مقالات رأي
من النهضة إلى التراجع: رحلة القومية العربية وتحولات مفهومها (1850–2026)

محمد جمال قنديل *
المقدمة
شكّلت القومية العربية على امتداد قرن ونصف أحد أبرز الأطر الفكرية والسياسية في المنطقة؛ ففي بعض المراحل بدت مشروعاً قادراً على جمع الشعوب العربية في كيان واحد، وفي مراحل أخرى بدت فكرةً أثقلتها الهزائم والانقسامات. وتكتسب دراستها اليوم أهمية خاصة في ظل الحروب والتحولات التي تمر بها المنطقة، لأنها تكشف العلاقة بين الهوية العربية المشتركة والدولة الوطنية.
وتهدف الدراسة إلى توضيح المفهوم وتتبع مراحله التاريخية وتفسير أسباب التحول في مكانته بين الفكر والسياسة. وتنطلق من السؤال الرئيس الآتي: كيف تطور مفهوم القومية العربية منذ نشأته حتى الوقت الراهن، ولماذا تراجع حضورها كمشروع سياسي رغم بقاء أسسها الثقافية؟ وتعتمد الدراسة المنهج التاريخي في تتبع المراحل والأحداث، والمنهج التحليلي في قراءة الأفكار وتفسير تحولاتها، مستندةً إلى مفهوم «الجماعات المتخيَّلة» عند بندكت أندرسون (Anderson 1983) إطاراً نظرياً. وتنقسم إلى ثلاثة محاور: مفهوم القومية العربية، ثم نشأتها وتطورها التاريخي، ثم أسباب تراجعها وواقعها المعاصر، وتنتهي بخاتمة تجمع النتائج والآفاق المستقبلية والمقترحات.
أولاً: مفهوم القومية العربية
القومية شعور جماعة بشرية بانتمائها إلى أمة واحدة تجمعها عناصر مشتركة. وقد رأى ساطع الحصري أن اللغة والتاريخ المشترك هما الركنان الأساسيان للأمة (الحصري 1959)، متأثراً بالفكر القومي الألماني. أما أندرسون فيرى أن الأمة «جماعة متخيَّلة» تتشكل بالوعي المشترك والسرديات المتقاسَمة (Anderson 1983).
ويجب التمييز بين ثلاثة مفاهيم متداخلة: القومية العربية التي تدعو إلى أمة عربية واحدة تتجاوز الحدود القائمة، والوطنية القُطرية التي تقوم على الانتماء إلى الدولة الحديثة بحدودها المعروفة، والجامعة الإسلامية التي تقوم على رابطة الدين. وقد نشأ الفكر العربي الحديث في سياق الاحتكاك بأوروبا والإصلاح العثماني (Hourani 1962). ولا يعني هذا التمييز تعارضاً حتمياً بينها، فقد جمع كثير من المفكرين والساسة بين الانتماء الوطني والشعور العربي والارتباط بالإسلام، وتغيّر وزن كل عنصر منها بتغير الظروف السياسية.
ثانياً: النشأة والتطور التاريخي
تعود الجذور الأولى إلى النهضة العربية في القرن التاسع عشر، حين أسهم مفكرون مثل بطرس البستاني وناصيف اليازجي في إحياء اللغة والتراث. ثم أدت سياسة التتريك بعد انقلاب 1908 إلى تحول الوعي الثقافي إلى مطالب سياسية (Khalidi et al. 1991). وأعلن الشريف حسين الثورة العربية عام 1916، غير أن اتفاقية سايكس بيكو ووعد بلفور ونظام الانتداب فرضت واقعاً مخالفاً للآمال العربية (Antonius 1938).
وفي عام 1920 قام الحكم العربي في دمشق بقيادة الأمير فيصل، لكنه انتهى بعد معركة ميسلون وبدء الانتداب الفرنسي على سوريا. ومع رسوخ الحدود الجديدة تأسست جامعة الدول العربية عام 1945 إطاراً جامعاً للدول المستقلة، غير أنها قامت على احترام سيادة كل دولة، فجاءت أقرب إلى التنسيق منها إلى الوحدة (Dawisha 2003).
وبلغ المد القومي ذروته في الخمسينيات والستينيات؛ فقد تأسس حزب البعث عام 1947، وعمّقت نكبة 1948 الشعور بالمصير المشترك، وبعد ثورة يوليو 1952 صار جمال عبد الناصر رمز القومية العربية، وتُوّج ذلك بالوحدة بين مصر وسوريا عام 1958 التي انهارت بالانفصال عام 1961 (Dawisha 2003). ثم شكّلت هزيمة 1967 نقطة تحول كبرى، وجاءت كامب ديفيد (1978–1979) لتُظهر تقدّم منطق الدولة القُطرية على المشروع الوحدوي.
ثالثاً: أسباب التراجع والواقع المعاصر
يمكن إرجاع تراجع القومية العربية السياسي إلى عدة عوامل، أبرزها رسوخ الدولة القُطرية التي صارت لها مؤسساتها ومصالحها، والهزائم العسكرية والسياسية، وتنافس الأنظمة العربية على الزعامة، والفجوة بين الخطاب القومي وممارسات الحكم السلطوي (Dawisha 2003). كما قدّم صعود الإسلام السياسي إطاراً بديلاً للهوية والتعبئة (Tibi 1997). ويضاف إلى ذلك ضعف التكامل الاقتصادي، إذ لم تنجح المشاريع الوحدوية في تحويل الشعار إلى مصالح ملموسة تربط الشعوب بعضها ببعض.
وبعد عام 1990 تعمّق الانقسام العربي إثر غزو الكويت، ثم جاء احتلال العراق عام 2003، ثم الربيع العربي عام 2011 الذي اتخذ طابعاً وطنياً في كل بلد رغم تشابه شعاراته. ومع ذلك ما زالت الهوية العربية حاضرة عبر اللغة والإعلام والقضية الفلسطينية، وإن لم تتجسد في مشروع وحدوي، فتحول المفهوم من «الوحدة السياسية» إلى «العروبة الثقافية» والتضامن. ويظهر ذلك في تفاعل الشعوب العربية مع القضايا المشتركة، وفي انتشار القنوات الفضائية والمنصات الرقمية الناطقة بالعربية التي تجعل من الخطاب العام العربي فضاءً مشتركاً يتجاوز الحدود السياسية. وهكذا انتقل مركز الثقل من الأيديولوجيا الحزبية والدولة إلى المجتمع والثقافة.
الخاتمة
خلصت الدراسة إلى أن القومية العربية نشأت استجابةً لتحديات ثقافية وسياسية، وبلغت ذروتها مع التجربة الناصرية، ثم تراجعت سياسياً بفعل الهزائم والانقسامات وترسخ الدولة القُطرية، مع بقاء حضورها ثقافياً ووجدانياً. ويدل ذلك على أن الانتماء العربي لم يكن مجرد شعار سياسي مرتبط بمرحلة بعينها، بل هوية أعمق تتغير أشكال التعبير عنها بتغير الظروف، ويظل مستقبلها مرتبطاً بقدرة المجتمعات العربية على التوفيق بين خصوصية الدولة الوطنية وروابط الانتماء المشترك. ومن المرجح أن تبقى العروبة الثقافية والتضامن العربي حاضرين دون عودة قريبة للمشروع الوحدوي، وأن يتجه التعاون العربي نحو تكتلات اقتصادية وأمنية إقليمية، وأن يسهم الإعلام الرقمي في إعادة تشكيل الهوية لدى الأجيال الجديدة. ويستحق الموضوع مزيداً من الدراسات المقارنة مع تجارب الاتحادات الإقليمية كالاتحاد الأوروبي، ومن دراسة أثر الإعلام الرقمي في الهوية العربية، كما يبدو أن تفعيل التكامل الاقتصادي والثقافي عبر مؤسسات العمل العربي المشترك، وإدخال تاريخ الفكر القومي في المناهج الجامعية بقراءة نقدية متوازنة، من أقرب السبل إلى إبقاء هذا الانتماء فاعلاً في المجتمع.
المراجع
الحصري، ساطع. 1959. ما هي القومية؟ بيروت: دار العلم للملايين.
Anderson, Benedict. 1983. Imagined Communities: Reflections on the Origin and Spread of Nationalism. London: Verso.
Antonius, George. 1938. The Arab Awakening: The Story of the Arab National Movement. London: Hamish Hamilton.
Dawisha, Adeed. 2003. Arab Nationalism in the Twentieth Century: From Triumph to Despair. Princeton, NJ: Princeton University Press.
Hourani, Albert. 1962. Arabic Thought in the Liberal Age, 1798–1939. London: Oxford University Press.
Khalidi, Rashid, Lisa Anderson, Muhammad Muslih, and Reeva S. Simon, eds. 1991. The Origins of Arab Nationalism. New York: Columbia University Press.
Tibi, Bassam. 1997. Arab Nationalism: Between Islam and the Nation-State. 3rd ed. New York: St. Martin’s Press.







