تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

اخر الاخبار
مقالات رأي

رسائل دودلستون: حين تحدّث حاسوب من الثمانينيات مع رجل من القرن السادس عشر

تصوير توضيحي تخيّلي لمشهد كين ويبستر أمام حاسوب BBC Micro

محمد ناصر *

تُعد “رسائل دودلستون” (The Dodleston Messages) واحدة من أغرب وأكثر القضايا إثارة للجدل في عالم الظواهر الخارقة والتساؤلات حول إمكانية التواصل عبر الزمن في العصر الحديث. القصة موثقة بالكامل في كتاب كين ويبستر الشهير “The Vertical Plane”، الصادر عام 1989، والذي أُعيد طبعه بنسخة ثانية عام 2022 نظرًا لاستمرار الاهتمام بالقضية حتى اليوم.

البداية: ليلة عادية في قرية إنجليزية هادئة

بدأت الأحداث أواخر عام 1984، في قرية دودلستون الصغيرة بمقاطعة تشيشير البريطانية. كان كين ويبستر، مدرّس يبلغ من العمر 29 عامًا، قد استعار حاسوبًا من نوع BBC Micro Model B من المدرسة التي يعمل بها، ليتدرّب على استخدامه في منزله الريفي. كان يعيش في ذلك الكوخ مع صديقته ديبي أوكس (Debbie Oaks) ومستأجر يُدعى نيك (Nic).

في إحدى الليالي، بعد عودة الثلاثة من سهرة عادية مع الأصدقاء، اكتشف ويبستر أن أحدًا، أو شيئًا ما، قد ترك له ملفًا نصيًا غامضًا على برنامج معالجة الكلمات البدائي الخاص بالحاسوب، دون أن يكون أي منهم قد كتبه.

الطرف الآخر: لوكاس الذي تبين أنه توماس هاردين

تطورت المراسلات تدريجيًا إلى حوار ثنائي الاتجاه. المرسل، الذي وقّع رسائله الأولى باسم مستعار “لوكاس” (Lukas) وبالحرفين L.W، كشف لاحقًا أن اسمه الحقيقي توماس هاردين (Thomas Harden)، وأنه يعيش في الفترة نفسها التي كانت فيها زوجة الملك هنري الثامن السادسة، كاثرين بار (Catherine Parr)، على العرش، أي ما بين عامي 1543 و1547 تقريبًا.

نموذج تقريبي لطبيعة الحوار (إعادة صياغة غير حرفية، وليست اقتباسًا من الكتاب الأصلي)

ويبستر: من يكون شريف المنطقة في زمنك؟

توماس: اسمه توماس فاولزهيرست، وهو من اعتقلني بتهمة ممارسة السحر.

كانت رسائل توماس مكتوبة بإنجليزية قديمة تمامًا (باستخدام تهجئات مثل wryte بدل write، وhath بدل has)، وأظهرت تفاصيل تاريخية دقيقة صعّب التحقق منها لاحقًا تصديق كونها من تأليف شخص عادي في الثمانينيات. من أبرز هذه التفاصيل:

  • ذِكر اسم توماس فاولزهيرست (Thomas Fowleshurst)، الذي تبيّن لاحقًا أنه شخصية تاريخية حقيقية شغلت منصب شريف المنطقة، واعتُقل بموجبه توماس هاردين بتهمة ممارسة السحر.

  • إشارته إلى عمله سابقًا كعميد كنيسة (Chapel Dean) في كلية برازنوز (Brasenose College) بجامعة أكسفورد، قبل أن يُطرد منها.

  • تفاصيل جغرافية وعائلية محلية دقيقة عن منطقة تشيشير، تطابقت لاحقًا مع سجلات الأرشيف التاريخي حين تحقق منها ويبستر وزميله المعلّم بيتر تريندر (Peter Trinder).

الأغرب أن توماس هاردين كان يعيش، بحسب ادعائه، في البقعة الجغرافية نفسها التي أُقيم عليها كوخ كين ويبستر لاحقًا، فتمحورت كثير من حواراتهما حول التغيرات التي طرأت على المكان عبر القرون.

الطرف الثالث: رسائل من عام 2109

لم تتوقف الغرابة عند هذا الحد. فبينما كان الحوار مع الماضي مستمرًا، بدأت رسائل مجهولة أخرى بالظهور، موقّعة باسم كيان يُدعى ببساطة “2109”، يزعم أنه يتواصل من المستقبل. لم يكن هذا الكيان يتحدث بلطف كتوماس، بل كان يتدخل بنبرة تحذيرية حادة، مؤكدًا أن التواصل بين الأزمنة يمثل تجربة بالغة الحساسية، وأن توماس هاردين نفسه يُستخدم، بحسب زعمه، كجزء من اختبار زمني أعمق بكثير مما يدركه الطرفان.

نموذج تقريبي لتحذيرات الكيان المستقبلي (إعادة صياغة غير حرفية)

“2109”: توقفوا عن المتابعة. هذا التواصل يمس نسيج الزمن ولا ينبغي العبث به.

ويبستر: من أنت؟ وكيف تتواصل معنا؟

“2109”: هذا ليس حوارًا بريئًا كما تتصورون. توماس جزء من تجربة أوسع بكثير.

تضمنت بعض رسائل “2109” رموزًا ومعادلات ومحاولات تنبؤ علمي، بدت وكأنها تهدف لإثبات “تفوقه المعرفي” وصحة موقعه الزمني المزعوم. أدى هذا التدخل إلى حالة من التوتر والقلق داخل منزل ويبستر، قبل أن تتلاشى الرسائل تدريجيًا وتتوقف تمامًا، بعد تبادل أكثر من 150 رسالة على مدى نحو عامين.

حقيقة أم خدعة محكمة؟

المؤيدون

يرون أن دقة التفاصيل التاريخية التي قدّمها “توماس هاردين”، والتي تطلّب التحقق منها لاحقًا الرجوع إلى سجلات أرشيفية متخصصة لم تكن متاحة أو معروفة بسهولة في الثمانينيات، تجعل من الصعب تفسير القضية كخدعة بسيطة، خصوصًا أن حاسوب BBC Micro في ذلك الوقت لم يكن متصلًا بالإنترنت إطلاقًا.

المشككون

يشيرون إلى أن جهاز BBC Micro كان متصلًا بشبكة محلية داخلية تُعرف باسم Econet، وهي شبكة مدرسية يمكن من خلالها لأي شخص آخر على الشبكة نفسها، كأحد الزملاء أو الطلاب، إرسال ملفات أو التلاعب بها عن بُعد، دون الحاجة إلى إنترنت فعلي. كما يُشار إلى إمكانية استغلال ميزة تقنية في الجهاز تُعرف باسم “Sideways ROM”، كانت تسمح باستبدال نظام التشغيل الأساسي ببرنامج آخر مخصص، ما قد يفسر ظهور رسائل مجدولة مسبقًا. حتى كين ويبستر نفسه، في كتابه، كان يعبّر مرارًا عن شكوكه الخاصة في الظاهرة، ولم يحقق الكتاب نجاحًا ماديًا كبيرًا رغم الاهتمام الإعلامي الذي حظيت به القصة لاحقًا عبر وثائقيات وبودكاست مثل Red Web وDark Histories.

الخلاصة

حتى اليوم، تبقى رسائل دودلستون لغزًا لم يُحسم: هل كانت فعلاً أول تواصل موثق بين إنسان من الحاضر وآخر من الماضي، تحت مراقبة طرف من المستقبل؟ أم أنها واحدة من أكثر الخدع التقنية والنفسية إحكامًا في تاريخ الظواهر الخارقة؟ يبقى الجواب اليقيني بعيد المنال، تمامًا كما بقي الزمن نفسه، في هذه القصة على الأقل، حاجزًا لم يُفك شفرته بالكامل.

* كاتب محتوى ثنائي اللغة (عربي – إنجليزي)

linkedin.com/in/mohammed-naseer-1bb596412

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock