لقد كانت سنوات التسعينيّات أروع المراحل وأكثرها ازدهارًا دراميًّا في مصر؛ لذلك فرضت حضورها في العالم العربي. وبرزت آنذاك أعمالٌ كثيرة اشتهرت عربيًّا، غير أنّ مسلسل “لن أعيش في جلباب أبي”، الذي يصادف هذا العام مرور ثلاثين عامًا على عرضه الأوّل في رمضان 1996، بقي دُرّة التاج بينها؛ ويحظى بمشاهدةٍ متجدِّدة من جيلٍ لآخر حتى اليوم، متحوّلًا إلى أيقونةٍ جماهيريّة وظاهرةٍ ترفيهيّة نادرة.
طرحت المنتجة الراحلة ناهد فريد شوقي قصة “لن أعيش في جلباب أبي” للكاتب الكبير إحسان عبد القدوس، على السيناريست الرّاحل مصطفى محرم ليحوّلها إلى مسلسل. تحفّظ في البداية لأنها قصة قصيرة تبدأ بشخصية عبد الغفور البرعي الثري وابنه المتمرّد عليه، ولكنّ المنتجة أصرّت؛ فإكرامًا للصداقة القويَّة التي تجمعه بوالدها الفنان القدير الراحل فريد شوقي، راح يضع خيوطها الدرامية الأساسية، وكتب رحلة عبد الغفور منذ أن كان مُعدَمًا، رثّ الملابس.
بعد كتابته أربع حلقات، عرضها على الفنان الكبير الراحل محمود عبد العزيز، لكنه اعتذر لانشغاله بالتصوير. ثم عرضها على الراحل نور الشريف، فوافق فورًا على تأدية شخصيّة عبد الغفور رغم صِغَر سنّه. شاركته مجموعة من النجوم المصريين، ومن بينهم الفنانة عبلة كامل، التي كانت تقارب في العمر معظم الفنانات اللواتي أدّين دور بناتها. وقف نور الشريف أمامها للمرّة الأولى، معترفًا بأنّ عفويّة تمثيلها سهّلت عليه التفاعل معها. عُرِضَ دورها على النجمة يُسرى، لكن المخرج لم يرها مناسبةً للدور بسبب جمالها.
الممثّل محمد رياض أدّى شخصيّة الابن المتمرّد على والده عبد الغفور؛ لكنّه رفض العمل معه في وكالة البلح، كما حاول أن يحقّق ذاته بطرُقٍ مختلفة، لكنه مُنِيَ بالفشل. بقي ظلّ والده يلازمه طوال المسلسل، رغم أنه منحه حريّة الاختيار. انتهز عبد الوهاب زواجه من روزلين الأميركيّة لكي يسافر معها، لكنها عارضت بشدّة، بل طلبت منه أن يعمل مع والده. إن ما أراد مصطفى محرّم قوله من خلال شخصيّة روزلين هو صعوبة التطابق الفكري بينها وبين عبد الوهاب، ولإظهار عدم التوافق الفكري بين الشرق والغرب في كثيرٍ من الأمور.
لقد جاء دورُ القدير الراحل عبد الرحمن أبو زهرة مصادفةً، بعدما هاتفه المخرج أحمد توفيق وطلب منه الحضور حالًا إلى موقع التصوير؛ فأدّى دوره بعفويّته، تاركًا بصمةً واضحةً ما زالت حاضرةً في قلوب المشاهدين العرب حتى اليوم. لم يتوقّع أحد هذا النجاح الباهر الذي حقّقه المسلسل؛ فقد كان الممثّلون عائلةً واحدةً في موقع التصوير، تمامًا كما ظهروا أمام الكاميرا.
كان الزواج، بالنسبة إلى بنات عبد الغفور، مرحلةَ تحرّرٍ من سجن التقاليد الذي وضعهنّ فيه والدهنّ؛ فقبلن بأيّ عريسٍ يطلبهنّ، معتبراتٍ إيّاه بطاقةَ دخولٍ إلى الحياة المدنيّة الجديدة التي حُرمن منها، لينطلقن مع أزواجهنّ إلى عالم التّنَزُّه، السهر وممارسة حرّيّة التصرّف، ورغم كل ذلك ظلَّ والدهنّ مثالهنّ الأعلى، وبقينَ يحترمن خياراته وقراراته.
يبدأ المسلسل بوصول عبد الغفور إلى وكالة البلح، في حالٍ يُرثى لها، طلبًا للعمل لدى المعلم إبراهيم سردينة، ومن هناك انطلقت رحلة كفاحه الصعبة والطويلة من القاع؛ فراح يجمع المال ويدّخر من أجرته الزهيدة. فاشتغل في أيّام العطلة، شُغلًا مضنيًا، أي “لحَس التراب”، كما قال لابنه لاحقًا. لكنه في المقابل، أصغى جيِّدًا لنصائح المعلم، واستمع إلى إرشادات فهيم أفندي، الذي أدّى دوره الراحل فاروق الرشيدي، فروى له حكايات معلّمي الوكالة وشقِّهم طريقهم في عالم التجارة. استوعب عبد الغفور كلام فهيم أفندي. كذلك المعلم إبراهيم سردينة بدأ يزوِّده بأسرار المهنة، فاستفاد منها في بناء إمبراطوريّته الصناعيّة، التي كوّنها بشرف.
كانت الصورة السائدة آنذاك عن رجال الأعمال أنّ معظمهم كوّنوا ثرواتهم بطرُقٍ غير مشروعة. وفي عصر الانفتاح، الذي انتهجه الرئيس الراحل أنور السادات، قُدِّمت أعمالٌ كثيرة أحبطت الشبان ورسّخت فكرة أنّ الناجح لا بدّ أن يكون لصًّا… وهذا أزعج العديد من رجال الأعمال الشرفاء. فجاء المسلسل ليعالج هذا الانطباع الخاطئ من خلال المعلم عبد الغفور، الذي كوّن ثروته بعرق جبينه، وأقنع المشاهد أنّ كل فقير عربي يستطيع أن يحذو حذوه. كما أبرز جانبًا آخر من شخصيّته؛ فعلى الرغم من ثرائه الفاحش، لم يتزوّج على زوجته، وهذه آفة شائعة جدًّا في العالم العربي. تمسُّك عبد الغفور بمجموعة الأمثال الشعبيّة الكثيرة في المسلسل، بسَّطَتْ له فهم الحياة.
لقد واجه عبد الغفور إهاناتٍ عدّة من معلّمي الوكالة، وعلى رأسهم محفوظ، ابن المعلم سردينة، الذي أدّى دوره الفنان الراحل مصطفى متولّي بجدارة، فتحمّل كلّ ذلك حتى بَلَغَ مكانته. لم تتغيّر طباعه؛ فتعامَل مع أبنائه بانفتاح رغم جهله، فدعمهم في إكمال تعليمهم، تاركًا لبناته حرية الزواج، دون ضغط منه. خطّا صعوده المادي وانفتاحه الأبوي تماشيا مع الأحداث الدراميّة.
القصة الأصليّة قصيرة، ولم تتضمّن عدّة عناصر أُضيفت إلى السيناريو؛ منها شخصيّة الوزير، التي أدّاها القدير رشوان توفيق… أما عائلة الدكتور مؤنس المثقّفة، فحلّلت الأمور منطقيًّا من منظورها العلميّ، وعائلة سيّد كشري، الذي أدّى دوره الفنان الراحل مخلص البحيري. وكان إنسانًا قنوعًا، سعى إلى ردع زوجته فتحيّة عن التقرّب من عائلة عبد الغفور بسبب الفروقات الطبقيّة، وأدّت دور فتحيّة الفنانة الراحلة سهير الباروني. وقد منحت هذه الإضافات المسلسل تسلسلًا دراميًّا أقوى وزادت تشويقه.
أسهمت إضافة كل هذه الشخصيّات في توسيع مجريات الأحداث؛ فبرزت أطماع ابن الوزير، الذي أدّى دوره الفنان ياسر جلال، إذ استغلّ زوجته لتطالب بحصّتها من ثروة والدها. لقد تجسّدت محاولة استغلال الغرب لثروات العالم العربي من خلال شخصيّة روزلين، التي حاولت استغلال بساطة عبد الغفور بعرضها عليه مشروعها الذي جاءت به من أمريكا، ولكن عندما رفضه الحاج انهارت باكيةً.
الأهمّ أنّ مصطفى محرّم أدخل إلى السيناريو جماعة الإخوان المسلمين؛ حينها عانت مصر في سنوات التسعينيّات من الإرهاب الإخواني، الذي كاد عبد الوهاب، ابن عبد الغفور، أن يذهب ضحيّةً له. لقد قابل الخطابَ الدينيَّ التحريضيَّ حوارٌ معتدلٌ يستند إلى مبادئ الدين الإسلامي الحنيف… أظهرت هذه المحاور الدراميّة التناقضات بين طبقات المجتمع.
هذا يقودنا أيضًا إلى وجود ثلاثة مستويات من الحوارات: الأوّل لغة أهل الوكالة البسيطة، والثاني لغة الحياة اليوميّة العاديّة للمصريين، والثالث لغة المتعلّمين. وقد عكس ذلك قدرة مصطفى محرّم على إتقان الكتابة لكلّ بيئةٍ بلهجتها الخاصّة، إلى درجة أنّ عبد الغفور كان يجهل بعض الكلمات التي تفوّه بها الوزير… استعان بفهيم أفندي، ليكون ذراعه الأيمن والموجّه الأمين في تعاملاته التجاريّة. كانت طريقة نطق زوجته فاطمة ببعض الكلمات بلكنة غريبة، أضفت مسحةً من الطرافة، فأمتع جهلها المشاهدين.
هناك مشهدان ما زالا عالقين في أذهان المشاهدين: الأوّل مشهد فرح سنيّة، ابنة عبد الغفور، الذي أُقيم في بيته وحظي بإعجاب الملايين، بفضل تلقائيّة تصرّفات الممثلين؛ إذ صوّره المخرج كما جرى خلال استراحةٍ حقيقيّةٍ من التصوير. أما المشهد الثاني فإنه يُعتبر في علم الدراما Master Scene، وهو المواجهة الأبويّة الصريحة بين نور الشريف ومحمد رياض، اللذين تألّقا بأداءٍ صادقٍ ومؤثّر، وقد جاء حوارهما مشحونًا بعتابٍ ممزوجٍ بالحنان؛ فظلّ حاضرًا في الذاكرة الجماعيّة إلى هذا اليوم.
“لن أعيش في جلباب أبي” مسلسل لامس الأسرة المصريّة، لبساطته وفكرته التقليديّة؛ إذ حكى تفاصيلها اليوميّة بمنتهى السلاسة، من دون تكلّف. وقد توفّرت له كلّ مقوّمات النجاح التي ضمنت استمراريّته، مثل الفكرة الرّئيسيّة، الإخراج، طاقم الممثّلين المدهش، والموسيقى التصويريّة الرّائعة التي ألّفها الموسيقار الراحل حسن أبو السعود (كاتب وملحّن أغنية راغب علامة الشهيرة “حرام”)، لذا أصبح في السنوات الأخيرة متداولًا بشكل مكثّف على مواقع التواصل، رغم مرور فترة طويلة جدًّا على إنتاجه. ما زال يُعاد عرضه سنويًّا على عدّة فضائيّات عربيّة، وتحديدًا على قناة “نايل دراما”، لقوّة شعبيّته، إلى أن أصبح أيقونةً فنيّةً نفيسةً خالدةً في أرشيف الدراما العربيّة.