منوعات
البروفسور فايز صالح لـ«بيروت تايمز»: لبنان لا يُبنى إلا بالوحدة والتضامن والعودة إلى منظومة القيم
من الجامعة إلى الاغتراب.. فايز صالح: خدمت لبنان بالعلم وأرفض الانقسامات الطائفية والمذهبية

بيروت – بيروت تايمز – حوار منى حسن
في مسيرة أكاديمية امتدت لعقود، تنقّل البروفسور فايز صالح بين لبنان ومصر والولايات المتحدة وبريطانيا، جامعاً بين التعليم الجامعي والبحث العلمي والعمل الأكاديمي، ومتمسكاً، كما يقول، برؤية فكرية تقوم على العلم والقيم والوحدة والابتعاد عن الانقسامات الطائفية والمذهبية.
من الجامعة اللبنانية، حيث بدأ مسيرته أستاذاً ورئيساً لقسم تقويم الأسنان عام 1992، إلى جامعة بيروت العربية ثم جامعة القاهرة، وصولاً إلى علاقاته العلمية والمهنية في الغرب، شكّل العلم بالنسبة إليه أكثر من اختصاص أكاديمي، بل وسيلة لخدمة الإنسان ورفع اسم لبنان في المحافل العلمية.
ويستعيد صالح خلال حديثه لـ «بيروت تايمز» محطات بارزة من تجربته، من تكريماته وأبحاثه العلمية إلى علاقته بمصر وتأثره بفكر جمال عبد الناصر، كما يتحدث عن عائلته والاغتراب اللبناني، وعن الواقع الاقتصادي والاجتماعي في البقاع، والبطالة وتراجع القطاعات الإنتاجية.
ولا يغيب لبنان عن الحوار، إذ يقدّم صالح قراءته للأزمة اللبنانية والتحولات الإقليمية، معرباً عن تشاؤمه من المستقبل في ظل استمرار الأزمات والانقسامات، ومعتبراً أن أي مسار للخروج من الأزمة يحتاج، من وجهة نظره، إلى تفاهمات إقليمية ودولية، بالتوازي مع استعادة منظومة القيم وبناء دولة تقوم على الكفاءة والنزاهة والمصلحة الوطنية.
وإلى تفاصيل الحوار
البروفسور فايز صالح والاعلامية منى حسن
من هو البروفسور فايز صالح؟
«أنا أستاذ ورئيس قسم في الجامعة اللبنانية منذ العام 1992. حصلت على جائزة الرئيس إميل لحود عن إصدار كتابي الذي نال المرتبة الأولى، وكان يتناول دراسة التطور ونمو الوجه والفكين لدى مجموعة من الأطفال اللبنانيين».
ويضيف: «بعد ذلك انتقلت إلى جامعة بيروت العربية، ثم توليت مسؤوليات أكاديمية في جامعة القاهرة منذ العام 1995 وحتى العام 2012، حين قدمت استقالتي لأسباب شخصية وسياسية».
ويؤكد أن مسيرته العلمية لم تكن منفصلة عن رؤيته الفكرية، قائلاً: «أنا أؤمن بالمدرسة القومية والعربية، ولا أؤمن بالأجواء غير القومية والعربية، ولذلك أبتعد عن كل حديث طائفي أو مذهبي».
ويتابع: «أنا إنسان تعلمت في أميركا والقاهرة وبريطانيا، ونلت شهاداتي العلمية، وكان للحضور العربي والقومي في مصر، ولا سيما خلال مرحلة جمال عبد الناصر، تأثير كبير في تكويني الفكري. بالنسبة إليّ، الوطن العربي وطن واحد، والإنسان العربي إنسان واحد».
جمال عبد الناصر.. تأثير فكري لا يقتصر على السياسة
وعن علاقته بالفكر الناصري، يقول صالح إن تأثره بجمال عبد الناصر ارتبط بما يصفه بمبادئ القومية العربية والعلم والتعليم والعدالة والقيم الأخلاقية.
ويقول: «عبد الناصر بالنسبة إليّ لم يكن مجرد شخصية سياسية، بل تجربة عربية تركت أثراً كبيراً في جيلي».
ويعتبر أن هذا التأثير انعكس على رؤيته للحياة والعمل، موضحاً أن العلم بالنسبة إليه لم يكن مجرد مهنة، بل وسيلة لخدمة الإنسان والمجتمع والمساهمة في رفع اسم لبنان والعالم العربي.
التكريمات.. حصيلة سنوات من العلم والعمل
وعن الميداليات والتكريمات التي تزيّن مكتبه، يقول صالح: «هذه الميداليات تمثل تاريخي، وأنا أفتخر بها. وهناك عدد كبير منها موجود في منزلي في البقاع».
ويضيف: «كنت مخلصاً لمهنتي وعملي، وكل حياتي كنت أتنقل بين عواصم العالم من أجل العلم والعمل».
ويشير إلى أنه تلقى أخيراً دعوة من الولايات المتحدة لإلقاء محاضرة في مجال العلوم الطبية، معتبراً أن هذه الدعوات تشكل امتداداً لمسيرته العلمية.
ويختصر فلسفته بالقول: «كنت دائماً أريد أن أرفع اسم لبنان عالياً، وأن أساهم في عودة لبنان الذي أحلم به. المعيار بالنسبة إليّ هو الحلم والكفاءة والنزاهة».
منظومة القيم.. مدخل أساسي لإعادة بناء لبنان
في قراءته للأزمة اللبنانية، يضع صالح مسألة القيم في مقدمة الأسباب التي يعتبرها مؤثرة في الواقع اللبناني.
ويقول: «القيم التي تربينا عليها موجودة في الديانات السماوية كلها، لأن الرسالات السماوية جاءت لتربي الإنسان على المحبة والقيم والأخلاق».
ويرى أن لبنان يحتاج إلى استعادة هذه المنظومة، قائلاً: «نحن في لبنان نعاني لأن منظومة القيم بدأت تنحدر، وأصبحت المصالح والخصوصيات الطائفية والمذهبية تتقدم أحياناً على المثل العليا والأخلاقيات، وهذا أحد أسباب الأزمات التي نعيشها».
وبحسب رؤيته، فإن إعادة بناء الدولة تتطلب وضع المصلحة الوطنية فوق الحسابات الضيقة، وإعادة الاعتبار إلى الكفاءة والنزاهة والعمل المؤسساتي.
المنطقة والجنوب.. السلام من بوابة العدل والمساواة
وفي حديثه مع بيروت تايمز عن التطورات الإقليمية، يرى صالح أن المنطقة تعيش نتيجة تراكمات سياسية وتاريخية طويلة، ويقول إن هناك، بحسب تقديره، جهوداً تعمل على منع نمو المنطقة العربية.
ويشدد على أن المنطقة هي أيضاً «منطقة الرسالات السماوية»، معتبراً أن السلام الذي تحتاج إليه المنطقة يجب أن يقوم على «العدل والمساواة».
وعن الجنوب اللبناني، يقول: «ما يحصل من تدمير وتهجير لا يمكن السكوت عنه. وعلى جميع أبناء الوطن الشرفاء أن يعملوا من أجل حماية لبنان وعودة الأرض إلى أصحابها».
ويؤكد أهمية قيام هوية وطنية جامعة، بعيداً عن الحسابات الضيقة، معتبراً أن تغليب المصالح الخاصة على المصلحة الوطنية يؤدي إلى مزيد من الانقسام.
شخصيات تركت بصماتها في مسيرته
خلال استعادته لمحطات حياته، يتحدث صالح عن عدد من الشخصيات التي عرفها وتأثر بها. ويقول إن من أبرز أصدقائه «ريمون إده، والرئيس إلياس الهراوي، وجوزيف سكاف»، مشيراً إلى أن هذه الشخصيات تركت، بحسب رأيه، بصمات في تاريخ لبنان. ويضيف: «أنا بقيت في لبنان لأنني أعتقد أن دوري فاعل ومهم على الصعيد المجتمعي».
لماذا ابتعد عن السياسة؟
رغم الحديث عن عروض لتولي مناصب سياسية، يقول صالح إنه فضّل البقاء في المجال العلمي.
ويشرح: «الظروف السياسية التي كانت سائدة في البلد منعتني من ذلك. فضّلت أن أخدم الناس وبلدي ضمن اختصاصي العلمي».
وعن إمكانية دخوله العمل السياسي مستقبلاً، يقول: «إذا عاد لبنان إلى الموقع الذي أستطيع فيه أن أخدم الناس وأهلي، وأن أساهم في ترميم العلاقات بين اللبنانيين، فلماذا لا؟ هذا هو دوري».
البقاع.. البطالة وتراجع القطاعات الإنتاجية
ومن موقعه في البقاع، يتحدث صالح عن الواقع الاجتماعي والاقتصادي في المنطقة، معتبراً أن معاناة البقاعيين لا تنفصل عن الأزمة اللبنانية العامة.
ويقول: «حاجات منطقة البقاع هي نفسها حاجات كل اللبنانيين. لا يوجد اليوم في لبنان إنسان لا يعاني من الحاجة، بسبب الأوضاع الاقتصادية المتردية».
ويرى أن الحل يبدأ من تنمية حقيقية تقوم على دعم القطاعات الإنتاجية، ولا سيما الزراعة والصناعة.
ويقول: «البقاع بلد الخير، وأهله يعيشون من الزراعة. لكن السلطة حاربت هذا القطاع، فيما يحتاج لبنان إلى اقتصاد إنتاجي ودخل قومي حقيقي».
وعن البطالة، يضيف: «البطالة كبيرة جداً. والمصانع التي كانت تصدّر إلى العالم العربي أغلقت، وتوقفت اليد العاملة، وأصبح الوضع الاقتصادي صعباً جداً».
ويربط صالح معالجة الوضع الاقتصادي اللبناني بالعلاقات مع المحيط العربي، قائلاً: «يجب إيجاد حلول على مستوى الوطن العربي وليس لبنان فقط، لأن لبنان يتأثر بما يحصل في العالم العربي، وخصوصاً سوريا. إذا لم تكن سوريا بخير، فمن الصعب أن يكون لبنان بخير».
مستقبل لبنان.. «أنا متشائم جداً»
وعند سؤاله عن مستقبل لبنان، يأتي جوابه مباشراً:
«أنا متشائم جداً من مستقبل لبنان».
ويشرح رؤيته قائلاً إن لبنان مرتبط بعلاقاته الإقليمية والدولية، ويرى أن حصول تفاهمات بين الولايات المتحدة وإيران يمكن أن يكون، بحسب تقديره، عاملاً مؤثراً في معالجة عدد من الصراعات في المنطقة.
ويقول: «أعتقد أن التفاهم الإيراني–الأميركي أصبح قريباً».
ويشير إلى أن موقع المنطقة وأهميتها الاقتصادية والسياسية يجعلان التطورات الإقليمية والدولية ذات انعكاس مباشر على لبنان، معتبراً أن مستقبل البلاد لا يمكن فصله عن محيطه الإقليمي والدولي.
العائلة والاغتراب.. العلم الذي حملته الأسرة إلى الخارج
ويتحدث صالح باعتزاز عن عائلته، قائلاً: «زوجتي طبيبة أسنان، ولدي أربعة أولاد، أصغرهم الدكتورة كالين. أما أولادي الثلاثة الآخرون فيسكنون في واشنطن، ولديهم مراكز طبية مهمة».
ويضيف: «نحن مرتاحون مع أنفسنا، وأعتبر أن ما حققناه هو ثمرة العلم والعمل والتربية».
وعن الاغتراب اللبناني، يرى صالح أنه جزء أساسي من تاريخ لبنان، قائلاً: «الاغتراب بالنسبة إلى لبنان جزء من تاريخ لبنان ومن حياة لبنان. ولولا الاغتراب لكان وضعنا أصعب بكثير».
ويشير إلى أنه شجع أبناءه على متابعة تعليمهم في الخارج عندما تراجعت الظروف في لبنان، مؤكداً أن الاغتراب، بالنسبة إليه، ليس ابتعاداً عن الوطن.
ويقول: «أنا أزورهم سنوياً، وأتنقل بين كندا وواشنطن. الاغتراب جزء من لبنان وليس عيباً».
كما يتوقف عند دور اللبنانيين في أفريقيا، ولا سيما أبناء الجنوب، معتبراً أن اغترابهم ساهم في دعم الاقتصاد والتنمية في مناطقهم.
شخصيات تركت أثراً في وجدانه
وعن الشخصيات التي أثرت في مسيرته، يقول صالح إن تأثير العائلة كان أساسياً، قبل أن ينتقل إلى الشخصيات اللبنانية والعربية.
ويذكر جوزيف سكاف وابنه ضمن الشخصيات اللبنانية التي تأثر بها، فيما يضع جمال عبد الناصر في مقدمة الشخصيات العربية التي تركت أثراً في تكوينه الفكري.
كما يشير إلى تأثره بشخصية السيد حسن نصر الله، قائلاً إنه كان، بحسب رؤيته، يتمتع بـ«كاريزما استثنائية ومناقبية عالية».
الرسالة الأخيرة: لبنان وطن لجميع أبنائه
وفي ختام الحوار، يعود صالح إلى الفكرة التي تشكل محور رؤيته للبنان: الوحدة الوطنية.
ويقول: «لبنان لا يستطيع أن يقوم إلا بالوحدة والتضامن. وإذا استمررنا في تقسيم لبنان على أساس طائفي أو مذهبي، فإننا نخسر لبنان». ويشدد على ضرورة «التنازل عن الأنانية والخصوصيات الطائفية والمذهبية»، معتبراً أن إعادة الإعمار وبناء الدولة يحتاجان إلى مشروع وطني جامع.
ويختم برسالة إلى اللبنانيين: «يجب أن نبني مستقبل أولادنا على أساس حب كل الوطن والانتماء إليه، وأن يكون لبنان وطناً لجميع أبنائه، يفتخرون به».
وبين الجامعة والبحث العلمي والاغتراب، وبين التجربة المصرية والواقع اللبناني، يرسم البروفسور فايز صالح صورة لمسيرة يرى أنها قامت على العلم والعمل، ويضع في ختام حديثه ثلاث كلمات يعتبرها أساساً للنهوض: العلم، والقيم، والوحدة.





