من الاعتقادات المتكررة في السياسة اللبنانية أنه عندما تحين اللحظة الحاسمة، سيقاتل حليف قوي لحماية لبنان. بعض الأطراف تراهن على واشنطن، وأخرى على طهران، وبعضها يتطلع بشكل متزايد نحو بكين.
لكن التاريخ يعلمنا درساً أقسى؛ فالقوى الكبرى تدعم شركاءها عندما يخدم ذلك مصالحها، وتسعى لتحقيق شروط تحمي تلك المصالح. قد تكون مساعداتهم كبيرة — أموال، أسلحة، استخبارات، ودعم دبلوماسي أو حتى عسكري. لكن الصداقة السياسية ليست وعداً مطلقاً بخوض حرب دولة أخرى.
حتى التحالفات والمعاهدات، بالتزاماتها الملزمة، تترك أسئلة مفتوحة حول التنفيذ والتكلفة والإرادة السياسية. وبالنسبة للدول التي لا تملك مثل هذه الضمانات، فإن التمييز بين الدعم والحماية يصبح أكثر أهمية.
لنتأمل العلاقة بين واشنطن وبكين. فقد أعلن وزير الخزانة سكوت بيسنت عن تمديد الهدنة التجارية بين الولايات المتحدة والصين حتى 10 يناير 2027، مما يمنح الجانبين وقتاً أطول للتوصل إلى اتفاق اقتصادي أوسع. فالقوتان تديران تكاليف المنافسة دون تسوية الصراع الاستراتيجي الكامن تحتها.
وفي القطب الشمالي، يقدم اتفاق الدفاع المبرم بين الولايات المتحدة والدنمارك وجرينلاند في 22 سبتمبر مثالاً آخر، حيث يوفر وصولاً عسكرياً أمريكياً موسعاً مع تأكيد سيادة مملكة الدنمارك وحق جرينلاند في تقرير المصير.
تختلف هذه الترتيبات في شكلها، لكنها تكشف عن منطق مشترك: الدول تفاوض بناءً على مصالحها. الشركاء الأصغر يحسنون موقعهم عبر المؤسسات التي يديرونها والمساهمات التي يقدمونها والبدائل المتاحة لهم.
غالباً ما يُطرح مثال تايوان كحالة معاكسة. ألا تدافع الولايات المتحدة عن تايوان ضد الصين؟ قد تفعل ذلك. لكن هذا القرار يعتمد على أبعد بكثير من مجرد التعاطف مع نظام ديمقراطي؛ فقطاع أشباه الموصلات في تايوان وموقعها الاستراتيجي يلعبان دوراً حاسماً في الحسابات الأمريكية.
ومع ذلك، فإن قانون علاقات تايوان يتيح الدعم للدفاع عن النفس ولا يضمن تدخلاً عسكرياً تلقائياً. فالاهتمام الأمريكي بأمن تايوان لا يطابق التزاماً غير مشروط بالحرب.
ولا يلغي الأهمية الاستراتيجية وجود نقاط ضعف؛ فتايوان تواجه قيوداً تفرضها علاقات واشنطن وبكين، وشعبها ستحمل التبعات الفورية لأي نزاع تتخذ قراراته في مكان آخر.
إن رد فعل الصين على هجمات يونيو 2025 ضد إيران يوضح حداً آخر؛ فقد نددت بيكين بالضربات ودعت إلى تهدئة دون أن تتدخل عسكرياً، واكتفت بإجلاء رعاياها بما يخدم توازن مصالحها في أمن الطاقة والتجارة.
كما أن دعم إيران لحلفائه له حدود أيضاً؛ ففي 1 أكتوبر 2024 أطلقت طهران صواريخ على إسرائيل رداً على اغتيال حسن نصرالله، لكن ذلك لم يوقف الحملة الإسرائيلية ضد حزب الله الذي تكبد خسائر فادحة قبل سريان وقف إطلاق النار في 27 نوفمبر.
لقد اختبر لبنان حدود الحماية الخارجية مراراً، كما حدث في تفجير ثكنة المارينز في بيروت عام 1983 وما تبعه من انسحاب أمريكي عندما تعمقت الأزمة اللبنانية وتدهورت الأوضاع العسكرية.
المساعدات الأمريكية للبنان، لا سيما للجيش، كانت وما زالت قيمة وتخدم الأهداف الأمريكية، لكن تقدير تلك المساعدات لا يفرض على لبنان تبني أولويات واشنطن كأولوية خاصة به.
لذا، ينبغي لأي شراكة أن تواجه السؤال الدائم: ماذا تعزز؟ وما هي الالتزامات التي تخلقها؟ وكم من حرية القرار يحتفظ بها لبنان؟
هذه الأسئلة تنطبق على ما يُسمى بـ “التوجه شرقاً”. ففي عام 2020 ومع تدهور الاقتصاد اللبناني، دعا البعض للاستثمار الصيني في البنية التحتية، وكانت تلك مساعدة اقتصادية وليست وعداً صينياً بالدفاع عن لبنان. الخلط بين الاستثمار والضمانة الأمنية هو وهم استراتيجي.
يجب على لبنان السعي وراء التجارة والاستثمار والدبلوماسية مع الصين حيثما خدمت مصالحها إلى جانب علاقات عربية وغربية قوية، شريطة التوافق الشفاف واحترام السيادة اللبنانية، فالتنويع مفيد عندما يوسع الخيارات الوطنية، ويصبح خطيراً إذا تحول إلى التبعية.
لكن المشكلة الأعمق تكمن في الداخل.
قوة تفاوض الدولة تعتمد جزئياً على قدرتها على الالتزام بتعهداتها وتنفيذها. لا يمكن للبنان بناء هذه المصداقية طالما أن منظمة مسلحة خارج سلطة الدولة تستطيع جره إلى الحرب بشكل مستقل. غالباً ما تنتهي الحكومات الأجنبية بالتفاوض حول لبنان مع أطراف أخرى.
لذلك، فإن احتكار الدولة الشرعي للسلاح يعتبر أمراً أساسياً للدبلوماسية والدفاع الوطني، بحيث يسري على كل تنظيم مسلح خارج سلطة القانون، بغض النظر عن طائفته أو مموله الخارجي.
إن بناء هذه الدولة يتطلب اتفاقاً سياسياً لبنانياً بمسؤوليات وجداول زمنية واضحة، مدعوماً بدعم عملي للجيش ومؤسسات الدولة. إن إعلان السيادة وحدها دون أدوات ممارستها لا يعيد الثقة.
الجيش القادر والاقتصاد المنتج والمؤسسات المسؤولة هي وحدها التي ستمنح لبنان حرية أكبر في تنفيذ قراراته والصمود أمام الضغوط والمفاوضات بندية.
أولئك الذين يفشلون في بناء دولتهم سيبقون دائماً بانتظار من يحميهم، ومن يتنازل عن قراره للخارج يجب ألا يتفاجأ عندما يتحول مصيره إلى سلعة تفاوض على طاولات الآخرين.
* باحث ومحلل استراتيجي رئيس دروع لبنان المتحدة (SOUL)