مقالات رأي
روسيا وأوكرانيا: حرب استنزاف تتقدم ببطء وتفاوض لم يتحول إلى مسار سلام

إعداد: ضياء الدين مرزقي
دخلت الحرب الروسية الأوكرانية مرحلة صراع على القدرة على الاستمرار أكثر من كونها سباقاً نحو حسم عسكري سريع أو تسوية دبلوماسية وشيكة. فروسيا ما زالت قادرة على الهجوم والقصف وتوسيع إنتاج المسيّرات، لكن مكاسبها الصافية تبدو محدودة وبطيئة. وأوكرانيا حققت نجاحات عملياتية موضعية عطلت خططاً روسية، لكنها تواجه نقصاً بشرياً واعتماداً حيوياً على الدعم الخارجي. أما التفاوض فعاد إلى الواجهة، من دون أن تتقلص الفجوة حول الأرض والضمانات الأمنية وترتيب وقف النار.
المشهد الراهن: لا جمود كامل ولا اختراق حاسم
تُظهر أحدث التقييمات المفتوحة المصدر حتى 13 سبتمبر أن القوات الأوكرانية نجحت، منذ مارس 2026، في الحد من المكاسب الروسية الصافية إلى مستويات شبه معدومة في عدد من القطاعات. كما عطلت هجمات أوكرانية مضادة في ليمان وكوبيانسك وأوليكساندريفكا محاولات روسية لتطويق حزام المدن المحصنة في دونيتسك، الممتد حول سلوفيانسك وكراماتورسك ودروجبكيفكا.
ولا يعني ذلك أن الجبهة تحولت إلى خط ثابت. فما زالت روسيا تضغط قرب كوستيانتينيفكا وشرق سلوفيانسك وكراماتورسك، وتستخدم القنابل الانزلاقية والضربات بعيدة المدى لإرهاق الدفاعات والطرق والمدن. لكن الضغط الروسي لم يتحول، وفق المعطيات المتاحة، إلى اختراق عملياتي واسع أو إلى عزل كامل لحزام الحصون.
في المقابل، ينبغي الحذر من تحويل غياب التقدم المؤكد خلال يومين أو ثلاثة إلى حكم دائم على اتجاه الحرب. فالمعلومات الميدانية متنازع عليها، وبعضها يأتي من أطراف الحرب أو من مصادر مفتوحة لا تغطي كل المواقع. لذلك فالنتيجة الأمتن ليست أن طرفاً انتصر، بل أن القدرة على تحويل المكسب التكتيكي إلى تغيير استراتيجي ما زالت غائبة.
من معركة الأرض إلى معركة القدرة على توليد القوة
تتجاوز دلالة الحرب عدد القرى التي تتغير السيطرة عليها من أسبوع إلى آخر. فالسؤال الحاسم أصبح: من يستطيع تعويض الخسائر، وإنتاج الذخائر والمسيّرات، وحماية سلاسل الإمداد، وتمويل سنة جديدة من القتال؟
لا يوجد حتى الآن عدّ مستقل شامل وموثوق للخسائر العسكرية الحالية. وتُظهر قواعد الرصد التي تجمع الوفيات الروسية المعلنة أسماء موثقة، لكنها ناقصة ومتأخرة ولا تشمل المفقودين. أما الأرقام اليومية التي تعلنها كييف عن الخسائر الروسية والتجنيد، فهي مؤشرات صادرة عن طرف محارب، ولا ينبغي تقديمها بوصفها حصيلة نهائية.
تواجه أوكرانيا بدورها مأزقاً بشرياً. ولهذا توسع استخدام المركبات الأرضية غير المأهولة في نقل الذخائر وإجلاء الجرحى وتشغيل بعض الأسلحة. غير أن التكنولوجيا لا تلغي الحاجة إلى المشاة؛ فهي تساعد على تقليل التعرض للخطر، لكنها لا تستطيع وحدها تطهير المباني والخنادق أو احتلال الأرض والاحتفاظ بها.
المسيّرات: سلاح رخيص يغير معادلة الحرب
لم تعد المسيّرات وسيلة استطلاع أو ضربة محدودة، بل أصبحت جزءاً من منظومة الحرب بأكملها: الرصد، وتحديد الأهداف، والهجوم، والإمداد، والإخلاء، والاتصال، وضرب العمق الاقتصادي والعسكري.
تتمثل الميزة الروسية الأبرز في سرعة تعديل طائرات جيران وشاهد وتحسين ملاحتها واتصالاتها ومحركاتها وحمولاتها، ثم اختبار النسخ الجديدة في القتال وتوسيع الناجح منها خلال فترة قصيرة. أما أوكرانيا فتحاول تعويض نقص القوة البشرية عبر مسيّرات جوية وبرية وشبكات دفاع جوي أكثر مرونة.
قالت القوات الجوية الأوكرانية إن روسيا أطلقت مئات المسيّرات في موجات ليلية متتالية خلال 12 و13 سبتمبر، وإنها اعترضت معظمها. وهذه أرقام معلنة من طرف محارب، ولا تتوافر مطابقة مستقلة لكل عملية اعتراض. لكن حتى مع التحفظ على الأعداد، فإن كثافة الهجمات تكشف اتجاهاً ثابتاً: الحرب تُخاض في السماء بقدر ما تُخاض على الأرض.
كما أن ضربة مسيّرة أصابت قاطرة قرب معبر ياهودين على مقربة من الحدود البولندية، وفق ما وثقته لقطات محددة الموقع وأكده مسؤولون بولنديون. وتدل الحادثة على اتساع حساسية العمق اللوجستي، مع بقاء نية استهداف مسؤولين أوروبيين—وهي قراءة تحليلية متداولة—غير مثبتة كحقيقة معلنة.
الاقتصاد والطاقة: صمود روسي مكلف واعتماد أوكراني حيوي
تواجه أوكرانيا دماراً تراكمياً يجعلها غير قادرة على تمويل التعافي من مواردها الخاصة. ويقدر التقييم المشترك للحكومة الأوكرانية والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة احتياجات التعافي وإعادة الإعمار خلال عشر سنوات بنحو 587.7 مليار دولار، مقابل أضرار مادية مباشرة بلغت نحو 195.1 مليار دولار حتى نهاية 2025.
وتتركز الاحتياجات في النقل والطاقة والإسكان، مع أضرار واسعة في التجارة والصناعة والزراعة، فضلاً عن كلفة إزالة الألغام والركام. وقد تضرر أو دُمر نحو 14% من المساكن، بما يمس أكثر من ثلاثة ملايين أسرة، بينما زادت احتياجات النقل والطاقة مع استمرار الضربات على السكك والموانئ والمنشآت الحيوية.

ساعد الدعم الخارجي على إبقاء مؤسسات الدولة والاقتصاد الأوكرانيين عاملين، لكنه لم يلغِ الاعتماد على التمويل والتسليح والطاقة من الخارج. وكلما طال أمد الحرب، تحولت المساعدات من أداة دعم إلى شرط بنيوي لاستمرار الدولة وقدرتها على الدفاع والتعافي.
أما روسيا فلم تنهَر اقتصادياً. فقد حولت جزءاً كبيراً من اقتصادها إلى إنتاج حربي، ووسعت تجارتها مع شركاء خارج منظومة العقوبات، وحافظت على صادرات الطاقة. لكن الصمود لا يعني الاستدامة بلا حدود. فتراجع الأصول السائلة، وانخفاض عائدات النفط والغاز، ونقص العمالة والتكنولوجيا، والاعتماد المتزايد على الصين، كلها تجعل السنة الإضافية من الحرب أكثر كلفة.
العقوبات لم توقف النفط الروسي تماماً، لكنها قلصت العوائد وفرضت خصومات ورفعت كلفة النقل والتحايل. كما فقدت روسيا جزءاً كبيراً من سوق الغاز الأوروبية طويلة الأجل، بينما دفعت الحرب أوروبا إلى تنويع مصادرها وتسريع الاستثمار في الغاز المسال وكفاءة الطاقة والطاقة المتجددة.
الأثر الإنساني: الطاقة المدنية أصبحت جبهة قائمة بذاتها
وثقت الأمم المتحدة بين ديسمبر 2025 ومايو 2026 مقتل 1,272 مدنياً وإصابة 6,871 في أوكرانيا، بزيادة قدرها 40% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. كما سجلت مئات الهجمات على منشآت الكهرباء والتدفئة خلال الشتاء، ما أدى إلى انقطاعات طويلة أثرت في المنازل والمستشفيات والمدارس والمياه والصرف الصحي.
الأثر لا يقاس بعدد الضربات فقط. فعندما تتوقف الكهرباء، تتعطل مضخات المياه، وتضعف المستشفيات، وتتعرض الأسر للبرد، وتتراجع قدرة فرق الطوارئ على الإجلاء والإصلاح. ولذلك فإن ضرب الطاقة يضاعف الضرر المدني حتى عندما لا يصيب المبنى السكني مباشرة.
وتبقى ملفات الأسرى والمعتقلين والانتهاكات في الأراضي المحتلة جزءاً مركزياً من أي تسوية قابلة للحياة. فوقف القتال لا يكفي إذا لم يترافق مع معاملة إنسانية للأسرى، ووصول مستقل للمراقبين، وحفظ الأدلة، وآليات مساءلة لا تخلط بين التوثيق والحكم القضائي النهائي.
الدبلوماسية: عودة القنوات لا تعني اقتراب الاتفاق
أعادت واشنطن فتح قناة اتصال نشطة بين موسكو وكييف. فقد أجرى المبعوثان الأميركيان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر محادثات في موسكو ثم زارا كييف في مطلع سبتمبر، وناقشا مع القيادتين وقف القتال والضمانات الأمنية والدعم الشتوي والدفاع الجوي. وتحدثت الأطراف عن أفكار قابلة للعمل وعن احتمال استئناف محادثات ثلاثية، لكن من دون إعلان اختراق أو نص متفق عليه.
تتمثل العقدة الأولى في الأرض. فموسكو ما زالت تطالب بانسحاب أوكرانيا من مناطق في دونباس لا تزال كييف تسيطر عليها، بينما ترفض أوكرانيا الانسحاب المسبق وترفض أوروبا تغيير الحدود بالقوة. لذلك تبدو صيغة تأجيل الوضع القانوني للأراضي، مع وقف فعلي ومراقب، أكثر قابلية للنقاش من الاعتراف الفوري بالضم، لكنها قد لا تلبي الحد الأدنى الروسي.
العقدة الثانية هي ترتيب الخطوات. تريد كييف وقف إطلاق نار يمكن التحقق منه قبل الدخول في تسوية سياسية شاملة. وتخشى أن تستخدم موسكو هدنة ضعيفة لإعادة التموضع والتسلح. وفي المقابل، ترى موسكو أن التفاوض يمكن أن يستمر تحت النار، وأن وقف القتال قبل الاتفاق قد يحرمها من أوراق الضغط الميدانية.
العقدة الثالثة هي مصداقية الضمانات. فالضمان السياسي العام يختلف عن ضمان مدعوم بتسليح طويل الأجل، واستخبارات، ومخزونات، وتمويل، وآلية رد على الخرق. وكلما كانت الضمانات أقوى، زادت صعوبتها القانونية والسياسية في الدول الغربية. ولهذا ستختبر موسكو ليس صياغة البيان، بل استعداد الغرب لتحمل كلفة التنفيذ.














