عن غيابٍ يضجّ باللقاء: راسم عبيدات وحضور الفكرة في أزقة القدس
منذ ساعتين
2 دقائق
إسماعيل مسلماني *
في القدس، لا يُقاس حضور الإنسان بجسده فقط، ولا يُقاس غيابه بالمسافة التي تفصله عن المكان. هناك أشخاص يتركون في المدينة شيئًا منهم، في شوارعها وأزقتها وذاكرة أهلها، حتى حين تغيب أجسادهم خلف أبواب السجون.
هذا هو حال راسم عبيدات، «أبو شادي»، الذي قارب السبعين، ومع دخول فصل الشتاء، ما زال يقبع خلف القضبان، تحت وطأة الاعتقال الإداري، وكأن السجن يريد أن يعاقب إنسانًا أحب مدينته، وتمسّك بقلمه، وقال ما يراه دون خوف.
أبو شادي، أو كما يحب البعض أن يلقبه «المفتي»، لم يكن يومًا كاتبًا يجلس بعيدًا عن تفاصيل القدس. كان ابن الشارع المقدسي، قريبًا من الناس، حاضرًا في تفاصيلهم وهمومهم، يقرأ المشهد بعين ناقدة وقلم لا يعرف المجاملة.
(عنزة ولو طارت)، «عرب طوبز»، «نفط وكاز»… عبارات أصبحت مرتبطة بأبي شادي، تمامًا كما ارتبط اسمه بالجرأة والصراحة والنقد القاسي أحيانًا. قد نختلف معه، وقد نتفق، لكن من الصعب أن تقرأ له دون أن تشعر أن صاحب النص يقول ما يؤمن به فعلًا، بلا حسابات ولا تزيين.
ولعل اللافت أن هذا الحضور لم يكن محصورًا في الصحافة الفلسطينية. ففي الإعلام العبري، وُصف راسم عبيدات بأنه واحد من أبرز الأصوات المؤثرة في القدس الشرقية، وأن اسمه ارتبط لعقود بالكتابة والتحليل حول القدس والصراع على هويتها ومقدساتها. وهذه، في حد ذاتها، شهادة لها دلالتها: أن الرجل الذي اعتاد أن يكتب عن القدس من داخل أزقتها، أصبح اسمه معروفًا حتى لدى من يراقبون المدينة من الجهة الأخرى.
راسم عبيدات لم يكن مجرد محلل يراقب الأحداث من بعيد. كان يرى القدس من داخلها؛ من حواريها، ومن هموم أهلها، ومن تفاصيل الحياة اليومية التي يعرفها المقدسيون جيدًا. ولذلك كانت كلمته تصل بسرعة، وتفتح نقاشًا، وتثير سؤالًا، وأحيانًا تُغضب البعض، لكنها نادرًا ما تمرّ دون أثر.
اليوم، يغيب أبو شادي عن شوارع القدس، عن جولته الصباحية، وعن تلك القراءة التي اعتاد كثيرون انتظارها لمعرفة رأيه في حدث سياسي أو قضية مقدسية. لكن السجن، مهما طال، يستطيع أن يحجب الإنسان ولا يستطيع أن يحجب الفكرة.
فما كتبه راسم بقي بين الناس. عباراته ما زالت تُتداول، وتحليلاته ما زالت تُقرأ، وصوته ما زال حاضرًا في النقاشات المقدسية. وكأن غيابه تحوّل، على نحوٍ مفارق، إلى شكل آخر من أشكال الحضور.
ولعل المفارقة أن رجلًا قارب السبعين، قضى عمره بين القدس والكتابة والنقاش، يجد نفسه اليوم خلف القضبان، بينما تبقى المدينة التي أحبها مفتوحة على كل أسئلتها ووجعها.
ولعل القدس لا تنسى أبناءها الذين كتبوا عنها بصدق، حتى حين تغيب أصواتهم خلف جدران السجون. ستبقى حكاية أبي شادي جزءًا من حكاية هذه المدينة؛ رجلٌ اختار أن يقول ما يراه، وأن يدفع ثمن كلمته دون أن يساوم عليها. وفي زمنٍ يكثر فيه الصمت، يصبح الثبات على الكلمة فعلًا من أفعال الحياة.
من هناك، خلف القضبان، قد لا تصلنا كلماته الجديدة، لكننا نعرف أن المدينة التي حملها في قلبه لم تكن يومًا بحاجة إلى جدران كي تسكنه.
سلامٌ لأبي شادي، المفتي …. وللقدس التي ما زالت تنجب من بين أزقتها رجالًا يعرفون أن بعض الكلمات لا تُقال لتمرّ، بل تُقال كي تبقى.