مهما حاولت أن أتجنب الإطلالة على حقيقة الواقع وما فيه من متغيرات وتبدلات وتحولات تكاد تقطع وصله بالتاريخ والجغرافيا، فإنني لا أستطيع.
فاجتناب ما يجري لا يجلب راحة، وإغماض العين لا يغير الحقيقة، ولا يعفي من مسؤولية السؤال ومحاولة الفهم. لكن ما جدوى الإطلالة، ومن أي زاوية أو نافذة كانت، إذا كان التشابه في المعاناة يكاد يلف العالم؟
حروب وصراعات، نزوح وتشريد وتغيير ديمغرافي، اتساع لمساحات الفقر والظلم والقهر والحرمان، ضياع للهويات وقطع للجذور، وتغليب لمصالح السلطة والنفوذ والاقتصاد على حساب الإنسان وحقوقه وحياته وكرامته.
تتغير الأمكنة والأسماء والأعلام، لكن الإنسان الذي يدفع الثمن يكاد يكون واحدًا. وإذا كانت صورة العالم على هذا القدر من الاضطراب، فإن واقعنا العربي لا يمكن عزله عنها، بل ربما كان من أكثر ساحاتها تأثرًا بما يجري.
واقع أنهكته الصراعات الداخلية، والحروب، والانقسامات، والتدخلات الخارجية، وأضعفت قدرته على الفعل الجماعي وحماية مصالحه. وفي الوقت الذي تتصارع فيه القوى الكبرى والإقليمية على النفوذ والمصالح، تبدو مساحات واسعة من منطقتنا وكأنها ساحات مفتوحة لذلك الصراع أكثر مما هي صاحبة قرار فيه. ولا يمكن للبنان أن يكون بمنأى عن كل ذلك.
فهو لم يكن يومًا جزيرة معزولة عن محيطه، وما أصاب الواقع العربي من ضعف ووهن وانقسام كان ولا يزال ينعكس عليه، ويضيف إلى أزماته الداخلية تحديات وعوائق جديدة. ومن هنا تأخذ سوريا مكانها الطبيعي في هذه الإطلالة.
فسوريا العربية الشقيقة الأقرب إلى لبنان ليست مجرد دولة جارة تفصلها عنه حدود. بين البلدين تاريخ وجغرافيا وثقافة ومصالح اقتصادية واجتماعية وأمنية متشابكة، تجعل من استقرار أحدهما وسيادته ووحدة أرضه مصلحة مباشرة للآخر.
واليوم، بعد سقوط نظام الأسد، تحاول سوريا بقيادتها الجديدة لملمة آثار سنوات طويلة من الحرب والانقسام والدمار، وإعادة بناء مؤسسات الدولة وتعزيز وحدتها الوطنية والجغرافية. لكن الطريق ليس سهلًا، والتحديات الداخلية والخارجية كثيرة. وفي مقدمتها استمرار الاعتداءات والتوغلات الإسرائيلية، إلى جانب تنافس المصالح والنفوذ الإقليمي والدولي على الساحة السورية.
وسوريا التي دفعت كل هذا الثمن لا تحتاج إلى استبدال نفوذ بنفوذ، ولا وصاية بوصاية، ولا إلى أن تبقى ساحة مفتوحة لحسابات إسرائيل أو إيران أو تركيا أو غيرها. إنها تحتاج إلى استعادة قرارها ووحدة أرضها، وإلى دولة قادرة على حماية شعبها وحدودها وبناء علاقاتها مع محيطها على أساس المصالح المشتركة واحترام السيادة.
وكذلك لبنان، فمصلحة لبنان ليست في سوريا ضعيفة أو مقسمة، ومصلحة سوريا ليست في لبنان ضعيف أو منقسم. مصلحة البلدين في دولتين قويتين سيدتين، تضبطان حدودهما وتحترمان استقلال بعضهما، وتبنيان علاقتهما على الندية والتعاون والمصالح المشتركة.
وعندما أطل من هذه النافذة على الوطن الذي ولدت وترعرعت في ربوعه، وعشت فيه أشكالًا مختلفة من المعاناة والتغيرات والصراعات والنكبات، أجد أن السؤال نفسه لا يزال حاضرًا:
متى يخرج لبنان من النفق؟
نفق دخله منذ أكثر من نصف قرن، وتغيرت خلاله الوجوه والتحالفات والمحاور والأسماء، لكن بقيت الساحة اللبنانية مفتوحة لصراعات الآخرين.
كان الصراع العربي الإسرائيلي عنوانًا رئيسيًا لمرحلة طويلة، ثم تبدلت طبيعة الصراعات وتشابكت، وأصبح لبنان يتأثر مباشرة بالصراع الإيراني–الأميركي–الإسرائيلي وبحسابات النفوذ الإقليمي والدولي.
واليوم، مع الرئيس جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، وفي ظل استمرار الرئيس نبيه بري في موقعه الذي يشغله منذ عقود، شهد لبنان قرارات ومواقف تتحدث عن استعادة الدولة لقرارها وسيادتها وحصر السلاح بيدها ودعم الجيش وبسط سلطته على كامل الأراضي. وهي أهداف وطنية لا خلاف عندي على ضرورتها.
لكن المشكلة ليست في إعلان القرار. المشكلة في المسافة بين القرار والقدرة على تحويله إلى واقع. فإسرائيل لا تزال موجودة في أراضٍ لبنانية، والاعتداءات لم تتوقف بصورة كاملة، وحصرية السلاح لم تتحقق، والدولة لم تستعد بعد سلطتها الفعلية الكاملة على أرضها وقرارها. والقرار الدولي نفسه الذي حدد نهاية مهمة اليونيفيل طالب إسرائيل بالانسحاب من المواقع التي تحتفظ بها داخل لبنان، كما طالب ببسط سلطة الحكومة اللبنانية بحيث لا يكون هناك سلاح أو سلطة خارجها.
بل إن اقتراب نهاية مهمة اليونيفيل أعاد طرح سؤال ما الذي سيملأ الفراغ بعدها، فيما لا تزال مواقع وأراضٍ تحت السيطرة الإسرائيلية، ولا يزال استكمال حصر السلاح متعثرًا. وهنا لا أستطيع أن أفصل الحاضر عن مسار طويل للسياسة الأميركية تجاه لبنان.
لا أقيس هذه السياسة بتصريح يصدر اليوم أو بموفد يصل غدًا، بل بنتائج عقود عاش خلالها لبنان الحروب والاجتياحات والاحتلالات والوصايات والتدخلات، فيما كانت الولايات المتحدة حاضرة في مراحل ومتراجعة في أخرى، تضغط في ملف وتتساهل في آخر. ولم يؤدِّ كل ذلك حتى اليوم إلى إخراج لبنان نهائيًا من النفق وإقامة دولة مكتملة السيادة قادرة على حماية أرضها وقرارها.
وحتى مسألة اليونيفيل تحمل ما يكفي من الأسئلة. فالولايات المتحدة وافقت في مجلس الأمن على القرار 2790، الذي مدّد المهمة للمرة الأخيرة حتى نهاية 2026 ثم نص على بدء انسحابها، بينما كان لبنان يطلب استمرارها. والقرار نفسه يطالب إسرائيل بالانسحاب الكامل من المواقع الخمسة والمناطق العازلة، ويدعو إلى تعزيز الجيش اللبناني وبسط سلطة الدولة.
فمن حق اللبناني أن يسأل:
إذا كان المطلوب منه أن يبسط سلطة دولته ويحصر السلاح بيدها، وهو مطلب ضروري لقيام الدولة، فأين الموقف الدولي الفاعل الذي يفرض في المقابل وقف الاعتداءات الإسرائيلية وانسحاب إسرائيل من أرضه، ويوفر للجيش اللبناني الإمكانات الفعلية التي تمكنه من تحمل مسؤولياته السيادية؟
إن المفاوضات والمؤتمرات ووعود الدعم مهمة، لكنها تقاس في النهاية بما تغيره على الأرض، لا بعدد الاجتماعات والصور والبيانات. لكن تحميل الخارج المسؤولية وحده سيكون هروبًا من نصف الحقيقة الآخر.
فلا الولايات المتحدة، ولا إسرائيل، ولا إيران، ولا أي قوة خارجية، تستطيع أن تجعل لبنان ساحة مفتوحة إلى ما لا نهاية من دون أن تجد في الداخل اللبناني أبوابًا تدخل منها. وهنا تبدأ مسؤوليتنا نحن.
لقد أتقنت قوى لبنانية كثيرة، عبر مراحل مختلفة، البحث عن الحليف والحامي والراعي في الخارج، حتى أصبح الخارج جزءًا من معادلات الداخل، وأصبحت بعض قوى الداخل أدوات أو شركاء في معادلات الخارج.
وهكذا نشأت دائرة يصعب كسرها: الخارج يستثمر في انقسامات الداخل، والداخل يستقوي بالخارج في صراعاته الداخلية. ولذلك فإن تغيير إدارة أو حكومة أو وجوه، على أهميته، لن يكون وحده كافيًا.
فالتخبط اللبناني لم يتغير جذريًا إذا بقيت الآلية نفسها: من إدارة أزمة إلى إدارة أخرى، ومن تسوية مؤقتة إلى تسوية أخرى، بينما الأسباب التي تعيد إنتاج الأزمة باقية. ولن تستطيع قوى الداخل إخراج لبنان من واقعه ما لم تتحرر من التبعية للخارج وأجنداته، وتصبح مصلحة لبنان فوق المصالح الفئوية والطائفية والحزبية والإقليمية. وهذا لا يعني أن ينعزل لبنان عن محيطه العربي أو عن العالم.
على العكس. لبنان يحتاج إلى محيط عربي قوي ومتوازن وقادر على الفعل، وإلى أفضل العلاقات مع أشقائه، وفي مقدمتهم سوريا، وإلى علاقات دولية واسعة تقوم على المصالح المتبادلة، لا على التبعية.
لكن هناك فرقًا كبيرًا بين العلاقة بالخارج والارتهان له. وبين التعاون والاستقواء. وبين الصداقة والتبعية. وبين أن يكون لبنان شريكًا في محيطه والعالم، وأن يكون ساحة لهما. وهنا أصل إلى السؤال الذي لا أريد أن تنتهي إليه هذه الإطلالة باليأس:
هل من أمل؟
حتمًا نعم. لكن الأمل ليس كلمة تقال، ولا انتظارًا لما سيقرره الآخرون لنا.
للأمل مسار ومقومات.
يبدأ باستعادة اللبناني ثقته بأن الدولة هي مرجعيته، واستعادة الدولة قرارها وسيادتها، وحصر السلاح والقوة المشروعة بمؤسساتها، ودعم الجيش ليكون قادرًا فعليًا على حماية الأرض والحدود، والعمل بكل الوسائل السياسية والدبلوماسية والقانونية المتاحة لإنهاء الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية.
ويحتاج إلى قضاء مستقل، ومؤسسات فاعلة، واقتصاد منتج، وإدارة نظيفة، وقانون انتخاب يتيح للناس أن يختاروا ممثليهم بحرية، وإعلام وطني، وتعليم يعيد بناء مفهوم المواطنة والانتماء.
ويحتاج، قبل ذلك وبعده، إلى إرادة لبنانية ترفض أن يكون الوطن ورقة في يد أي محور. فليس المطلوب أن ينتصر فريق لبناني على فريق آخر.
المطلوب أن تنتصر الدولة على واقع اللادولة. وليس المطلوب أن ننتقل من محور إلى محور، أو من وصاية إلى أخرى.
المطلوب أن نستعيد حقنا في أن نكون أصحاب القرار في وطننا، وأن نتعامل مع الآخرين من موقع الدولة والمصلحة الوطنية، لا من موقع الساحة والحاجة والارتهان. ربما لهذا، مهما حاولت أحيانًا أن أتجنب الإطلالة على الواقع، أعود إليها.
ليس لأن المشهد مريح.
بل لأن إغماض العين لا يوقف حربًا، ولا يعيد نازحًا، ولا يحرر أرضًا، ولا يبني دولة. ولأن اليأس، مهما كانت أسبابه كثيرة، لا يمكن أن يكون مشروعًا لوطن. نعم، ثمة أمل. ولكن لبنان لن يخرج من النفق لأن أحدًا في الخارج قرر أن يخرجه منه.
سيبدأ الخروج يوم يقرر اللبنانيون أن يكون وطنهم دولة لا ساحة، وشعبًا لا جماعات تبحث كل منها عن سندها خارج الحدود، وقرارًا وطنيًا لا ورقة في صراعات الآخرين.
عندها فقط لا تكون الإطلالة على الواقع مجرد مشاهدة لما يحدث. بل بداية التفكير في كيفية تغييره.
سجّل الآن
قد تربح 100 دولار! يرجى إدخال عنوان البريد الخاص بك.
سجّل اليوم لتصلك عروض مميزة، فعاليات، أنشطة، وأخبار تهم اللبنانيين والعرب الأميركيين،
تُرسل إلى بريدك الإلكتروني من حين إلى آخر – مجانًا.