حين تصبح الدولة عبئًا على أبنائها: إلى متى يصمت المسيحيون؟
منذ 4 ساعات
2 دقائق
بقلم الكاتب فرنسوا الجردي
ليس المطلوب من القوى المسيحية في لبنان أن تنكفئ عن الدولة، ولا أن تعادي أي طائفة، ولا أن تستعيد لغة الحرب الأهلية. المطلوب أبسط وأعمق: أن تعرف كيف تحمي وجود مجتمعها وحقوقه من داخل الدولة، لا أن تكتفي برفع شعار الدولة فيما تتآكل مصالح أبنائها على الأرض.
لقد بالغنا، طوال عقود، في فهم الانفتاح الوطني وكأنه تنازل دائم من طرف واحد. فالانفتاح على المسلمين، سنة وشيعة ودروزًا، ضرورة وطنية وأخلاقية، لكن الانفتاح شيء، والتنازل عن الحقوق شيء آخر. العيش المشترك لا يعني أن يقبل طرف بما لا يقبله الطرف الآخر لنفسه.
المشكلة اليوم ليست في عائلة لبنانية تبيع أو تشتري عقارًا، ولا في مواطن ينتقل من منطقة إلى أخرى. المشكلة، إن وُجدت، في أي تغيير ديموغرافي منظم أو استثمار عقاري واسع ذي أهداف سياسية يمكن أن يؤدي إلى إفراغ مناطق من أهلها أو تغيير هويتها التاريخية. وهنا تقع مسؤولية الدولة أولًا، ثم مسؤولية القوى السياسية التي يفترض أن تراقب وتحمي التوازن الوطني.
والسؤال الأهم: لماذا يشعر كثير من المسيحيين بأن مناطقهم أصبحت الخزينة الأسهل للدولة والأقل حظًا من خدماتها وإنمائها؟ ولماذا تتكرر الشكاوى من غياب العدالة في الإنفاق، ومن التعيينات، ومن توزيع المشاريع والوظائف والنفوذ؟
لا يجوز أن يتحول المسيحي إلى مواطن مطلوب منه أن يدفع دائمًا باسم الدولة، وأن يصمت دائمًا باسم الوحدة الوطنية، وأن يتنازل دائمًا باسم العيش المشترك.
وفي المقابل، لا يجوز أيضًا أن يتحول الدفاع عن الحقوق إلى عداء للآخر أو إلى خطاب طائفي. المعادلة الصحيحة ليست: المسيحي ضد المسلم، بل المواطن في مواجهة دولة غير عادلة، أيًا تكن طائفته.
ومن هنا، تحتاج القوى المسيحية إلى مراجعة شجاعة. فالمطلوب ليس استعادة الماضي ولا الحنين إلى زمن انتهى، بل بناء رؤية جديدة تقوم على ثلاثة عناوين واضحة: حماية الوجود، تثبيت الشراكة، وفرض العدالة.
حماية الوجود تعني رفض أي تهجير أو تغيير ديموغرافي مقصود، ودعم بقاء الناس في أرضهم، وتأمين فرص العمل والسكن والاستثمار في مناطقهم.
وتثبيت الشراكة يعني ألا يكون المسيحي شريكًا سياسيًا عند الحاجة، ثم متفرجًا عندما توزّع السلطة والمواقع والموارد.
أما العدالة فتعني دولة واحدة وقانونًا واحدًا ومؤسسات واحدة، لكن أيضًا إنماءً متوازنًا وحقوقًا متساوية ومسؤوليات متساوية.
لقد آن الأوان للخروج من ثنائية زائفة: إما دولة قوية ولو على حسابنا، أو دولة ضعيفة تحمي كل طائفة نفسها بنفسها. لبنان يحتاج إلى دولة قوية وعادلة، لا إلى دولة قوية على فئة وضعيفة أمام فئات أخرى.
كما أن على القوى المسيحية أن تتوقف عن التنافس فيما بينها على من هو الأكثر اعتدالًا والأكثر انفتاحًا، وكأن الدفاع عن الحقوق الوطنية أصبح تهمة تحتاج إلى تبرير.
المسيحيون لا يحتاجون إلى وصاية أحد، ولا إلى عودة إلى لغة الحرب، ولا إلى استعادة مشاريع الماضي. يحتاجون إلى وضوح سياسي جديد: انفتاح بلا ذمية، شراكة بلا تبعية، دولة بلا استنسابية، وسيادة لا تكون شعارًا موسميًا.
فإذا كانت القوى المسيحية تريد فعلًا دولة قوية، فلتبدأ بالسؤال: هل الدولة التي نطالب بها عادلة معنا كما نطالبها بأن تكون عادلة مع الآخرين؟
وإذا كانت الإجابة لا، فالمشكلة ليست في شعار الدولة، بل في الدولة نفسها.
لقد انتهى زمن الشعارات الكبيرة. وما يحتاجه المسيحيون اليوم ليس من يتحدث باسمهم، بل من يضع أمام الدولة والآخرين حدودًا واضحة للحقوق، ويطالب بها بأخلاق وثبات ومن دون خوف أو عداء.
فالعيش المشترك لا يقوم على أن يتنازل طرف دائمًا كي يستمر الآخر، بل على أن يشعر الجميع أن لهم وطنًا واحدًا، وحقوقًا واحدة، وكرامة واحدة.
هذه ليست دعوة إلى الانعزال، بل إلى التوازن. وليست دعوة إلى الطائفية، بل إلى شراكة حقيقية. وليست عودة إلى الماضي، بل محاولة لمنع المستقبل من أن يكون أكثر ظلمًا.