تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

اخر الاخبار
مقالات رأي

ليس كل من يحرر يقرر: شرعية السلاح وشرعية الإدارة

شاهين بركات

إن هيبة الدولة ووقار قيادتها لا يُبنيان بالهيمنة و استعراض القوة كما كان يقوم به العهد البائد، بل ينبعان من عمق الرؤية، والاطلاع المعرفي، والخبرة المتراكمة في إدارة شؤون الدولة والمجتمع . فالقائد الحقيقي يفرض احترامه بحكم كفاءته وقدرته على استشراف المستقبل وتقديم الحلول، لا بفرض السيطرة.

ومن هذا المنطلق، تبرز إشكالية كبرى عند تفحص المشهد السوري المعاصر: هل هذه هي النخبة التي تتبوأ الواجهة اليوم على صعيد الدولة والمجتمع هي نخبة المجتمع السوري ؟

قطعاً لا. فالتاريخ الإنساني والاجتماعي يثبت مراراً وتكراراً قاعدة جوهرية مفادها أن ليس كل من يحرر يقرر، وأن أدوار التحرير تختلف كلياً عن أعباء التأسيس والبناء.

في الثورة الفرنسية: لم يكن قادة اقتحام سجن الباستيل و رجال تحرير الشوارع هم من صاغوا قوانين الجمهورية أو أداروا مؤسسات الدولة، بل آلت زمام الأمور لاحقاً إلى المشرعين والعلماء والإداريين والخبراء.

في ثورة اكتوبر الثورة البلشفية: رغم الدور الحاسم للطبقات العاملة والجانب العسكري، تحولت القيادة إلى مفكرين وتنظيميين وبناة سياسيين واقتصاديين لتدعيم أركان الدولة الجديدة.

في تاريخ سورية الحديث: إن من قاوموا الاستعمار الفرنسي ونالوا شرف تحرير البلاد من نير الاحتلال لم يكونوا بالضرورة هم من حكموا سورية بعدها؛ فقد سلموا الراية لرجال القانون والاقتصاد والفكر والسياسة الذين توفرت لديهم أدوات إدارة الدولة الحديثة.

هذا التمايز لا يشكل انتقاصاً من نضال أحد، بل يؤكد حقيقة موضوعية: قيادة الدولة والمجتمع تتطلب مؤهلات نوعية مختلفة. صحيح أن الحس الوطني والوجداني والبطولي يشكل الحاضنة والدافع الأساسي، لكنه وحده لا يكفي لإدارة موازنة دولة، أو وضع سياسات اقتصادية مستدامة، أو بناء علاقات دولية معقدة. ما يسبق ذلك كله ويتصدره هو: الكفاءة، والمؤهلات العلمية، والتجربة العملية المتراكمة.

فإدارة المؤسسات والنخب السياسية والاقتصادية تتطلب تخصصاً واحترافية لا تتوفر إلا لمن قضوا سنوات طويلة في دراسة وتطبيق علوم الإدارة، والاقتصاد، و المال والقانون، والعلاقات الدولية. الثوار الأبرار حقوقهم التاريخية والأخلاقية مصانة ومحفورة للأبد في ذاكرة الناس ووجدان المجتمع كرمز للكرامة والتضحية، لكن الحفاظ على تلك التضحيات وحمايتها من الضياع يحتاج إلى عقول تدير بحكمة، وخبرات تبني بيئة سياسية واقتصادية تليق بتلك الدماء وتستثمرها في بناء وطن قوي، حديث، ومقتدر بعلمه ومعرفته.

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock