مقالات رأي
هل كانت المشكلة في الديمقراطية العربية أنها لم تجد التوازن بين الحرية والمساواة، أم أن الديمقراطية نفسها وُلدت داخل دول لم تكن قد اكتملت سيادتها ومؤسساتها وشرعيتها؟

معتز فخرالدين *
السؤال قديم، والإجابات عليه كثيرة. هناك من يردّ الأمر إلى غياب الثقافة الديمقراطية، ومن يربطه بضعف الطبقة الوسطى، ومن يرى أن تدخل الجيش في السياسة كان العامل الحاسم. وهناك من يحمّل النخب الليبرالية مسؤولية العجز عن الجمع بين الحريات السياسية والعدالة الاجتماعية، فيفسر صعود الحركات القومية والاجتماعية بأنه كان ردًا على نظام سياسي اهتم بالانتخابات والبرلمان أكثر مما اهتم بأوضاع المجتمع.
كل هذه التفسيرات تلامس جانبًا من الحقيقة، لكنها تبدأ من الديمقراطية وكأنها ظهرت في فراغ.
السؤال الذي يسبقها هو: أي دولة كانت الديمقراطية العربية تحاول أن تعمل داخلها؟
الدولة العربية الحديثة نشأت في معظم الحالات تحت تأثير الاستعمار أو الانتداب، وفي حدود لم يكن المجتمع شريكًا كاملًا في رسمها. وحين نالت دول عربية استقلالها، لم تكن قد حسمت كل الأسئلة المتعلقة بالسيادة، وبناء المؤسسات، وعلاقة السلطة بالمجتمع، وموقع الجيش، ومعنى المواطنة، ومصدر الشرعية السياسية.
كانت الدولة موجودة، وكانت لها حكومات ودساتير وبرلمانات وأحزاب، لكن بناء الدولة الوطنية لم يكن قد اكتمل.
مصر تقدم نموذجًا واضحًا لهذه المفارقة.
دستور 1923 أرسى إطارًا دستوريًا، وفتح المجال أمام الحياة البرلمانية والحزبية، وأصبح الوفد قوة شعبية كبرى. لكن الحياة السياسية المصرية لم تكن تتحرك داخل دولة مكتملة السيادة. بقي النفوذ البريطاني حاضرًا في القرار، وبقي القصر قادرًا على التدخل في الحياة السياسية، وظلت البنية الاجتماعية شديدة التفاوت.
كان البرلمان موجودًا، وكانت الأحزاب فاعلة، لكن العلاقة بين المؤسسات الدستورية والقصر لم تستقر على قواعد تحمي الحياة السياسية من التعطيل، كما لم تحسم الدولة موقعها بين الإرادة الوطنية والنفوذ الأجنبي. لذلك لم يكن الخلل في الدستور وحده، بل في الدولة التي كانت تعمل هذه المؤسسات داخلها، وفي الصراع بين مراكز القوة التي تتنازع القرار.
ثم جاءت حرب فلسطين عام 1948.
لم تصنع الحرب أزمة النظام المصري، ولم تنشئ تنظيم الضباط الأحرار، لكنها كشفت هشاشة الدولة في لحظة بلغ فيها السؤال الوطني ذروة التوتر. عاد ضباط من الحرب وهم يرون الفارق بين صورة الدولة عن نفسها وقدرتها الفعلية على أداء دورها. لم يعد السؤال متعلقًا بالحكومة والبرلمان وحدهما، بل بقدرة الدولة على الدفاع عن مصالحها وعلى اتخاذ قرارها.
كانت فلسطين أحد العوامل التي عمقت هذا الوعي، إلى جانب أزمة النظام السياسي، والتفاوت الاجتماعي، والنفوذ البريطاني، وتراجع الثقة بالملكية.
لهذا لا يصح اختزال 23 يوليو 1952 في حرب فلسطين، كما لا يصح فصلها عن المناخ الذي صنعته الحرب.
وعندما تحرك الضباط الأحرار، لم يكونوا يسقطون نظامًا مستقرًا. كانت الملكية قد راكمت أزمات سياسية ووطنية واجتماعية عميقة، وكانت العلاقة بين القصر والأحزاب قد أضعفت الحياة السياسية، وبقي الوجود البريطاني عنوانًا لعجز الدولة عن استكمال استقلالها، فيما كانت قضية العدالة الاجتماعية تزداد إلحاحًا.
يمكن تفسير لماذا تدخل الجيش في السياسة، من دون اعتبار تدخله حقًا دائمًا في حكم البلاد. ويمكن الاعتراف بالمطالب الوطنية والاجتماعية التي حملتها حركة يوليو، من دون تحويلها إلى مبرر لإلغاء التعددية والحريات.
مشروع جمال عبد الناصر لم يكن مشروع سلطة مجردة. حمل قضايا التحرر الوطني والاستقلال والعدالة الاجتماعية ومواجهة النفوذ الأجنبي والوحدة العربية. وهذه القضايا لم تكن شعارات مصطنعة؛ كانت جزءًا من الواقع العربي وتطلعات قطاعات واسعة من المجتمع.
لكن مشروعية القضية لا تمنح السلطة حصانة من المساءلة.
هنا وقع التناقض الذي سيطبع تجارب عربية كثيرة. تحولت ضرورات التحرر الوطني إلى مبرر لتقييد السياسة، وتحولت العدالة الاجتماعية إلى حجة لإغلاق المجال العام، وكأن المجتمع لا يستطيع أن يحصل على حقه في العيش الكريم إلا إذا تخلى عن حقه في الاختلاف.
وفي المقابل، لم تستطع الديمقراطية الليبرالية أن تقدم جوابًا مقنعًا عن الأسئلة الوطنية والاجتماعية التي فرضها ذلك العصر. لم يكن يكفي وجود انتخابات وبرلمان إذا بقيت السيادة منقوصة، واستمر التفاوت الاجتماعي، وبقيت فلسطين قضية مركزية في الوعي العربي.
لهذا لا أعتقد أن تفسير التجربة العربية باعتبارها صراعًا بين الحرية والمساواة يصل إلى أصل المشكلة.
لا تستطيع الدولة أن تجعل العدالة الاجتماعية بديلًا عن الحرية السياسية، كما لا تستطيع أن تجعل الانتخابات غطاءً لتجاهل الفقر والتفاوت. الجمع بين الاثنين يحتاج إلى دولة قادرة على حماية سيادتها، وتنظيم الخلاف، وتطبيق القانون، وإنتاج شعور بالمواطنة يتجاوز الولاءات الأولية.
سورية والعراق يقدمان صورتين أخريين.
في سورية، لم تمنع الحياة البرلمانية والأحزاب والانتخابات الجيش من دخول السياسة بانقلاب حسني الزعيم عام 1949. عادت الحياة الدستورية بعد ذلك، لكنها لم تنتج قواعد مستقرة تمنع القوة العسكرية من العودة إلى المجال السياسي. وفي العراق، سبق ثورة 1958 تدخل الجيش في السياسة بانقلاب بكر صدقي عام 1936. اختلفت التجربتان في ظروفهما ونتائجهما، لكنهما تكشفان مشكلة واحدة: حين لا تصبح المؤسسات أقوى من أدوات القوة، يصبح النظام السياسي عرضة للانقلاب كلما اختل توازن القوى.
لبنان قدم نموذجًا مختلفًا.
استمرت فيه المؤسسات الدستورية والبرلمانية والانتخابات، ولم يتحول الجيش إلى سلطة حاكمة كما حدث في بلدان عربية أخرى. لكن النظام السياسي قام على توزيع طائفي للسلطة، فأصبح الانتماء الطائفي جزءًا من تركيب الدولة نفسها، وبقيت المواطنة السياسية ناقصة، كما ظل سؤال السيادة والعلاقة بالمحيط العربي والخارج عنصرًا دائمًا في الصراع الداخلي.
كان لبنان يملك مؤسسات دستورية، لكنه لم يحسم بصورة نهائية سؤال الدولة التي يفترض أن تعمل هذه المؤسسات في إطارها.
في مثل هذا السياق، يمكن فهم جانب من صعود الحركات القومية والاجتماعية بعد الحرب العالمية الثانية.
لم تكن هذه الحركات مجرد قوى معادية للديمقراطية. حملت تصورًا للتحرر الوطني والسيادة والعدالة الاجتماعية والوحدة العربية، وجاءت في مواجهة نظم ارتبطت، بدرجات مختلفة، بالاستعمار أو بالنخب التقليدية أو بالعجز عن تحقيق الاستقلال الكامل. لذلك وجدت سندًا شعبيًا حقيقيًا.
لكنها حين أمسكت بالسلطة لم تنجح في إقامة المعادلة التي كان يفترض أن تحققها: دولة قوية في مواجهة الخارج، ومجتمع أكثر عدالة في الداخل، وحياة سياسية تسمح بالاختلاف وتداول السلطة.
ولا يصح اختزال التجربة القومية في صورة واحدة، كما لا يصح تحويل إنجازاتها الوطنية والاجتماعية إلى غطاء دائم لإلغاء السياسة.
القومية العربية في أصلها لم تكن مشروعًا لإلغاء الدولة بقدر ما كانت اعتراضًا على ضعف الكيانات العربية وتجزئتها وعجزها عن حماية استقلالها ومصالحها. لكن التجربة السياسية اصطدمت بسؤال آخر: كيف يمكن بناء دولة قوية من دون أن تتحول القوة إلى سلطة مغلقة؟ وكيف يمكن تحقيق العدالة الاجتماعية من دون أن يصبح المواطن تابعًا لمن يمنحه حقه؟ وكيف يمكن الدفاع عن الوحدة العربية من دون أن تتحول الدولة إلى أداة بيد حزب أو قائد؟
لم تجد التجربة جوابًا مستقرًا عن هذه الأسئلة.
لذلك لا أرى أن مأزق الديمقراطية العربية يبدأ من السؤال: لماذا اختار العرب المساواة وتركوا الحرية؟ ولا من السؤال المعاكس: لماذا فشلت الحرية أمام العسكر والقوميين؟
السؤال الأسبق هو: لماذا لم يكتمل بناء الدولة الوطنية التي تستطيع أن تجعل الحرية والعدالة والسيادة والمواطنة أجزاء من نظام سياسي واحد؟
حين تكون السيادة ناقصة، تصبح السياسة عرضة لتدخل الخارج. وحين تكون المؤسسات ضعيفة، يصبح الجيش أو الحزب أو الزعيم أقوى من القواعد. وحين تكون المواطنة ناقصة، تتحول الانتخابات نفسها إلى صراع بين جماعات وهويات. وحين لا تحظى السلطة بشرعية مستقرة، يصبح الوصول إليها أهم من قواعد الوصول إليها.
لهذا لا تكفي كتابة دستور أو إجراء انتخابات لبناء ديمقراطية مستقرة.
الديمقراطية تحتاج إلى دولة تحميها، والدولة الوطنية تحتاج إلى مواطن كامل الحقوق، لا إلى تابع يبحث عن حماية زعيم أو طائفة أو حزب.
لم تكن المشكلة أن الديمقراطية العربية لم تجد التوازن بين الحرية والمساواة؛ المشكلة أن الديمقراطية حاولت أن تعمل داخل دول لم يكن بناء الدولة الوطنية فيها قد اكتمل.
المطلوب ليس أن نختار بين الحرية والعدالة، بل أن نبني الدولة التي تجعل كليهما حقًا للمواطن، لا منحة من السلطة.













