تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

اخر الاخبار
مقالات رأي

الوعي… ولكن أين تنمو بذوره؟

رشيد ج. مينا

كثيرًا ما نسمع ونقرأ عن الوعي بوصفه ضرورة للتغيير. يتحدث عنه كتّاب ومفكرون ومناضلون وأصحاب تجارب، وأحيانًا مواطنون عاديون، وأحسب أنني واحد منهم. ندعو إلى الوعي وفهم الواقع وما يدور حولنا، وإلى التحرر من التضليل والتبعية، باعتبار ذلك مدخلًا ضروريًا لكي نستطيع أن نخطو نحو المستقبل.

لكن، مع تزايد هذه الدعوات، يلحّ عليّ سؤال أجد أننا لا نعطيه ما يستحق من الاهتمام: كيف يتشكل الوعي أصلًا؟ وفي أية بيئة نطلب منه أن يتشكل وينمو؟

فالإنسان لا يولد في فراغ، ولا يعيش خارجه. يولد في بيت وأسرة وبيئة اجتماعية، ثم يدخل المدرسة والجامعة والعمل، ويتلقى منذ طفولته منظومة من الأفكار والعادات والقيم والمخاوف والمسلّمات والانتماءات. ويكبر داخل مجتمع له تاريخه وانقساماته، ونظامه السياسي والاقتصادي، وإعلامه وثقافته، وطرق الحصول فيه على العمل والحقوق والخدمات. ومن كل ذلك يتشكل جانب كبير من نظرته إلى نفسه وإلى الآخر وإلى المجتمع والدولة.

أشجار الصنوبر لا تنمو على السواحل الحارة، والأسماك لا تعيش من دون ماء، والنخيل لا ينمو في جبال الجليد، والأزهار لا تزهر في أعماق البراكين. لكل منها بيئته وظروفه ومناخه. والإنسان، وإن كان يمتلك ما لا تمتلكه من عقل وقدرة على المراجعة والاختيار والتغيير، فإنه لا ينفصل عن البيئة التي نشأ وعاش فيها.

فكيف نطلب منه وعيًا مختلفًا فيما البيئة التي صنعت الكثير من وعيه الأول ما زالت تحيط به وتعيد إنتاج نفسها كل يوم؟

تزداد المسألة تعقيدًا عندما لا تعود البيئة مجرد أفكار وموروثات، بل تتحول إلى شروط للحياة نفسها. حين يحتاج الإنسان إلى واسطة ليحصل على وظيفة، وإلى صاحب نفوذ لإنجاز معاملة، وإلى زعيم أو طائفة أو جماعة للحصول على خدمة أو حماية أو فرصة أو مساعدة، لا تعود التبعية مجرد موقف فكري يمكن تغييره بمقال أو محاضرة؛ فقد تصبح بالنسبة إليه وسيلة لتدبير حياته وتأمين لقمة عيشه.

يعرف المواطن أن له حقًا، لكن تجربته قد تعلمه أن الوصول إلى حقه يحتاج إلى وسيط. يسمع عن المواطنة، لكنه يرى أن الانتماء إلى جماعة أو صاحب نفوذ قد يكون أكثر نفعًا من صفته مواطنًا. نحدثه عن حرية الاختيار، بينما يعرف أن لبعض خياراته أثمانًا قد يدفعها من عمله أو مصالحه أو علاقاته.

ومع تكرار التجربة قد يتحول الاضطرار إلى عادة، والعادة إلى سلوك، والسلوك إلى ثقافة، ثم تنتقل الثقافة من جيل إلى آخر.

وهنا يصبح السؤال مشروعًا: كيف نطلب من الإنسان أن يتحرر بمجرد أن نقول له: كن واعيًا؟

ليست المشكلة في الدعوة إلى الوعي؛ فالوعي ضرورة لأي تغيير حقيقي. المشكلة في أن الكثير من هذه الدعوات يبقى أقرب إلى الدعوات الشاعرية، لأنها تطلب الثمرة قبل أن تسأل عن البذرة والتربة والماء والمناخ الذي يسمح لها بأن تنمو وتثمر.

وقد يبدو الجواب سهلًا: لنبدأ من البيت والمدرسة والتعليم. لكن أي بيت؟ وأية مدرسة؟ وأي تعليم؟

فالبيت نفسه ابن البيئة التي نتحدث عنها، والأب والأم يحملان معهما الكثير مما ورثاه عنها. والمعلم الذي نطالبه بأن يزرع السؤال والتفكير النقدي والمواطنة هو أيضًا إنسان يعيش تحت ضغط الحاجة ويبحث عن شروط بقائه وكرامته. والمدرسة ليست جزيرة معزولة عن المجتمع، بل تقوم داخله وتحمل الكثير من انقساماته وموروثاته وتناقضاته.

وفي لبنان تصبح المفارقة أكثر وضوحًا. كيف نحمل المدرسة وحدها مسؤولية بناء وعي وطني في مجتمع لم يستطع حتى اليوم التوافق على قراءة جامعة لتاريخه الحديث، وفي ظل نظام تعليمي أنهكته الأزمات، وواقع تتوزع فيه المؤسسات التعليمية على مرجعيات وبيئات اجتماعية ودينية مختلفة، بينما يتلقى الطفل، إلى جانب ما يتعلمه في المدرسة، روايات وانتماءات ومخاوف أخرى في البيت والحي والجماعة؟

وكيف نطلب من مادة التربية المدنية أن تزرع المواطنة في ذهن التلميذ، فيما قد يرى خارج المدرسة أن الحصول على بعض الحقوق والخدمات لا يمر دائمًا عبر المواطنة والقانون، وإنما عبر الواسطة والنفوذ والعلاقات؟

ليس المقصود إدانة البيت أو المدرسة أو المعلم، بل إدراك أن الجميع يعمل ويعيش داخل البيئة نفسها بدرجات مختلفة. وهنا تكمن صعوبة المسألة.

فمن أين نبدأ إذا كانت الأسرة والمدرسة والسياسة والاقتصاد والإعلام والمؤسسات أجزاءً من البيئة التي نريد تغييرها؟

ربما كان الخطأ في بحثنا عن نقطة واحدة نبدأ منها، أو عن مؤسسة نكلفها صناعة الوعي نيابة عن المجتمع.

يمكن أن تبدأ العملية من شقوق صغيرة داخل الواقع نفسه:

من معلم يشجع تلميذه على السؤال، وأب يقبل أن يخالفه ابنه، وشاب يجرؤ على مراجعة ما ورثه، وكاتب يفتح سؤالًا بدل أن يقدم حقيقة نهائية، وإعلامي يرفض أن يكون صدى للاصطفاف، ومجموعة تخلق مساحة يلتقي فيها المختلفون، ومواطن يدرك أن من ساعده في الوصول إلى حقه لا يملك نتيجة لذلك رأيه وصوته وولاءه.

هذه الأفعال الصغيرة لن تغير المجتمع دفعة واحدة، لكنها تستطيع أن تنشئ بيئات صغيرة مختلفة داخل البيئة الكبرى. وإذا التقت هذه المساحات واتسعت، فقد تبدأ في التأثير في البيئة التي ولدت داخلها بدل أن تبقى أسيرة لها.

لكن ذلك وحده لا يكفي.

فلا يمكن أن نطلب من الإنسان استقلالًا كاملًا في وعيه، فيما شروط حياته تدفعه كل يوم إلى التبعية. ومن هنا يأتي الجوهر الحقيقي لمفهوم الدولة الوطنية.

الدولة ليست حدودًا وعلمًا ونشيدًا ومؤسسات تحمل أسماء رسمية فحسب. الدولة هي أيضًا البيئة العامة التي يفترض أن يحصل فيها المواطن على حقه لأنه مواطن، لا لأنه تابع؛ وأن يجد القانون قبل أن يضطر إلى البحث عن الحماية؛ والمؤسسة قبل الواسطة؛ والعدالة قبل النفوذ.

حين تحكم المؤسسات قواعد القانون والعدالة والمساواة، تنكسر واحدة من أهم حلقات التبعية. فالعدالة لا تحمي الحقوق فقط، بل تساعد في تحرير الإنسان من الحاجة إلى من يمنحه حقه. والقانون لا ينظم علاقة المواطن بالدولة وحسب، بل يوسع المساحة التي يستطيع فيها أن يتخذ موقفه ويختار ويختلف من دون أن يخشى أن يدفع ثمن ذلك من رزقه أو حقه أو كرامته.

لكن الدولة التي نبحث عنها لا يمكن أن تكون مجرد استعادة لشكل قائم أثبت الواقع عجزه، ولا إصلاحًا إداريًا لبعض المؤسسات. نحن بحاجة إلى رؤية تنطلق من واقع الحاضر كما هو، تبحث في أسباب ما وصلنا إليه، وتعالج شروطه، وفي الوقت نفسه تستشرف الطريق إلى المستقبل الذي نريد.

وهنا تلتقي الدولة بالوعي في علاقة لا يمكن فصل أحد طرفيها عن الآخر: وعي يطالب بالدولة، ويسهم في بنائها ويراقبها ويحاسبها، ودولة تحرر المواطن تدريجيًا من شروط الحاجة والتبعية التي تعيق استقلال وعيه واختياره.

فلا ننتظر إنسانًا جديدًا لكي نبني دولة جديدة، ولا ننتظر الدولة الجديدة لكي يولد الإنسان الجديد. كلا المسارين يجب أن يبدأ، وكل منهما يستطيع أن يفتح الطريق أمام الآخر. ولعل أول علامات الوعي ليست أن يمتلك الإنسان أجوبة أكثر، بل أن يمتلك شجاعة السؤال:

لماذا أفكر بهذه الطريقة؟ هل هذه قناعتي أم ما ورثته؟ هل أنتمي أم أتبع؟ هل ما أحصل عليه حق أم منّة؟ هل اختياري حر، أم أن الحاجة اختارت عني؟ وهل أقبل للآخر حرية الاختلاف التي أطالب بها لنفسي؟

الوعي ليس لحظة سحرية يصل إليها الإنسان، ولا شهادة يمنحها أحد لنفسه أو للآخرين، ولا شعارًا نرفعه كلما عجزنا عن تفسير استمرار الواقع. إنه مسار من المعرفة والسؤال والتجربة والمراجعة، ومن التحرر التدريجي من الخوف والحاجة والتبعية.

ولذلك، ربما علينا أن نخفف قليلًا من تكرار القول: «نحتاج إلى الوعي»، وأن نبدأ بطرح السؤال الأصعب: ماذا فعلنا لنصنع البيئة التي يستطيع فيها الوعي أن يولد وينمو؟

فالبذور موجودة، وربما كانت كثيرة، لكن إلقاء البذور في أرض لا نهيئها ثم انتظار الثمار ليس مشروعًا للتغيير.

إذا أردنا وعيًا مختلفًا، فعلينا أن نزرع بذوره، وأن نعمل في الوقت نفسه على تغيير التربة التي نريد لهذه البذور أن تنمو فيها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock