تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

اخر الاخبار
مقالات رأي

ما الذي يجب ألّا نقوله؟

مفيد خطّار

أمام هذا الكمّ الهائل من المعلومات، سواء على المنصّات الإعلامية والصحفية، أو في البرامج الترفيهية، أو تلك التي تتعاطى الشأن السياسي والاقتصادي من خلال مقابلات مع أصحاب الشأن والاختصاص، ولا ننسى الفنّ وروّاده ومؤيّديه وقصص نجومه: مَن ارتبط، ومَن طلّق، ومَن ومَن ومَن… قائمةٌ من الأقوال لا تنتهي، ولا تستقرّ على رأيٍ واحد؛ فكثيرًا ما يأتي قولٌ لينقض ما سبقه ويعاكسه.

ولا أجزم بأنّها كلّها هراءٌ في هراء؛ فبعضها جيّد، وبعضها يحمل رسالةً إنسانية. لكنّني لم أجد فيها ما كنت أبحث عنه، لأنّ بحثي كان موجّهًا إلى الآخَر، بينما كانت الحقيقة في مكانٍ مختلف: في داخلي.

وعندما بدأت أدخل المعركة الحقيقية، عرفت ما كنت أحتاج إليه: ألّا أُدين غيري، ولا أضع نفسي قاضيًا عليه، بل أن أتواضع وأقبل الإنسان كما هو، من دون أن أتبنّى كلّ ما يفعله أو أوافق على كلّ ما يختاره، وأن أسعى أنا إلى العيش بقيمٍ إنسانية وإلهية: إيمان، ورجاء، ومحبّة.

كانت مطحنةَ أفكارٍ وأقوالٍ لا تتوقّف حجارتُها عن الدوران؛ ولكن، للأسف، ضجيجٌ من غير طحين، وضجيجٌ يترك وراءه فراغًا ويأسًا وإحباطًا وحزنًا. وأنا كنتُ واحدًا من هؤلاء.

أبهرني بريقُ الكلام، وظننتُ أنّ كثرةَ ما يُقال دليلٌ على الحقيقة. أُردّد ما أسمعه، وأكتب ما أقرأه بأسلوبي الخاص، حتى اكتشفتُ أنّني لم أكن أبحث عن الحقيقة بقدر ما كنتُ أبحث عمّا يملأ فراغي.

ومن هذه المطحنة خرجتُ بالفراغ، وعدم اليقين، والتردّد. تعبتُ أوّلًا من فراغي، ثمّ تعبتُ من أولئك المتهلّلين والمبتهجين بنجاحي؛ ذلك النجاح الذي كان يبثُّ في داخلي شعورًا بالفخر والفرح.

قلتُ كثيرًا، وكتبتُ أكثر، حتى أيقنتُ أنّ ما كنتُه لم يكن أنا، وأنّ كثيرًا ممّا قلتُه لم يكن يُشبهني. وبدأتُ أبحث عنّي في فشلي، وفي يأسي، وفي موتي.

أين أنا؟

كنتُ كالأحياء الذين تحرّروا من قبضة الموت، لكنّ الموت ظلّ يسكنني، ويأبى أن يُقِرَّ بهزيمته. لكنّك لن تُقِرَّ بهزيمتك، أيّها الموت.

سأحوّل فراغك إلى امتلاءٍ فيَّ، ويأسك إلى رجاء، وظلمتك إلى نورٍ أستنير به، وتهديدك إلى قوّةٍ تهدّد أركانك. وسألجأ إلى المحبّة التي هزمتك على الصليب، وجعلت منك جسرًا إلى الحياة.

سأنسى مَن أنت، لأنّ جوهرك تبدّل بالنسبة إليّ: من ظلمةٍ كنتُ أخافها، إلى طريقٍ أعبره نحو النُّور.

لن أخاف، ولن أتراجع عن عبورك إلى الحياة. ولن أحتاج إلى أن أمحو كلَّ ما كتبته سابقًا، بل سأضعه في مكانه الصحيح: جزءًا من الطريق الذي أوصلني إلى اكتشاف ما لم أكن أعرفه عن نفسي.

لقد كنتُ أكتب كثيرًا قبل أن أعرف ماذا ينبغي أن أقول. واليوم أبدأ من جديد؛ خادمًا للحقيقة، وخادمًا للمحبّة. وما هي هذه الحقيقة، وهذه المحبّة؟

الحقيقة أنّني لا أعرف التمييز بين الخير والشرّ إلّا بنعمة المحبّة؛ والمحبّة، بدورها، تقودني إلى الحقيقة. وعندها فقط سأعرف ما الذي يجب ألّا أقوله.

ما قلته سابقًا لم يكن كلّه نابعًا منّي؛ كان كثيرٌ منه صدىً لما سمعتُه، وما قرأتُه، وما عشته وأنا أسيرٌ في قبضة الموت. ومن تلك القبضة كانت تخرج الأضاليل والتشويه والكذب، وكنتُ، من حيث لا أدري، أساعد في حملها وتسويقها.

أمّا الآن، فسأستعملك، أيّها الموت، وسيلةً للخير، بقوّة النعمة، لا بقوّتي الذاتية.

سأشهد للحقّ، ولن أكون إلّا في خدمة المحبّة.

وإذا اضطررتُ إلى مواجهة الكذب والتزلّف، فسأواجههما من أجل الحقيقة، لا من أجل الانتقام. وإذا وجدتُ ظلمًا يطال الوطن والإنسان، فلن أُجمّله بالصمت، ولن أُحوّل كلمتي إلى سلاحٍ جديد من أسلحة الظلمة.

سأقول ما يجب أن يُقال، وأصمتُ عمّا لا يصنع خيرًا. فليست الشجاعة أن نقول كلَّ ما نعرف، ولا الحكمة أن نملك جوابًا عن كلّ سؤال.

أحيانًا تكون أعظم كلمةٍ هي التي نعرف لماذا لا نقولها. ولعلّني لستُ وحدي في هذه الرحلة.

فكم من إنسانٍ أبهره بريقُ السخافة، لأنّها كانت لامعةً، صاخبةً، ومزدحمةً بالأصوات، حتى ظنّها نورًا يهديه؛ ثمّ اكتشف، بعد مسيرةٍ طويلة، أنّ النُّور الحقيقي لا يحتاج إلى ضجيج، وأنّ الحقيقة كانت تنتظره في مكانٍ أكثر هدوءًا: في داخله.

هناك، حيث لا تصرخ الأفكار، ولا يتنافس أحدٌ على امتلاك الحقيقة، يبدأ الإنسان بسماع الصوت الذي كان يضيع وسط الضجيج. وعندها يفهم أنّ الحقيقة ليست في أن يكون صوته أعلى من أصوات الآخرين، بل في أن يكون صادقًا مع نفسه، أمينًا مع الله، ورحيمًا بالإنسان. وبدلًا من أن ألعن الظلمة، سأضيء شمعة. وكلّ ما عدا ذلك… لن أقوله.

الآن بدأ الكلام.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock