تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

اخر الاخبار
رقم الخبر: 718
مقالات رأي

 هل يكتب القانون الدولي دستورًا جديدًا للبشرية؟

الدكتور/ محمد حسين *

 منذ أن أشرقت شمس الأمم المتحدة على عالمٍ أنهكته الحروب وضمدت جراحه المآسي، تبلور الهدف الأسمى لهذه المنظمة العالمية في صيانة السِلم والأمن الدوليَيْن؛ وهو مفهومٌ لم يعد يقتصر على مجرد غياب النزاعات المسلحة والحروب التقليدية، بل اتسع نطاقه ليتجاوز حماية الجسد البشري إلى صون الكرامة الإنسانية، وتأمين رفاهية الإنسان، وضمان بيئةٍ حيويةٍ وآمنةٍ صالحةٍ لعيشه من كافة النواحي. وفي ظل هذا الامتداد الأخلاقي والقانوني لرسالتها السامية، تجد المنظمة الدولية نفسها اليوم أمام اختبارٍ وجوديٍ غير مسبوق، يتمثل في كيفية تقنين استخدامات الذكاء الاصطناعي لتكون شراعًا يوجه سفينة الحضارة البشرية نحو النماء، وليس طوفانًا يهدد وجودها أو ينزع عنها زمام السيطرة.

 تستحضر هذه اللحظة الفاصلة تجربةً تاريخيةً فريدةً باشرتها الأمم المتحدة في ستينيات القرن العشرين، عندما وجد العالم نفسه على أعتاب عصر استكشاف الفضاء الخارجي. ففي خضم السباق المحموم بين القوى العظمى آنذاك الاتحاد السوفيتي من جانب والولايات المتحدة الأمريكية من جانب آخر، أدركت المنظمة المتربصة بالخطر ضرورة التحرك الاستباقي للحد من تسليح الفضاء الخارجي وانتقال السباق التسليحي النووي لهذا الفضاء البعيد، وضمان استخدامه للأغراض السلمية فقط. وكان حجر الزاوية في هذا المسار التأسيسي هو إنشاء لجنة الاستخدامات السلمية للفضاء الخارجي (Committee on the Peaceful Uses of Outer Space – COPUOS)، والتي أثمرت جهودها عن تبني إعلان الأمم المتحدة بشأن المبادئ المنظمة لاستخدامات الفضاء، ليعقبه إبرام المعاهدة الأم الرائدة المعروفة بـ “معاهدة 1967 بشأن المبادئ المنظمة لأنشطة الدول في ميدان استكشاف واستخدام الفضاء الخارجي بما في ذلك القمر والأجرام السماوية الأخرى”، والتي تُمثل الأساس القانوني العام لتنظيم النشاط الفضائي؛ لذا فإن البعض يُسميها أدبيًا وقانونيًا بـ “دستور الفضاء”.

 لم تتوقف الماكينة القانونية الدولية عند هذا الحد، بل نسجت شبكةً متكاملةً من التشريعات الدولية لمواكبة التطورات؛ فظهرت “اتفاقية المسؤولية الدولية عن الأضرار الناجمة عن الأجسام الفضائية لسنة 1972″، وتبعتها “اتفاقية تسجيل الأجسام الملقاة في الفضاء الخارجي لسنة 1975” لضمان الشفافية والرقابة الدولية على هذه الأجسام وتحديد الولاية من جهة و المسئولية من جهة أخرى، وصولًا إلى “اتفاقية تنظيم أنشطة الدول على سطح القمر والأجرام السماوية الأخرى لسنة 1979” التي أعلنت أن الأجرام السماوية وثرواتها هي ملكٌ مشتركٌ للبشرية جمعاء، ولا يجوز لأي دولة الاستئثار بها أو ادعاء السيادة عليها. لقد شكل هذا الإطار المكتمل حصنًا أمنيًا وقانونيًا منع استقطاب الفضاء وتحويله إلى ساحة صراع، وأرسى نموذجًا ملهمًا في كيفية تحويل الفضاء البكر إلى مجالٍ لخدمة العلم والبشرية، والذي عُرف اصطلاحيًا بقانون الفضاء “Space Law”.

وبالقياس على تلك التجربة الملهمة، يرى المجتمع الدولي أن الذكاء الاصطناعي يقف اليوم في ذات الموقع المحوري الذي كان عليه الفضاء الخارجي قبل عقود، بل ربما يتجاوزه في حدة المخاطر وسرعة الانتشار. فالذكاء الاصطناعي – بوصفه تكنولوجيا عابرةً للحدود ومؤثرةً في كافة مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والأمنية – يحمل في طياته فرسًا جموحًا من الفرص الاستثنائية التي يمكن أن تحقق رفاهيةً غير مسبوقة للأنشطة البشرية، وفي المقابل يخبئ مخاوف حقيقية من فقدان الإنسان للسيطرة التشغيلية والأخلاقية، خاصةً مع صعود وكلاء الذكاء الاصطناعي المستقلين والأنظمة القادرة على التحايل وتجاوز قيود السلامة.

ولضمان صون المصلحة البشرية العليا، يتطلب المنظور الدولي الجديد صياغة حزمةٍ من الضمانات الصارمة والمقترحات التشريعية والمؤسسية الهادفة لتطويق هذا الفضاء الرقمي. وفي مقدمة هذه الضمانات، يأتي فرض “الرقابة البشرية المباشرة” (Human-in-the-Loop) كشرطٍ ملزمٍ لمنع اتخاذ أي قراراتٍ ذات طابعٍ حيوي أو عسكري، إلى جانب حظر كامل لأبحاث وتطوير أسلحة الفتك الذاتية المستقلة عن العنصر البشري. كما يستلزم الأمر إسناد “المسؤولية القانونية المشددة والمزدوجة” لكلٍ من الدول المضيفة والشركات المبتكرة عن الأضرار الرقمية أو المادية التي تُحدثها الخوارزميات، فضلًا عن إرساء مبدأ “الشفافية وقابلية التفسير” الذي يفرض إفصاحًا كافيًا عن آليات تدريب النماذج الفائقة وبياناتها لتجنب تحيزها أو خروجها عن السيطرة.

 أما على صعيد المقترحات العملية الهيكلية، فيجدر بالأمم المتحدة إنشاء “وكالة دولية حوكمية للذكاء الاصطناعي” تتولى مهام التفتيش والترخيص ومراقبة المراكز الفائقة للحوسبة، على غرار الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ولتجاوز بطء إجراءات التدوين التقليدية أمام السرعة الفائقة للتقنية، يُقترح اعتماد “اتفاقية إطارية مرنة” تصحبها بروتوكولات تفصيلية متجددة دوريًا، تضمن استجابةً قانونيةً فوريةً للمستجدات. كما ينبغي تدشين “سجلٍ دولي موحد” لتسجيل وتتبع نماذج الذكاء الاصطناعي ووكلاؤه البرمجيون الذاتيون قبل إطلاقها عالميًا بالقياس على اتفاقية تسجيل الأجسام الفضائية، مع حظر شامل لربط الأنظمة الذكية بالبنى التحتية الحساسة كالسدود والشبكات النووية والأنظمة المالية دون وجود “مفاتيح طوارئ إنسانية” ميكانيكية ومستقلة تمامًا تُتيح تعطيل الخوارزميات فور نشوء أخطارٍ وجودية.

 إن إسقاط الفلسفة التي بُني عليها ” قانون الفضاء” “Space Law” على واقع الذكاء الاصطناعي يعني نقل المسؤولية القانونية والأخلاقية من دائرة الشركات المبتكرة أو الصراعات الفردية إلى إطارِ التزامٍ دوليٍ جماعي، يجعل من هذه التكنولوجيا الخارقة ملكًا مشتركًا لخدمة الإنسان وحفظ سلامته على كوكب الأرض.

* أستاذ القانون الدولي

profdrmohamedhussien@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock