تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

اخر الاخبار
مقالات رأي

صراع النفوذ الدولي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: من الممرات والأسواق إلى إعادة توزيع المصالح

ادريس أحميد

لم يعد الصراع على الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يُختزل في النفط أو في التنافس العسكري التقليدي. فالمنطقة أصبحت جزءاً من منافسة دولية أوسع، تتداخل فيها التجارة والاستثمار والموانئ والممرات البحرية وسلاسل الإمداد والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، إلى جانب الطاقة والأمن.

وما نشهده اليوم ليس بداية لهذا التنافس، بل مرحلة تتسارع فيها عملية إعادة الحسابات. فالحرب الروسية الأوكرانية، وأزمات الشرق الأوسط، والتوتر الأمريكي الصيني، كلها كشفت مدى هشاشة بعض الترتيبات الاقتصادية والأمنية، ودفعت الدول إلى البحث عن بدائل وشراكات ومسارات أكثر تنوعاً.

الحرب ليست أصل التنافس، لكنها قد تكون محفزاً لتسريع إعادة الحسابات وتوزيع المصالح والتحالفات.

من الطاقة إلى شبكة المصالح

لا تزال الطاقة عنصراً أساسياً في أهمية المنطقة، لكن النفوذ لم يعد يقاس بمن يملك النفط والغاز فقط.

الموانئ والممرات البحرية والمناطق اللوجستية والأسواق والاستثمارات والمعادن الحيوية والتكنولوجيا أصبحت جزءاً من معادلة القوة. فمضيق هرمز والبحر الأحمر وقناة السويس والبحر المتوسط ليست طرقاً للطاقة فحسب، بل شرايين للتجارة العالمية.

وقد أظهرت أزمة مضيق هرمز في 2026 حجم الترابط بين الأمن الجيوسياسي والاقتصاد العالمي؛ إذ قالت وكالة الطاقة الدولية إن اضطراب الملاحة عبر المضيق أدى إلى خروج ما يقارب 20% من إمدادات الغاز الطبيعي المسال العالمية من السوق في ذروة الأزمة.

لكن الدرس الأوسع لا يتعلق بالطاقة وحدها. فكل اضطراب في ممر رئيسي يرفع تكاليف النقل والتأمين ويؤثر في سلاسل الإمداد والأسواق والاستثمارات. وهكذا أصبح تنويع الطرق والموردين والشركاء جزءاً من الأمن الاقتصادي للدول.

من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط: إعادة حسابات متواصلة

كانت الحرب الروسية الأوكرانية مثالاً واضحاً على هذا التحول. فقد أدى تراجع تدفقات الغاز الروسي إلى أوروبا إلى دفع الاقتصادات الأوروبية نحو مصادر وموردين ومسارات بديلة. ومع أزمة الشرق الأوسط، ظهرت مشكلة مختلفة: ليس فقط من أين تأتي الطاقة، بل كيف تصل إلى الأسواق؟

وهذا يفسر لماذا أصبحت الموانئ والممرات البحرية والبنية التحتية اللوجستية جزءاً من التنافس الدولي، ولماذا تتجه دول كثيرة إلى بناء خيارات متعددة بدلاً من الاعتماد على مصدر أو طريق واحد.

وهنا تتجاوز المنافسة مسألة الطاقة لتصل إلى الاقتصاد والتجارة والصناعة والتكنولوجيا.

الولايات المتحدة: انسحاب أم إعادة توزيع للأدوار؟

يبقى الدور الأمريكي أحد أهم الأسئلة في هذه المرحلة.

فهل تتجه واشنطن إلى الابتعاد عن الشرق الأوسط، أم أنها تعيد توزيع حضورها وتطلب من حلفائها وشركائها تحمل مسؤوليات أكبر؟

التمييز مهم، لأن الانسحاب الكامل شيء، وإعادة توزيع الموارد والأدوار شيء آخر.

وتشير السياسة الأمريكية في عهد ترامب إلى استخدام أكثر مباشرة للأدوات الاقتصادية والتجارية والموارد الطبيعية ضمن السياسة الخارجية، كما يظهر في تعامل واشنطن مع ملفات مثل فنزويلا.

لكن من المبكر اعتبار هذه السياسة استراتيجية أمريكية ثابتة لعقود؛ فالمصالح الأمريكية في المنطقة أقدم من الإدارة الحالية، بينما تختلف الأدوات من إدارة إلى أخرى.

لذلك فإن السؤال الأهم ليس ما إذا كانت الولايات المتحدة ستغادر المنطقة، وإنما ما الذي ستحتفظ به من نفوذ، وما الذي ستعيد توزيعه، وما الذي ستطلب من شركائها القيام به؟

الصين: توسع النفوذ دون ضرورة لإزاحة أمريكا

في المقابل، لا تحتاج الصين إلى إزاحة الولايات المتحدة حتى توسع نفوذها.

فبكين تستطيع بناء علاقات اقتصادية وتجارية وتكنولوجية مع دول متباينة في توجهاتها، من الخليج وإيران إلى مصر وشمال أفريقيا وأفريقيا.

وهنا تختلف طبيعة النفوذ الصيني عن النفوذ العسكري الأمريكي. فالصين تستطيع توسيع حضورها عبر التجارة والاستثمار والبنية التحتية والموانئ والتكنولوجيا، بينما تبقى الولايات المتحدة قوة أمنية وعسكرية رئيسية.

لذلك فإن السؤال ليس: من سيحل محل الآخر؟

بل: هل يتجه العالم إلى توزيع أكثر تعدداً لمصادر القوة، بحيث يصبح على دول المنطقة التعامل مع عدة مراكز نفوذ في الوقت نفسه؟

واشنطن وبكين: منافسة مع قنوات للتفاهم

اللقاء الأخير بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ في واشنطن يقدم نموذجاً لهذه المرحلة.

فقد اتفق الطرفان على خفض بعض الرسوم الجمركية، وإنشاء مجلس للتجارة، وفتح قناة للحوار حول الذكاء الاصطناعي، إلى جانب تعزيز الاتصالات العسكرية لتقليل مخاطر سوء التقدير.

لكن ذلك لم ينهِ المنافسة. فما زالت ملفات التكنولوجيا والمعادن الحيوية وتايوان والتجارة والذكاء الاصطناعي موضع خلاف.

ومن ثم قد يكون العالم متجهاً إلى صيغة التنافس المُدار: تعاون محدود في الملفات التي تفرض مصالح مشتركة، ومنافسة شديدة في مجالات القوة المستقبلية.

وهذا التحول مهم للشرق الأوسط وأفريقيا، لأن تعدد مراكز القوة يمنح الدول خيارات أوسع، لكنه يفرض عليها أيضاً إدارة علاقاتها بحسابات أكثر تعقيداً.

التحالفات الأمنية والاقتصاد

هذا التحول يظهر أيضاً على المستوى الإقليمي.

ففي أغسطس 2026 وقعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاق دفاع مشترك ينص على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد هجوماً عليها جميعاً، مع تعزيز التعاون الدفاعي.

ومن المبكر اعتبار الاتفاق كتلة سياسية أو اقتصادية متكاملة، لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو ما إذا كان التعاون الأمني يمكن أن يتطور مستقبلاً إلى شراكات أوسع في الصناعات الدفاعية والاستثمار والتكنولوجيا والنقل.

وإذا حدث ذلك، فسيكون جزءاً من اتجاه أوسع نحو تنويع الشراكات وعدم الاعتماد على مصدر واحد للأمن أو الاقتصاد.

إيران والخليج: من إدارة الخلاف إلى إدارة المصالح؟

في قلب هذه التحولات تبرز العلاقة بين إيران ودول الخليج، ليس باعتبارها محور التنافس الدولي كله، وإنما باعتبارها اختباراً لإمكانية بناء ترتيبات أمنية إقليمية جديدة.

فالحوار بين السعودية وإيران لم ينقطع، وقد أكدت الرياض في اتصالات رسمية خلال 2026 أهمية الحوار والدبلوماسية وحماية أمن المنطقة والملاحة. وفي الوقت نفسه، أدت الهجمات والتهديدات الأمنية إلى استمرار فجوة الثقة.

وهنا يطرح الواقع سؤالاً مهماً:

هل يمكن أن تنتقل المنطقة تدريجياً من إدارة الخلاف بالمواجهة إلى إدارة الخلاف عبر قواعد ومصالح مشتركة؟

قد تبدأ أي صيغة إقليمية من ملفات عملية: حماية الملاحة، أمن المنشآت الحيوية، احترام السيادة، عدم استهداف البنية التحتية المدنية، ووجود قنوات اتصال دائمة لمنع التصعيد غير المقصود.

كما يمكن للاقتصاد أن يكون مدخلاً عملياً، من خلال التجارة والاستثمار والنقل والموانئ.

ولا يعني ذلك إزالة الخلافات السياسية، وإنما محاولة منعها من التحول إلى حروب مفتوحة ترفع كلفة الجميع.

شمال أفريقيا وأفريقيا: عقدتان في الشبكة الجديدة

في هذه المعادلة، لا ينبغي التعامل مع شمال أفريقيا وأفريقيا باعتبارهما ملفين منفصلين.

فشمال أفريقيا تقع عند تقاطع أوروبا والبحر المتوسط وأفريقيا، وتمتلك إمكانات في الطاقة والصناعة والخدمات والموانئ واللوجستيات.

وتشير بيانات صندوق النقد الدولي إلى أن أوروبا كانت في 2023 الوجهة الرئيسية لتجارة شمال أفريقيا، إذ استحوذت على 63% من صادرات المنطقة و43% من وارداتها.

أما أفريقيا، فتكتسب أهمية متزايدة بسبب أسواقها ومواردها الطبيعية وموانئها ومعادنها الحيوية، إضافة إلى إمكانات الطاقة المتجددة.

وبذلك تصبح المنطقة الممتدة من الخليج إلى البحر الأحمر وشمال أفريقيا جزءاً من شبكة واحدة للمصالح: ممرات، موانئ، أسواق، موارد، استثمارات وتكنولوجيا.

الذكاء الاصطناعي: وجه جديد للمنافسة

إذا كان النفط أحد رموز القوة في القرن العشرين، فإن الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة قد يكونان من أهم مصادر القوة في القرن الحادي والعشرين.

فالذكاء الاصطناعي يرتبط بالرقائق ومراكز البيانات والطاقة والاتصالات والمعادن وسلاسل الإمداد، كما يدخل بصورة متزايدة في الاقتصاد والدفاع والأمن.

ولهذا فإن المنافسة الأمريكية الصينية في التكنولوجيا ليست مسألة تجارية فقط، بل جزء من إعادة تشكيل القوة العالمية.

وفي الوقت نفسه، فإن اتفاق واشنطن وبكين على فتح حوار بشأن مخاطر الذكاء الاصطناعي يوضح أن المنافسة لا تمنع تماماً الحاجة إلى قواعد اتصال وتفاهم.

هل نحن أمام نهاية عصر الشريك الواحد؟

ربما يكون أبرز التحولات التي تكشفها هذه المرحلة هو اتجاه الدول إلى تنويع الخيارات.

لا يعني ذلك التخلي عن الحلفاء التقليديين، وإنما محاولة عدم الاعتماد عليهم وحدهم.

وهذا ما يفسر توسيع العلاقات الاقتصادية مع الصين، وتطوير الشراكات الدفاعية الإقليمية، والحفاظ على العلاقات الأمريكية والأوروبية، والانفتاح على تركيا والهند وآسيا وأفريقيا.

إنه انتقال من منطق «الاختيار بين طرفين» إلى منطق إدارة شبكة متعددة من العلاقات.

الخلاصة: إعادة توزيع المصالح لا استبدال قوة بأخرى

ما يجري في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لا يبدو انتقالاً بسيطاً من قوة إلى أخرى.

الولايات المتحدة ستظل لاعباً رئيسياً، والصين ستواصل توسيع حضورها الاقتصادي والتكنولوجي، وأوروبا ستدافع عن مصالحها في المتوسط وشمال أفريقيا، بينما تبحث القوى الإقليمية عن مساحة أكبر للمناورة وتنويع الشراكات.

والحروب الأخيرة لم تبدأ هذا التنافس، لكنها سرعت بعض اتجاهاته وكشفت هشاشة بعض الترتيبات القائمة.

لذلك فإن مستقبل المنطقة قد لا يتحدد بمن «يسيطر» عليها، بل بمن يستطيع بناء شبكة أكثر تنوعاً من المصالح والشراكات والممرات والأسواق.

والتحدي الحقيقي أمام دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفريقيا هو ألا تتحول إلى ساحات لتنافس القوى الكبرى، بل إلى أطراف قادرة على التفاوض والاستثمار والاستفادة من هذا التنافس في التنمية وبناء اقتصاد أكثر تنوعاً.

فالعالم لا يتجه بالضرورة إلى استبدال قوة عظمى بأخرى، وإنما إلى تعدد أكبر في مراكز القوة والمصالح.

وفي هذا العالم، ستظل الحروب أحداثاً مفصلية، لكن مستقبل النفوذ سيُحسم أيضاً في الموانئ والأسواق ومراكز التكنولوجيا وسلاسل الإمداد والاستثمارات والقدرة على بناء الشراكات.

وهنا تكمن المسألة الأساسية: ليس من يدخل المنطقة ومن يخرج منها، بل كيف تعيد المنطقة نفسها صياغة موقعها في عالم تتغير فيه موازين القوة والمصالح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock