تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

اخر الاخبار
مقالات رأي

أربعون كيلومتراً من الهوية: هرمز في الوعي الإيراني

لماذا يعني هرمز لإيران أكثر من الطاقة؟

الباحثة سيلفانا سمعان

عند أضيق نقطة فيه، لا يتجاوز عرض مضيق هرمز نحو أربعين كيلومتراً. ومع ذلك يعبره نحو خُمس استهلاك العالم من السوائل النفطية، ويُعدّ من أهم الاختناقات البحرية في منظومة الطاقة العالمية. هذه الأرقام تفسّر لماذا يراقب العالم هرمز، لكنها لا تفسّر لماذا يحمل في الوعي الإيراني وزناً يتجاوز وظيفته الاقتصادية.

فبالنسبة إلى إيران، هرمز ليس ممراً بين الخليج وخليج عُمان وبحر العرب فحسب. إنه فضاء تتقاطع فيه الجغرافيا مع التاريخ، والذاكرة مع الهوية، والسيادة مع الإحساس بالمكانة. ولوصف هذه الحالة، أقترح مفهوم «الجيوهوية البحرية»: أن يتحول المجال البحري الاستراتيجي من موقع جغرافي إلى جزء من الهوية السياسية للدولة، فيرتبط في وعيها بالسيادة والأمن والذاكرة والمكانة والردع. وما يلي شواهد على هذه الأطروحة.

يمكن قراءة هرمز عبر ثلاث طبقات متداخلة. الأولى جغرافية: موقعه عند المدخل البحري للخليج يجعله من أهم الممرات الاستراتيجية في العالم، ويربطه بأمن الطاقة والتجارة الدولية. والثانية تاريخية: فالمنطقة المحيطة به كانت جزءاً من شبكات بحرية وتجارية متعاقبة ربطت السواحل الإيرانية بشبه الجزيرة العربية والهند وشرق أفريقيا وما وراءها. ولم يكن البحر للقوى التي تعاقبت عليها مجرد حدّ جغرافي، بل مجالاً للتجارة والنفوذ والصراع. أما الثالثة فرمزية: فالمكان الذي يرتبط في الذاكرة السياسية بمسارات التجارة والحضور الخارجي والصراع على السيطرة البحرية يمكن أن يصبح، مع الزمن، جزءاً من تصور الدولة لذاتها ولدورها الإقليمي.

وهنا تبدأ أهمية هرمز الحقيقية: في ما أصبح يمثله، لا في ما يسمح بمروره فقط.

يحتاج الربط بين هرمز والهوية الإيرانية إلى دقة تاريخية. فلا يصح القول إن إيران مارست سيادة متصلة على المضيق منذ العصور القديمة بالمعنى القانوني الذي نعرفه اليوم، لأن مفاهيم الدولة القومية والحدود والسيادة الحديثة لا يمكن إسقاطها على إمبراطوريات وممالك سابقة. لكن غياب السيادة المتصلة لا يعني غياب الذاكرة. فقد ظل المجال البحري للخليج حاضراً في تاريخ الإمبراطوريات والدول التي قامت على الهضبة الإيرانية، عبر التجارة والضرائب والموانئ والنفوذ السياسي. والتاريخ هنا لا يُستخدم لإثبات حق قانوني معاصر، بل لفهم كيف تتشكل الذاكرة السياسية للمكان. فالهوية لا تحتاج إلى امتلاك قانوني مستمر كي تحتفظ بذاكرة جغرافية، ويكفي أن يرتبط المكان بسردية أوسع عن الدولة وموقعها وخصومها وقدرتها على التحكم في منافذها الاستراتيجية.

وفي بدايات العصر الحديث، ازدادت أهمية هرمز مع التنافس الأوروبي على طرق التجارة في المحيط الهندي والخليج. هاجم البرتغاليون الجزيرة عام ألف وخمسمئة وسبعة، وعادوا عام ألف وخمسمئة وخمسة عشر لتثبيت سيطرتهم عليها، وبقوا فيها أكثر من قرن. ولم تكن هرمز بالنسبة إليهم مجرد جزيرة، بل موقعاً يتيح التحكم في إحدى أنشط شبكات التجارة البحرية في المنطقة.

وجاء التحول الأهم في عهد الشاه عباس الأول. ففي عام ألف وستمئة واثنين وعشرين، استعادت القوات الصفوية بقيادة إمام قلي خان الجزيرة من البرتغاليين، بمساعدة بحرية من شركة الهند الشرقية الإنجليزية. ولم يكن البحر في تلك العملية هامشاً للحرب البرية، بل صار من أدوات الدولة في استعادة موقع استراتيجي.

وتتجاوز دلالة الحدث بعده العسكري. فقد كشفت التجربة الصفوية أن السيطرة على المجال البحري لا تقتصر على امتلاك الساحل، بل تتطلب توظيف الموقع والتحالفات والتجارة والقوة البحرية لبلوغ أهداف سياسية. وبعد سقوط الجزيرة انتقل ثقل النشاط التجاري إلى الساحل المقابل، وتكرّس دور بندر عباس مركزاً في المجال البحري الإيراني. وبهذا المعنى دخل البحر معادلة الدولة بوصفه مجالاً للقوة والمنافسة واستعادة المكانة، لا خلفية جغرافية.

وفي العصر الحديث، أعادت الدولة الإيرانية صياغة علاقتها بالماضي ضمن مشروع أوسع لبناء الهوية الوطنية. ففي العهد البهلوي اكتسب الإرث الفارسي القديم حضوراً بارزاً في السردية الوطنية، وصارت الإشارة إلى التاريخ الإمبراطوري جزءاً من صورة إيران دولةً ذات عمق حضاري ومكانة إقليمية.

ثم أدخلت ثورة عام ألف وتسعمئة وتسعة وسبعين عنصراً جديداً. فإيران بعد الثورة لم تتخلَّ عن بعدها القومي ولا عن ذاكرتها السابقة، لكنها أضافت إليها طبقة دينية وثورية قوامها الإسلام الشيعي والاستقلال ورفض الهيمنة الخارجية وتأكيد السيادة. والنتيجة هوية مركّبة لا تُختزل في البعد الفارسي وحده ولا في البعد الديني وحده، وتتبدل أوزان عناصرها بحسب السياق السياسي.

وفي هذه الهوية يستطيع مكان مثل هرمز أن يؤدي وظيفة تتجاوز الجغرافيا، فيصير نقطة التقاء بين الذاكرة التاريخية والرؤية المعاصرة للأمن والسيادة والمكانة.

بعد الثورة، ازداد ارتباط جغرافيا هرمز بالأمن القومي الإيراني. فالحرب العراقية الإيرانية، وحرب الناقلات في الثمانينيات، والمواجهات البحرية مع الولايات المتحدة، ثم العقوبات والضغوط الاقتصادية، جعلت المجال البحري للخليج جزءاً من الحسابات الأمنية الإيرانية. وفي عام ألف وتسعمئة وثمانية وثمانين، أدى إسقاط طائرة مدنية إيرانية بواسطة الطراد الأميركي «فينسنس» إلى مقتل مئتين وتسعين شخصاً، فصار الحادث من أكثر الأحداث حساسية في الذاكرة الإيرانية المتعلقة بالمواجهة مع واشنطن.

في هذا السياق اكتسب الموقع معنى إضافياً. فإيران لا تحتاج إلى أكبر قوة بحرية في العالم كي تستفيد من موقعها، ويكفي أن تقف على أحد أهم الاختناقات البحرية في الاقتصاد العالمي، وأن تمتلك قدرات تمكّنها من التأثير في الملاحة ورفع كلفة أي مواجهة.

لكن الجغرافيا وحدها لا تصنع الردع. إنها توفر الإمكانية، وتحتاج هذه الإمكانية إلى قدرات عسكرية وإشارات سياسية وإرادة وقدرة على تحمل المخاطر حتى تتحول إلى نفوذ. وهنا يمكن الحديث عن «الردع الجغرافي» مفهوماً تحليلياً: أن يصبح موقع الدولة نفسه عنصراً في معادلة الردع، وجزءاً من قدرتها على التأثير في حسابات خصومها.

ورغم أهميته الاستراتيجية، ليس هرمز فضاءً خارج القانون الدولي. فهو يقع بين إيران وسلطنة عُمان، ويربط الخليج بخليج عُمان وبحر العرب، وتتعامل معه الدول بوصفه ممراً بحرياً دولياً. وقد وقّعت إيران اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار في العاشر من كانون الأول عام ألف وتسعمئة واثنين وثمانين، لكن سجل الأمم المتحدة لا يورد تصديقها عليها، والتمييز بين التوقيع والتصديق مهم قانونياً. وهذا التفصيل يوضح أن النقاش حول هرمز لا يُختزل في سؤال «من يملك المضيق؟»، فالوضع القانوني للممرات الدولية أعقد من امتلاك السواحل المحيطة بها.

وفي المقابل، لا يلغي الإطار القانوني حقيقة أن الجغرافيا تمنح الدول المشاطئة وزناً كبيراً في إدارة المخاطر والأمن والملاحة. وهنا يظهر الفرق بين السيادة القانونية والنفوذ الجيوسياسي: قد تكون القواعد واضحة في جوانب كثيرة، لكن القدرة على التأثير في الواقع تظل مرتبطة بالموقع والقوة والقدرة على فرض كلفة محتملة.

حتى الاسم قد يتحول إلى أداة سياسية. فالجدل حول «الخليج الفارسي» و«الخليج العربي» ليس خلافاً لغوياً، بل جزء من صراع أوسع حول التاريخ والهوية والتمثيل السياسي للمكان. ومن المنظور الإيراني، يحمل اسم «الخليج الفارسي» قيمة تاريخية ورمزية تتجاوز الوصف الجغرافي، إذ يرتبط بصورة إيران عن عمقها التاريخي في المنطقة. وفي المقابل، صارت التسمية الأخرى جزءاً من الخطاب السياسي العربي الحديث، خصوصاً مع صعود الدول الخليجية وتطور هوياتها الوطنية ومكانتها الإقليمية.

وهكذا تصبح الخريطة نفسها ساحة صراع على المعنى. فالدول تتنافس على الأرض والمياه والممرات، وعلى اللغة التي تصفها والرواية التي تمنحها دلالتها.

ومن السهل تفسير السلوك الإيراني في الخليج بأنه محاولة لإحياء الإمبراطورية الفارسية. لكن هذا التفسير، على جاذبيته الإعلامية، تبسيطي. فإيران المعاصرة لا تتحرك لاستعادة حدود إمبراطورية تاريخية بالمعنى الحرفي. والأدق الحديث عن محاولة لاستعادة المكانة.

والفرق جوهري. فاستعادة الإمبراطورية تعني السعي إلى أراضٍ وحدود ومجالات سيطرة تاريخية، أما استعادة المكانة فتعني أن ترى الدولة نفسها صاحبة وزن طبيعي في محيطها، وتسعى إلى الحفاظ عليه أو توسيعه بالنفوذ السياسي والاقتصادي والعسكري والرمزي. الماضي لا يعود هنا إمبراطورية، بل يعود حجة على المكانة.

ومن هذه الزاوية يكون هرمز أداة للمكانة أكثر منه دليلاً على مشروع إمبراطوري، لأنه يمنح إيران شيئاً بالغ الأهمية: موقعاً يجعل تجاهلها مكلفاً. وهذا أحد أشكال القوة في النظام الدولي.

يقع هرمز عند تقاطع دوائر عدة في وقت واحد: الأمن القومي الإيراني، وأمن الطاقة العالمي، والتنافس الإيراني الأميركي، والعلاقات الإيرانية الخليجية، والتاريخ البحري للخليج، والذاكرة المتصلة بالتدخلات الخارجية. ولذلك فإن قراءته بوصفه «ممر نفط» فقط تظل ناقصة، فالنفط يفسّر أهميته للاقتصاد العالمي، لكنه لا يفسّر وحده مكانته في المخيال الاستراتيجي الإيراني.

وهو أيضاً النقطة التي يلتقي فيها المحلي بالدولي. فما تراه إيران جزءاً من أمنها القومي تراه القوى الدولية جزءاً من أمن الطاقة العالمي، وما تعدّه طهران ورقة استراتيجية مرتبطة بموقعها قد تعدّه دول أخرى تهديداً لاستقرار الملاحة.

والمسار الذي يحوّل المكان إلى قوة يمكن اختصاره في جملة واحدة: الجغرافيا تمنح الموقع، والتاريخ يمنحه الطبقات، والذاكرة تنتقي منه ما يبقى حاضراً، والهوية تربطه بصورة الدولة عن نفسها، ثم يتحول المعنى إلى خطاب، والخطاب إلى استراتيجية، والاستراتيجية إلى ردع ومكانة.

ولا يعني ذلك أن الذاكرة تحدد السياسة آلياً. فالدول تتحرك بدافع المصالح والقدرات والقيود والتهديدات والفرص. لكن الذاكرة تحدد في كثير من الأحيان الطريقة التي تُفهم بها هذه المصالح والتهديدات، وهنا تكمن قوتها السياسية.

ربما لا تكمن القوة الحقيقية لهرمز في ضيقه، بل في المعاني التي تراكمت حوله. فالممر الذي يبدو على الخريطة شريطاً بحرياً محدوداً صار من أهم مفاتيح الاقتصاد العالمي، ومن أكثر المواقع حساسية في الأمن الإقليمي، ومن الأماكن التي تتقاطع فيها الذاكرة الإيرانية مع تصور الدولة لسيادتها ومكانتها.

ولا تصنع الذاكرة القوة وحدها. فالذاكرة بلا موقع لا تكفي، والموقع بلا قدرة لا يكفي، والقدرة بلا استراتيجية لا تكفي. لكن حين تتفاعل هذه العناصر، يكتسب مكان محدود وزناً يفوق مساحته بكثير.

لهذا لا يُفهم هرمز بالنفط وحده. هو ليس طريقاً للطاقة ولا نقطة اختناق ولا خطاً يفصل بين ساحلين فحسب، بل مكان تحوّل فيه الموقع إلى معنى، والمعنى إلى قوة. وفي مساحة بحرية محدودة كهذه، تتحدث الجغرافيا، لكن التاريخ والذاكرة والهوية هي التي تمنحها صوتها.

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock