تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

اخر الاخبار
مقالات رأي

البابُ الضيّقُ، مضيقُ هُرمز، والتدبيرُ الخلاصيّ

عبورٌ خلاصيّ بين مضيق هرمز ومصير الإنسان

الخوري الدكتور نبيل مونس

في الأوكونوميّةِ الخلاصيّةِ، أيِ التدبيرِ الخلاصيّ، يتجلّى حبُّ اللهِ للبشريّةِ في تجسُّدِ المسيحِ وموتِه على الصّليبِ، وقيامتِه من بينِ الأمواتِ.

هذا هو إيمانُنا، وهذهِ هي الحقيقةُ التي كانت مطويّةً في سرِّ اللهِ منذ ما قبلَ نشوءِ الكونِ، وقبلَ أن تظهرَ ملامحُ العالمِ، وقبلَ أن ترتفعَ النتوءاتُ الأولى للجبالِ، وتتشكّلَ القارّاتُ، وتتصدّعَ الصّخورُ، وتتبدّلَ الجغرافيا والجيولوجيا عبَر العصورِ.

ثمّ جاءَ المسيحُ إلى دربِ الصليبِ، إلى الجلجلةِ، إلى الموتِ، ودخلَ حتّى إلى أعماقِ الهاويةِ، ليشقّ الطريقَ بين عالمِ الخطيئةِ والموتِ، وبين عالمِ الحقِّ والفضيلةِ والنّورِ الإلهيِّ؛ وليعلنَ أنّ الموتَ ليسَ الكلمةَ الأخيرةَ، وأنّ الظلمةَ ليستِ المصيرَ النهائيَّ للإنسانِ. وهنا يطرحُ السّؤالُ نفسَه: مَن يُخلّصُ الإنسانَ من الضّيقِ الذي نحنُ فيه؟

هل نحتاجُ إلى مخلّصٍ جديدٍ؟
أم أنّنا ما زلنا ندورُ داخلَ الدّائرةِ القديمةِ نفسِها: انهيارُ حضاراتٍ، وقيامُ حضاراتٍ أخرى فوقَ أنقاضِها، وحروبٌ تتكرّرُ، وأجيالٌ تدفعُ ثمنَ أخطاءِ الأجيالِ السّابقةِ؟

ولعلّ صورةَ مضيقِ هرمز تحملُ لنا شيئًا من معنى “البابِ الضيّقِ”. فالمضيقُ مكانٌ ضيّقٌ بين مساحتينِ واسعتيْنِ؛ والعبورُ فيهِ يحتاجُ إلى حكمةٍ وحذرٍ، لأنّ الخروجَ من جهةٍ إلى أخرى لا يتمُّ من دونِ المرورِ في الضّيق.

وكذلك الإنسانُ: يريدُ أن يعبرَ من عالمِ الخوفِ إلى عالمِ السّلامِ، ومن عالمِ الحربِ إلى عالمِ المحبّةِ، ومن الموتِ إلى الحياةِ. لكنّه يكتشفُ أنّ الطريقَ ليس واسعًا دائمًا، بل إنّ المسيحَ نفسَه يقولُ: “ما أضيقَ البابَ وأكربَ الطريقَ المؤدّيَ إلى الحياةِ، وقليلون همُ الذين يجدونَه.”

وإذا غامرْنا في أساطيرِ العالمِ القديمِ، قبل أن ندخلَ في قواميسِ العالمِ المادّي، نجدْ أنفسَنا أمامَ صورةٍ تكادُ تختصرُ مأساةَ الإنسانِ القديمِ: عقوبةُ سيزيف.

حُكمَ على سيزيف بأن يدفعَ صخرةً ضخمةً إلى قمّةِ الجبلِ، وفي كلِّ مرّةٍ، وقبلَ أن تصلَ الصّخرةُ إلى القمّةِ، تتدحرجُ إلى الأسفلِ، فيُضطرّ إلى أن يبدأَ من جديدٍ، إلى الأبدِ.

أليستْ هذهِ أحيانًا صورةَ الإنسانِ الذي يُحاولُ أن يبنيَ عالمًا من دونِ الله؟

يَبني، ثمّ يهدِمُ.
ينتصرُ، ثمّ يخسرُ.
يصنعُ حضارةً، ثمّ يدمّرها.
يرفعُ الصّخرةَ إلى القمّةِ، ثمّ تعودُ إلى الوادي.

وهكذا يبقى الإنسانُ أسيرَ دورةٍ لا تنتهي، ما لم يجدْ طريقًا جديدًا، وخلاصًا حقيقيًّا.

وبكلّ صراحةٍ وبساطةٍ، وبالرغم من تعقيداتِ أبناءِ المشرقِ العربيّ والشرقِ الأوسط، أحبّ أن أقولَ لهم:

إنّ المخلّصَ قد أتى.

إنّه ابنُ أرضِنا بحسبِ الجسدِ، لكنّه نزَلَ من السّماءِ.
دخل تاريخَنا، ومشى على أرضِنا، وحملَ آلامَنا، وخلعَ عنِ الإنسانِ هياكلَ الأصنامِ القديمةِ، وفتحَ أمامَه طريقَ الخلاصِ، وجعلَ الخلاصَ قريبًا وفي متناولِ اليدِ.

إنّه الطريقُ الذي يقودُنا من الضّيقِ إلى الرّحبِ، ومن الموتِ إلى الحياةِ، ومن الحربِ إلى السّلامِ.

وهو الطريقُ الوحيدُ القادرُ أن يُخرجَ الإنسانَ من دوّامةِ الحروبِ، ومن خطرِ الحروبِ النوويّةِ والدّمارِ الشّاملِ، ومن منطقِ القوّةِ الذي يجعلُ الإنسانَ عدوًّا لأخيِه الإنسان.

إنّه الحقّ، الحقّ الذي جاءَ متجسّدًا.

المسيحُ لم ينشرِ العدلَ بالسّيفِ، ولا بالقوّةِ، ولا بالتهديدِ، بل بالكلمةِ، وبالحبِّ، وبالرّوحِ الذي من روحِه.

ولهذا لن يستقيمَ العدلُ في العالمِ ما لم يتعلّمِ الإنسانُ أن يُحبّ قريبَه كنفسِه.

لكنّ الإنسانَ لا يستطيعُ أن يُحبّ بهذه الصورة بقوّته وحدَها.

إنّه يحتاجُ إلى أن يسلّمَ عقلَه وإرادتَه وقلبَه، وبحرّيةٍ كاملةٍ، إلى القلبِ الإلهيّ؛ إلى الله الذي أحبَّ الإنسانَ أوّلًا، وإلى الأوكونوميّةِ الخلاصيّةِ، التدبيرِ الخلاصيّ، الذي أعدّه الله للبشريّةِ في المسيح.

فالبابُ الضيّقُ ليس بابَ الموتِ، بل بابَ العبورِ.

ومضيقُ هرمز ليس إلا صورةً من صُوَرِ الضّيقِ الذي يعبُره الإنسانُ في التاريخِ.

أمّا المسيحُ، فهو البابُ والطريقُ والحقُّ والحياةُ.

ومَن يدخلْ فيه لا يبقى أسيرَ صخرةِ سيزيف، ولا أسيرَ دائرةِ التاريخِ المغلقةِ، بل يبدأُ عبورًا جديدًا:

من العبوديّةِ إلى الحريّةِ،
ومن الخوفِ إلى الرّجاءِ،
ومن الكراهيةِ إلى المحبّةِ،
ومن الموتِ إلى القيامةِ،
ومن ضيقِ هذا العالمِ إلى رحابةِ ملكوتِ الله.

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock