تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

اخر الاخبار
مقالات رأي

وصلتني رسالة أب… حين تصبح الغربة بين من أمضينا العمر من أجلهم

بقلم: أكرم مندامي زين الدين

وصلتني رسالة أبٍ مغترب أمضى عمره بعيدًا عن وطنه ليصنع لمن يحب وطنًا من الأمان، ثم اكتشف أن أقسى الاغتراب لم يكن بعيدًا عن أرضه وأهله، بل بين من أمضى حياته من أجلهم. وجدت بين سطورها أنينًا لم يجد من يسمعه، وصمت رجل أمضى عمره يسأل عن الجميع حتى جاء يوم لم يعد أحد يسأله عن نفسه. لم تكن رسالة عتاب، بل مراجعة صارمة لعمر كامل، واعترافًا بالفشل من رجل عرف النجاح ودفع من صحته ثمنًا له، ثم اكتشف متأخرًا أنه فكّر في غد الجميع ونسي غده. يحتمل الإنسان غربة الأوطان عشرات السنين، أما الغربة التي لا تُحتمل فهي أن يصبح غريبًا في قلوب من ظنهم وطنه الأخير.

كتب الأب: «نعم، فشلت. وأعترف بذلك. لكنني لا أحمّل أحدًا مسؤولية فشلي. خطئي الأكبر أنني فكرت في مستقبل الجميع ولم أفكر بما يكفي في مستقبلي. أمضيت سنوات أعمل وأخاطر وأبني، معتقدًا أن راحتي ستأتي حين يصبح من أحب بخير. واليوم، بعدما وقفوا على أقدامهم، وجدت نفسي أفكر في نهاية الشهر، وفي غياب الدخل الذي كان يمنحني استقلالي وحرية قراري. لا أتحدث عن الفقر، بل عن مرارة أن أفكر في بيع ما أمضيت عمري أبنيه لأعيش ما تبقى بالراحة التي كنت أمنحها للآخرين. نجحت في أشياء كثيرة، لكنني فشلت في أن أحتفظ لنفسي بالأمان الذي صنعته للجميع».

وتابع: «النجاح ليس ثماني ساعات عمل ثم تغلق الباب خلفك. هناك نجاحات لا تعرف الليل من النهار، ولا الأعياد من أيام العمل، ومسؤوليات تنام معك وتستيقظ قبلك، وملفات ترافقك حتى إلى مائدة عائلتك. للنجاح أثمان لا تظهر في السيرة الذاتية ولا تذكرها شهادات التقدير. الناس يرون ما أنجزته، ولا يعرفون ما خسرته من نفسك لتنجزه. وبعض ما دفعته على الطريق أثقل من أن يُروى».

ثم توقفت عند حكاية فنجان قهوة. يد ارتجفت، وفنجان سقط وانكسر، وصمت أعقب صوت الانكسار. لم تكن الرجفة حادثة منفصلة، بل آخر ارتجاج سبقته ارتجاجات كثيرة: بعضها احتمله بصمت، وبعضها أقنع نفسه بأنه سيمر، وبعضها دفنه حتى لا يقلق أحدًا. لم يؤلمه انكسار الخزف، بل اكتشافه أن اليد التي حملت المسؤوليات وعبرت المطارات وواجهت الأزمات لم تعد قادرة على إخفاء تعبها. والأصعب أن أحدًا لم ينتبه إلى ما كان يحدث خلف تلك الرجفة.

وجاء في رسالته سؤال صغير في كلماته، عظيم في وجعه: «كيف ترى أباك يتغير أمام عينيك، يقل كلامه، يطول صمته، وينسحب شيئًا فشيئًا من الحياة التي كان يملؤها، ولا يخطر ببالك أن تسأله: أبي، شو فيك؟ هل أصبحت صباح الخير ثقيلة إلى هذا الحد؟». لم يكن يطلب ثمن تضحياته، بل كان يتمنى أن يقترب منه من يحب، لا لحاجة يطلبها منه، بل لأنه لاحظ أن شيئًا في أبيه لم يعد كما كان. فما أقسى أن يمضي الإنسان عمره يقرأ وجوه من يحب، ثم يعجز أقرب الناس إليه عن قراءة صمته.

لكن الرسالة ذهبت أبعد من وجع الأبوة: «لم أعد أعرف من يحبني لذاتي، ومن يحب ما كنت أستطيع تقديمه. صرت أتردد حتى أمام من لم يؤذني، وأراجع الكلمات قبل أن أقولها. وربما أظلم بهذا التحفظ أشخاصًا أحبوني بصدق، لكن المعرفة شيء، والقدرة على الاطمئنان شيء آخر». حين تتراكم الكسور تصبح الرؤية ضبابية، فيقف في ضبابها، في الموضع نفسه، من خذله ومن أحبه، بل حتى من حملوا معه أثقال الطريق. ليس لأن الجميع أخطأوا، بل لأن الجرح حين يتعمق يحجب عن صاحبه القدرة على التمييز، فيظلم الآخرين وهو يحاول حماية ما بقي من نفسه.

ثم جاءت العبارة التي أوقفتني طويلًا: «كنت أعتقد أنني مهما تعبت، إذا احتاجني أحد غدًا فسأنهض وأذهب إليه كما فعلت طوال حياتي. أما اليوم فلم أعد واثقًا. ربما سأتذكر كل هذا الوجع وأبقى مكاني، لا لأن المحبة انتهت، بل لأن قدرتي على الاحتمال انتهت قبلها». إنها اللحظة التي لا يعود فيها الإنسان غاضبًا من أحد، بل عاجزًا عن العودة إلى نفسه القديمة. فبعض الكسور، حتى إذا التأمت، يبقى موضعها شاهدًا.

تكرر بين السطور سؤال: «هل استحق كل هذا؟». لم أقرأه ندمًا على محبة الأولاد، بل مراجعة لفهم التضحية نفسها. فقد اعتقد الرجل طويلًا أن الأبوة تعني أن يكون آخر من يرتاح وآخر من يفكر في غده، ولم ينتبه إلى أن الأب الذي يُخرج نفسه من حساباته قد يحمي أسرته من أشياء كثيرة، ويعجز في النهاية عن حماية نفسه من الوحدة وفقدان الاستقلال. لم يكن الفنجان المكسور بداية الانكسار، بل اللحظة التي ظهر فيها ما ظل مستترًا سنوات.

وفي نهاية رسالته كتب: «لو عاد بي العمر، لما أحببت أولادي أقل، لكنني كنت سأحب نفسي أكثر قليلًا. كنت سأحتفظ بشيء من عمري لغدي، وبشيء من قوتي لضعفي، وبشيء من مالي لحريتي. فما أصعب أن تحمل الجميع إلى بر الأمان، ثم تقف أمام غدك خائفًا، وأمام ماضيك متسائلًا، وأمام من تحب صامتًا. لا أريد من أحد أن يعيد إليّ ما أنفقت من عمري، لكنني كنت أتمنى ألا أحتاج إلى أن أشرح لمن أحب أنني تعبت».

أغلقت الرسالة، ولم أستطع أن أغلق ما فتحته فيّ من أسئلة. كم أبًا مغتربًا أمضى شبابه بين المطارات والموانئ والمكاتب، يحسب نجاحه بما وفّره لأسرته، ثم اكتشف أن المسافة الأصعب لم تكن بين بلدين، بل بين قلبه وقلوب من أحب؟ وكم أبًا يعيش اليوم بين أهله، حاضرًا بجسده، غائبًا عن نفسه، ولا ينتبه أحد إلى غيابه لأن الجميع اعتادوا وجوده؟

ليس كل أب صامت بخير، وبعض الذين قضوا أعمارهم في العطاء لا يعرفون كيف يطلبون لأنفسهم شيئًا.

فلا تنتظروا أن ينكسر الفنجان لتنتبهوا إلى ارتجاف اليد التي حملتكم عمرًا كاملًا.

فقد يُجبر الفنجان، وقد يهدأ الارتجاف، لكن ليس كل ما ينكسر في قلب الأب يعود كما كان.

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock