تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

اخر الاخبار
مقالات رأي

البابا في “ميتز” الفرنسية… حين تتحول حدود الحروب إلى جسور للسلام

سيرينا جمال دملج *

ثمة مدنٌ لا تحتاج إلى كثير من الكلام كي تروي تاريخها. يكفي أن ننظر إلى موقعها على الخريطة، أو نتأمل أسماء الدول التي تعاقبت على الانتماء إليها، حتى ندرك أن الجغرافيا يمكن أن تكون أحيانًا أكثر بلاغةً من الخطب.

وربما لهذا السبب تحديدًا اختار البابا لاون الرابع عشر مدينة ميتز الفرنسية، في ختام زيارته لفرنسا، ليضع السلام والحوار بين الأديان ووحدة أوروبا في قلب رسالته. فميتز، الواقعة في شمال شرق فرنسا بالقرب من ألمانيا ولوكسمبورغ، ليست مجرد مدينة فرنسية. إنها واحدة من تلك المدن الأوروبية التي عاشت تبدّل الحدود والهويات السياسية، واختبرت عن قربٍ معنى أن يتحول الجار إلى خصم، ثم يعود الخصم إلى جار. ولذلك بدا اختيارها مكانًا للحديث عن السلام أشبه بمحاولة لقراءة المستقبل من خلال ذاكرة الماضي.

مدينة تعرف معنى الحدود

حين وصل البابا إلى ميتز في 28 أيلول/ سبتمبر، لم يكن يتحدث في فراغٍ تاريخي. كان في المدينة التي ارتبط اسمها بقوةٍ بأحد أبرز الآباء المؤسسين لفكرة الوحدة الأوروبية: روبرت شومان، رجل الدولة الفرنسي الذي رأى، بعد الحرب العالمية الثانية، أن أوروبا لا تستطيع أن تواصل العيش بمنطق العداوات القديمة.

وفي عام 1950، طرح شومان مشروعًا للتعاون بين فرنسا وألمانيا في إنتاج الفحم والصلب، في خطوة أصبحت إحدى اللبنات الأولى في البناء الذي انتهى لاحقًا إلى الاتحاد الأوروبي. وكانت الفكرة، في جوهرها، أن المصالح المشتركة يمكن أن تجعل الحرب بين الخصوم السابقين أقل قابليةً للتكرار.

ولعل أكثر ما يلفت في تجربة شومان أنه كان رجل حدود بالمعنى الحرفي والرمزي معًا. فقد نشأ بين ثقافات وهويات مختلفة، وعاش التحولات التي عرفتها منطقة لورين، الأمر الذي جعله يرى الحدود لا بوصفها جدرانًا نهائية، وإنما بوصفها أماكن يمكن للناس أن يلتقوا عندها.

وهنا تصبح ميتز أكثر من مدينة في زيارة بابوية. إنها استعارة أوروبية كاملة. فإذا كانت الحدود قد صنعت جزءًا من مآسي أوروبا، فإن تجاوزها صنع جزءًا من مشروع السلام الأوروبي أيضًا.

من شومان إلى البابا

في مركز روبرت شومان للمؤتمرات، حيث التقى البابا ممثلي عدد من الأديان، استعاد لاون الرابع عشر هذه الفكرة بلغة دينية وإنسانية في آن. قال إن شومان كان رجل إيمان وقناعة، وإنه استطاع تحويل الانقسامات إلى “جسور أمل”، داعيًا المؤمنين، على اختلاف تقاليدهم، إلى الشهادة لإمكان اللقاء والصداقة وصنع السلام عبر الحدود. كما شدد على أن الحوار لا ينتقص من هوية الإنسان، بل يعبّر عنها ويفتحها على اختلاف الآخر.

هذه الفكرة تبدو بسيطة للوهلة الأولى، لكنها تحمل في زمننا معنى بالغ الأهمية. فالعالم لا يعاني فقط من الحروب التي تُخاض بالأسلحة، بل أيضًا من حروبٍ تُخاض بالكلمات والصور والخوف من الآخر. وعندما تتحول الهوية الدينية أو القومية إلى جدارٍ يمنع الاعتراف بالآخر، يصبح الحوار أصعب، ويصبح الاختلاف مقدمةً محتملة للصدام.

لذلك كان كلام البابا عن “نزع سلاح القلوب والكلمات” أكثر من عبارة روحية. إنه محاولة للعودة إلى أصل المشكلة: الحروب لا تبدأ دائمًا في ساحات القتال؛ أحيانًا تبدأ في اللغة التي تجعل الآخر أقل إنسانية، أو في خطابٍ يحوّل الاختلاف إلى تهديد.

“نداء ميتز”… الدين في مواجهة العنف

لكن اللحظة الأبرز في ميتز ربما كانت ولادة “نداء ميتز”، الذي وقّعه ممثلو عدد من التقاليد الدينية الفرنسية بحضور البابا.

النداء دعا إلى استمرار الحوار والأخوّة والمصالحة والسلام، وربط السلام بالعدالة واحترام الكرامة الإنسانية والتضامن، كما أدان التمييز وخطاب الكراهية والاعتداءات على الأشخاص ودور العبادة بسبب أصولهم أو معتقداتهم.

وكانت العبارة الأكثر وضوحًا في النداء أن اسم الله، ولا أي حقيقة دينية أو تقليد روحي، لا يجوز أن يُستعمل لتبرير العنف والكراهية.

أما البابا فقال، بدوره، إن استدعاء اسم الله لتبرير العنف أو القمع هو تدنيس لهذا الاسم، وإن ما يشوّه كرامة الإنسان لا يمكن أن يدّعي أنه مستوحى من الله.

قد تبدو هذه الرسالة موجهة إلى أتباع الأديان وحدهم، لكنها في الحقيقة تتجاوزهم. فحين يرفض رجال الدين استخدام المقدس لتبرير العنف، فإنهم يضعون حدودًا أخلاقية أمام السياسة والحرب والمجتمع معًا. والدين، في هذه القراءة، لا يصبح طرفًا إضافيًا في الصراع، وإنما يمكن أن يصبح مساحةً لتخفيفه.

أوروبا التي تبحث عن ذاكرتها

ولم يكن من المصادفة أيضًا أن يربط البابا في ميتز بين الحوار الديني وجذور المشروع الأوروبي. فأوروبا التي خرجت من الحرب العالمية الثانية حاولت أن تبني مستقبلها على فكرة مختلفة: أن ما يجمع الدول يمكن أن يكون أقوى مما يفرقها.

وفي ميتز، عاد هذا السؤال إلى الواجهة. هل تستطيع أوروبا أن تستعيد من ذاكرتها ذلك الدرس القديم: أن السلام لا يعني اختفاء الاختلاف، وإنما إيجاد طريقة لإدارته من دون تحويله إلى حرب؟

لقد ركز البابا في لقائه حول “جذور أوروبا من أجل السلام والوحدة” على إمكان تحويل الاختلافات والمصالح المتعارضة إلى حوار وتفاوض، وعلى أهمية الاستعداد للتنازل عن بعض المواقف من أجل الخير الأوسع للسلام.

وهنا تلتقي رسالة شومان برسالة ميتز. الأول عاش زمنًا كانت فيه الحدود خطوطًا للحرب، فحاول أن يجعل منها خطوطًا للتعاون. والثاني جاء بعد عقود ليقول إن الحوار لا يزال ممكنًا، وإن السلام لا يبدأ فقط عندما تصمت المدافع، بل عندما يتعلم الإنسان كيف ينظر إلى الآخر من دون خوف وكراهية.

من حدود الحرب إلى جسور السلام

ربما لهذا السبب بقيت صورة ميتز في ذهني بعد انتهاء الزيارة. مدينةٌ تبدلت خرائطها، وعرفت الحرب والانقسام، ثم أصبحت مكانًا يُستعاد فيه الحديث عن أوروبا الموحدة، وعن الحوار بين الأديان، وعن الإنسان الذي ينبغي أن يبقى في مركز كل مشروع سياسي أو ديني.

ولعل أجمل ما في “نداء ميتز” أنه لم يُعدّ السلام مجرد غياب للحرب، بل جعله فعلًا يوميًا يبدأ من الإنسان نفسه: من مقاومة الخوف، ورفض الانتقام والإذلال، وتربية الأجيال الجديدة على معرفة الآخر، والاستمرار في الحوار حتى عندما يصبح الحوار صعبًا.

لا أعرف إن كانت الكلمات وحدها تستطيع تغيير العالم. لكنني أعرف أن الحروب تبدأ بالكلمات قبل أن تصل إلى البنادق، وأن بناء السلام يبدأ أحيانًا بكلمة مختلفة تمامًا: الآخر ليس عدوًا لمجرد أنه آخر.

وربما كانت هذه هي الرسالة الأبعد التي حملها البابا من ميتز: أن الحدود التي صنعتها الحروب ليست قدرًا أبديًا. وأن المدينة التي عرفت ذات يوم كيف يمكن للحدود أن تفصل البشر، تستطيع اليوم أن تذكّرهم بإمكان تحويلها إلى جسور.

من ميتز، إذن، لم يكن النداء موجّهًا إلى المتدينين وحدهم. كان نداءً إلى الإنسان. إلى أوروبا التي تتذكر تاريخها، وإلى الأديان التي تبحث عن دورها في زمن العنف، وإلى السياسة التي تحتاج، أكثر من أي وقت مضى، إلى لغة الحوار.

فربما لا يكون السلام هو أن نتشابه. وربما لا يكون المطلوب أن نتخلى عن هوياتنا كي نلتقي. يكفي أن نتعلم أن اختلافنا لا يمنح أحدًا حق إلغاء الآخر… وعندها فقط، يمكن لحدود الحروب أن تبدأ فعلًا بالتحول إلى جسور للسلام.

* إعلامية وكاتبة لبنانية – روسية مقيمة في واشنطن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock