتنسيق، فإن ذلك يصبح عاملاً جديداً في حسابات الأمن الإقليمي، ويجعل جميع القوى، بما فيها إسرائيل، أمام واقع استراتيجي متغير يستدعي إعادة تقييم الحسابات، ومتابعة اتجاهات التعاون الجديدة، والتعامل مع الشرق الأوسط باعتباره منطقة تتشكل فيها موازين قوى جديدة بصورة متسارعة.

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock