تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

اخر الاخبار
مقالات رأي

أحمد نزّال: من النص إلى المؤسسة… هل اكتملت ملامح المشروع الفكري؟

فاروق غانم خداج *

في الذاكرة الجامعية أسماء لا تبقى لأنها شغلت موقعًا أكاديميًا فحسب، بل لأنها ارتبطت بطريقة تكوّن الطالب ونظرته إلى المعرفة. وحين أعود اليوم إلى سنواتي في كلية الآداب والعلوم الإنسانية في الجامعة اللبنانية، أستعيد أسماء أساتذة كان لكل واحد منهم أثره في تكويننا: الدكتور محمد توفيق أبو علي، والدكتور جودت فخر الدين، والدكتور رشيد الضعيف، والدكتور بهيج القنطار، والدكتور يوسف الطويل، والدكتور حبيب مغنية، والدكتور رفيق عطوي.

كنت طالبًا أتعامل مع الأدب العربي لا بوصفه مادة دراسية فحسب، بل مدخلًا إلى فهم اللغة والثقافة والتاريخ. وربما لهذا السبب بقيت صلتي بالأدب والثقافة قائمة بعد سنوات الدراسة؛ فقد عملت في التعليم، واشتغلت في اللغة والتدقيق والتحرير والبحث والكتابة الصحافية، وظل النص الأدبي بالنسبة إليّ مجالًا للقراءة والسؤال.

وزير الثقافة خلال توقيع رواية ” مملكة نساء الملح”: بيروت عاصمة العرب الثقافية وعاصمة حوار الحضارات في العالم .. – ميزان الزمان

ومن هذه الزاوية أقرأ اليوم تجربة أحمد محمود نزّال.

لم تكن علاقتي بالدكتور نزّال في سنوات الدراسة علاقة مباشرة، ولم أكن من طلابه الذين يحتفظون بذكريات شخصية عن محاضراته. لذلك لا أكتب عنه من موقع التلميذ أو الصديق، بل من موقع طالب سابق في الجامعة اللبنانية، أصبح بعد سنوات كاتبًا وباحثًا ومدققًا لغويًا وتربويًا ومتابعًا للشأن الثقافي، ووجد في التجربة الأكاديمية والثقافية اللبنانية مادة دائمة للتأمل والسؤال. وما يعنيني هنا ليس تعداد الكتب والمناصب، بل محاولة قراءة الخيط الذي يصل بينها.

هل تكشف هذه الأعمال عن مشروع فكري متكامل؟ أم أننا أمام باحث أكاديمي اتسعت اهتماماته من النص إلى التاريخ الثقافي ثم إلى المؤسسة؟ وما الذي يجعل مجموعة من الأعمال مشروعًا، لا مجرد أعمال متجاورة؟ وهذه الأسئلة هي مدخل القراءة.

من النص يبدأ السؤال

يحتل الأدب والتراث مساحة واضحة في تجربة نزّال، مع اهتمام خاص بالأدب العاملي والبيئات الثقافية اللبنانية. ومن أبرز أعماله كتاب «شعر المهجر العاملي في إيران والعراق في القرنين السادس عشر والسابع عشر: اللغة الشعرية ورؤاها»، الصادر عام 2017 عن دار المحجة البيضاء، في 467 صفحة. اختار فيه ثلاثة من العلماء الشعراء العامليين: الشيخ بهاء الدين العاملي، والشيخ حسن بن زين الدين العاملي، والشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي، واعتمد منهج الأسلوبية البنيوية في دراسة النص على مستوى بنيته الكلية ومكوّناته من إيقاع ومعجم وتركيب ومجاز ودلالة.

وهنا تظهر قيمة أساسية في منهجه: النص لا يُستعاد بوصفه وثيقة فقط، بل بوصفه مادة قابلة للقراءة النقدية.

لكن المنهج نفسه يفتح سؤالًا آخر.

إذا كان الهدف إعادة الشعر العاملي إلى خريطة الأدب العربي، فهل يكفي تحليل خصائصه الداخلية؟ أم أن الخطوة التالية ينبغي أن تكون وضع هذه النصوص في سياقها العربي الأوسع؟

ما الذي يميز هذا الشعر فنيًا؟ وهل يقدم تحولًا أسلوبيًا أو رؤية جمالية تتجاوز خصوصيته المكانية؟ وكيف يمكن مقارنته بما كان يُكتب في البيئات الأدبية الأخرى في القرنين السادس عشر والسابع عشر؟

هذه الأسئلة لا تقلّل من قيمة العمل؛ بل تدفعه إلى المجال الذي يطمح إليه صاحبه نفسه: أن يصبح النص موضع اختبار، لا مجرد مناسبة لاستعادة الذاكرة.

فالكتاب جمع بين العودة إلى المخطوطات وتحليل الخصائص الشعرية، في محاولة للإسهام في كتابة تاريخ الشعر العربي واللبناني على أساس نقدي، وإحياء جانب من التراث العاملي وإعادته إلى التداول. وهنا يبدأ الفرق بين جمع التراث وإعادة اكتشاف موقعه داخل تاريخ الأدب.

Nwf.com: ديوان عبد المحسن الصوري: كتب

عبد المحسن الصوري: التحقيق عتبة للنقد

يأتي «ديوان عبد المحسن الصوري» في سياق آخر من اهتمام نزّال بالنصوص التراثية. وقد شارك في إعداد الكتاب إلى جانب مكي السيد جاسم وشاكر هادي شكر، مع تقديم لعبد المجيد زراقط.

وبحكم عملي في اللغة والتدقيق، أعرف أن تحقيق النص القديم ليس مهمة شكلية. فتصحيح كلمة قد يغير معنى بيت، وضبط حركة قد يحدّد وجه الإعراب، واختيار قراءة من بين قراءات قد يغير دلالة النص.

لكن قيمة التحقيق الحقيقية تبدأ بعد تثبيت النص.

إخراج ديوان عبد المحسن الصوري إلى القارئ يعيد النص إلى التداول، لكن الأسئلة النقدية تظل مفتوحة: ما موقع الصوري في تاريخ الشعر العربي؟ ما الذي يميز لغته؟ كيف تتصل تجربته بمدينة صور وبيئتها؟ وما الذي يكشفه شعره عن الحياة الثقافية في عصره؟

من هنا أرى أن التحقيق عتبة للنقد لا بديلًا منه.

وهذه الفكرة مهمة في قراءة مسار نزّال؛ فاهتمامه بالنصوص القديمة لا يبدو مجرد انشغال بالماضي، بل محاولة لإعادة أسماء ونصوص وبيئات ثقافية إلى دائرة البحث. لكن المرحلة التالية من المشروع، أي تحويل هذه المادة المحققة إلى قراءات نقدية مقارنة، هي التي تمنح العمل مدى أوسع.

صريفا: حين يصبح المكان ذاكرة

في كتابه «الحركة الشعرية في صريفا: الشاعر حسن نجدي ـ حياته وشعره»، الصادر عام 2019 عن دار المحجة البيضاء في 152 صفحة، ينتقل نزّال إلى الثقافة من خلال المكان، متناولًا الحركة الشعرية في صريفا وسيرة حسن نجدي وشعره.

وسبق ذلك كتابه «الحركة الدينية في صريفا: السيد حسن هاشم الموسوي وولده السيد إبراهيم ـ سيرة ومسيرة»، الصادر عام 2014 عن دار البنان، والذي يتناول جانبًا من الحركة الدينية والتعليمية والأدبية والثقافية في صريفا وجبل عامل.

وهذا الاتجاه قريب مني؛ فأنا ابن بيئة لبنانية أعرف أن الثقافة لم تكن حكرًا على المدن الكبرى. ففي البلدات مدارس ومجالس وعلماء وشعراء وقراء، وفيها ذاكرة ثقافية يمكن أن تضيع إذا لم تجد من يوثقها.

لكن دراسة المكان لا ينبغي أن تنتهي عند أسماء رجاله.

فحين يدرس الباحث الحركة الدينية أو الشعرية في بلدة، يصبح السؤال الأوسع: كيف كانت الثقافة تُنتج خارج المراكز؟ كيف انتقلت الكتب؟ من كان يعلّم؟ كيف تشكلت حلقات القراءة؟ وما صلة الحركة الثقافية بالبنية الاجتماعية؟

بهذا المعنى تصبح صريفا أكثر من مكان جغرافي؛ تصبح نافذة على جانب من تاريخ الثقافة اللبنانية خارج مراكزها المعروفة. وهنا يمكن أن يتسع البحث من تاريخ الأشخاص إلى تاريخ العلاقات والشبكات الثقافية التي صنعتهم. وهذه النقلة، لو اتسعت في أعمال لاحقة، يمكن أن تحول الدراسات المحلية من سجلات للذاكرة إلى مساهمة في كتابة تاريخ الثقافة اللبنانية نفسها.

نزّال ناقدًا: الإبداع الحقيقي لا يكفيه النشر

ولا يمكن قراءة تجربة نزّال من خلال كتبه وحدها. ففي حوار منشور عام 2023 حول اتجاهات الشعر في لبنان، قدّم تصورًا واضحًا لما يسميه «الإبداع الحقيقي».

فالإبداع عنده ليس مجرد إنتاج أدبي، بل إنتاج جديد يمثل رؤية جديدة منبثقة من الواقع المعيش ومشكلاته. كما رأى أن الشعر يحتاج إلى شروط ذاتية وموضوعية تسمح للمواهب بأن تبدع وتنفرد في تجربتها.

وفي الحوار نفسه قال بوضوح:

« إن غياب النقد الحقيقي الذي ينبغي أن يواكب حركة الإبداع من الأسباب التي أدت إلى تراجع كثيرين، خصوصًا عندما ندرك استسهال النشر». كما تحدث عن حركة جديدة لدى الشعراء الشباب، وعن محاولات للتميز على المستويين الفني والفكري وفي البنية الكلية للنصوص. وهنا تحديدًا يمكن أن نقرأ نزّال بالمعيار الذي يطالب به النقد نفسه.

فعندما يتحدث الباحث عن «حركة جديدة» لدى الشعراء الشباب، وعن تميز في البنية الفنية والفكرية، فإن السؤال النقدي يصبح مشروعًا: أين النماذج؟ ما القصائد التي تمثل هذه الحركة؟ ما الذي يجعل بنيتها جديدة؟ وهل الاختلاف في الشكل يكفي لإثبات تحول شعري؟

إنها ليست معارضة لرؤيته، بل استكمال لها.

فالناقد الذي يرفض استسهال النشر مطالب بأن يضع أحكامه أمام النص، والباحث الذي يدعو إلى النقد مطالب بأن يمنح القارئ نموذجًا تطبيقيًا يختبر من خلاله الحكم.

وهنا تظهر إحدى أكثر النقاط أهمية في تجربة نزّال: لديه رؤية نقدية واضحة المعالم؛ الجدة، والواقع، والبنية، والنقد المواكب، ورفض التساهل في النشر. لكن مدى تحول هذه الرؤية إلى مشروع نقدي متكامل يحتاج إلى مزيد من التطبيقات والنصوص.

واللافت أن هذا الموقف لم يبقَ في حدود الكلام النظري؛ ففي نشاط لاتحاد الكتّاب اللبنانيين عام 2025، شدد نزّال على أهمية العمل النقدي لا الاحتفائي، وعلى ضرورة أن تواكب الحركة النقدية الشعر بهدف إظهار الجمال وتقويمه ورفع مستوى الجودة. وهنا يصبح موقفه النقدي أكثر قابلية للقراءة بوصفه خطًا مستمرًا، لا مجرد رأي عابر في حوار صحافي.

متى تصبح الأعمال مشروعًا؟ ربما هنا تكمن العقدة الأساسية في قراءة نزّال.

فليس كل باحث يكتب عددًا من الكتب يصبح بالضرورة صاحب مشروع فكري. وليس كل من انتقل من الجامعة إلى المؤسسة الثقافية يتحول تلقائيًا إلى مفكر.

المشروع، في تقديري، يحتاج إلى أربعة عناصر مترابطة:

سؤال يتكرر ويتطور، ومفاهيم تتراكم، وتطبيقات تختبر هذه المفاهيم، وأثر يتجاوز حدود الكتاب الواحد.

وعندما نضع أعمال نزّال أمام هذه المعايير، نجد عناصر واضحة: النص والتراث، الأدب العاملي، التحقيق، الذاكرة الثقافية المحلية، النقد، الإبداع الجديد، ثم العمل الثقافي المؤسسي.

لكن السؤال يبقى: هل تنتظم هذه العناصر في رؤية واحدة؟

ربما تكون الإجابة الأدق أن ملامح الرؤية موجودة، بينما يحتاج مدى انتظامها في مشروع فكري أوسع إلى مزيد من التراكم والاختبار. وهذا تقدير أكثر دقة من إطلاق لقب جاهز.

فالمشروع الفكري لا يعلنه صاحبه ولا يثبته عدد الكتب وحده؛ الذي يثبته هو قدرة الأعمال المختلفة على أن تتحاور فيما بينها، وأن تنتج أسئلة ومفاهيم يمكن أن تستمر بعد صاحبها.

من النص إلى المؤسسة

في كانون الثاني 2024 انتُخبت هيئة إدارية جديدة لاتحاد الكتّاب اللبنانيين، وانتُخب أحمد محمود نزّال أمينًا عامًا للاتحاد لمدة أربع سنوات. وهذا الجانب هو الذي أثار اهتمامي بصورة خاصة.

أنا أتابع الاتحاد من موقع الكاتب والباحث والمدقق اللغوي، لا من موقع المتفرج على مؤسسة بعيدة عن المشهد الثقافي. وأعرف من تجربتي في التعليم والكتابة والتحرير أن المشكلة ليست دائمًا في غياب الأفكار، بل في ضعف الأطر التي تستطيع جمعها وحفظها وتحويلها إلى عمل مستمر.

وفي كانون الثاني 2025 صدر العدد الأول من مجلة اتحاد الكتّاب اللبنانيين بعد انقطاع طويل. وكتب نزّال في افتتاحيته أن الهيئة عملت على إعادة الحياة إلى المؤسسة، كما أشار إلى إطلاق جائزة الاتحاد للإبداع الأدبي اللبناني، وإلى سلسلة من النشاطات والزيارات والتواصل مع القامات الثقافية. كما واصل الاتحاد إصدار مجلته، وتظهر في مساره المؤسسي أعداد لاحقة، فيما يرد نزّال أمينًا عامًا ضمن الهيئة الإدارية.

النشاط وحده لا يكفي.

فالمجلة لا تستعيد قيمتها بمجرد صدورها؛ قيمتها تقاس بانتظامها، ونوعية موادها، وقدرتها على أن تصبح ذاكرة متراكمة للحياة الأدبية اللبنانية. والجائزة لا تقاس بإعلانها؛ أهميتها تظهر عندما تستطيع اكتشاف أصوات جديدة وبناء تقليد يستمر.

أما العضوية، فلا تصبح إنجازًا بمجرد ارتفاع عدد المنتسبين؛ قيمتها تظهر عندما تتحول من رقم إلى مشاركة. وهنا ينتقل السؤال من نزّال الباحث إلى نزّال المسؤول الثقافي.

«خلية نحل»… والامتحان هو الاستمرارية

كنت من الذين لفتهم كثيرًا اهتمام نزّال باتحاد الكتّاب اللبنانيين، ولا سيما محاولته إعادة الحركة إلى مؤسسة بدا أن حضورها الثقافي يحتاج إلى استعادة. وكان يمكن وصف هذه المرحلة بأنها جعلت الاتحاد «خلية نحل»؛ حركة متواصلة ولقاءات ونشاطات ومحاولات لإعادة المؤسسة إلى المشهد. لكن الصورة تحتاج إلى خطوة أخرى. خلية النحل لا تعمل بكثرة الحركة وحدها، بل بنظام يجعل العمل منتجًا ومتراكمًا.

وهذا هو الامتحان الحقيقي لأي مؤسسة ثقافية: هل يتحول النشاط إلى تقاليد؟ وهل تصبح المبادرات أنظمة؟ وهل يستطيع العمل أن يستمر عندما تتغير الوجوه؟

المؤسسة الثقافية لا تنجح لأنها نشطة في عهد شخص، بل عندما تصبح أقوى من الأشخاص الذين يديرونها. ومن هنا فإن قيمة تجربة نزّال في الاتحاد لن تقاس فقط بما أنجزته المرحلة الحالية، بل بما ستتركه للمراحل التالية.

من لبنان إلى المجال العربي

اتسع حضور نزّال في عام 2026 إلى الإطار العربي، إذ انتُخب نائبًا للأمين العام للاتحاد العام للأدباء والكتّاب العرب خلال اجتماع مجلس الاتحاد الذي انعقد في القاهرة بين 30 كانون الثاني و2 شباط 2026.

وهذا الانتقال يفتح مجالًا أوسع للعمل، لكنه يرفع سقف المسؤولية أيضًا.

فالموقع العربي لا تكتمل قيمته بالصفة الإدارية، بل بما يمكن أن ينتج عنه من تعاون بين الاتحادات، وتبادل ثقافي، ومشاريع نشر وتوثيق، وفتح مساحات جديدة أمام الكتاب.

ومن موقعي ككاتب لبناني، يهمني أن يكون الحضور العربي للثقافة اللبنانية طريقًا باتجاهين: أن ينقل لبنان إلى المجال العربي، وأن يعيد من هذا المجال ما يساعد الثقافة اللبنانية على الخروج من عزلتها وتشتتها.

ما الذي يبقى من أحمد نزّال؟

حين أفصل الاسم عن الموقع، والباحث عن المنصب، أجد أمامي تجربة تقوم على أربعة مسارات متقاطعة: باحث يعود إلى النص والتراث. ومحقق يعيد النص إلى التداول. وناقد يطالب بالإبداع الجديد وبالنقد المواكب. ومثقف ينتقل من الورق إلى المؤسسة. وهذه المسارات تمنح التجربة وزنها الحقيقي.

لكنها في الوقت نفسه تضعها أمام سؤال أكبر: هل تستطيع أن تنتج بينها وحدة فكرية تتجاوز حدود التخصصات والمراحل؟.

حتى الآن، أرى أن ملامح هذه الوحدة موجودة في الأسئلة التي تحرك التجربة، لكنها لم تبلغ بعد درجة النظام النظري الذي يسمح بتسميتها مشروعًا فكريًا مكتملًا. وهذا ليس حكمًا نهائيًا، بل قراءة لما هو متاح. والثقافة لا تُقرأ من لحظة واحدة.

بين الكتاب والمؤسسة

ربما لهذا السبب تحديدًا أجد تجربة أحمد نزّال جديرة بالقراءة.

ليست أهميتها في أن نضع صاحبها سريعًا في خانة «رجل الفكر»، كما أنها لا تختزل في كونه أستاذًا جامعيًا أو مسؤولًا ثقافيًا.

الأهم هو المسار نفسه: من النص إلى التحقيق، ومن التحقيق إلى النقد، ومن الثقافة المحلية إلى المؤسسة، ومن المؤسسة اللبنانية إلى المجال العربي.

أنا، الذي بدأت علاقتي بالأدب من مقاعد الجامعة اللبنانية، ثم انتقلت إلى التعليم والكتابة والتدقيق والتحرير والبحث، لا أريد أن أقرأ نزّال من خلال الألقاب.

أريد أن أقرأه من خلال ما كتب وما بحث وما حقق وما حاول أن يفعله في المؤسسة.

وهو نفسه يضع معيارًا يمكن أن يكون صالحًا لقراءة تجربته: لا يكفي أن ننشر؛ ينبغي أن يكون هناك إبداع حقيقي، ولا يكفي أن ننتج؛ ينبغي أن يكون هناك نقد يرافق الإنتاج.

لذلك فإن القراءة الأكثر إنصافًا لنزّال ليست أن نصفه مسبقًا، بل أن نترك أعماله تدخل في حوار مع بعضها، ومع التراث الذي يدرسه، ومع النقد الذي يدعو إليه، ومع المؤسسة التي يعمل على إعادة تنشيطها. فالمشروع الفكري لا تثبته الألقاب، ولا يكتمل بكثرة العناوين.

الزمن يختبره، والنص يكشفه، والأثر هو الذي يمنحه اسمه الأخير. وهنا، في المسافة بين الكتاب والمؤسسة، يبدأ السؤال الحقيقي عن أحمد نزّال.

* كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock