تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

اخر الاخبار
مقالات رأي

فرنسا أمام غضب مدرسي يتجاوز جدران المدارس

احتجاجات الشباب بين أزمة التعليم وضيق المالية العامة وحسابات الانتخابات

مقال صحفي تحليلي من اعداد ضياء الدين مؤزقي 

لم تعد المظاهرات التي تشهدها فرنسا منذ أواخر سبتمبر/أيلول مجرد احتجاجات طلابية عابرة على نقص المدرسين. فقد تحولت إلى اختبار سياسي واجتماعي لحكومة رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو، وإلى مرآة لأزمة أوسع تتداخل فيها أوضاع المدرسة العمومية مع تراجع الثقة في الدولة، وضغط الدين العام، واقتراب الانتخابات الرئاسية.

بدأت الشرارة في ثانوية سانت-إكزوبيري بمدينة كريتاي، جنوب باريس، حين أضرب مدرسون بسبب نقص مدرسين في الرياضيات والفرنسية والتاريخ، فضلًا عن غياب ممرضة المدرسة. ثم التحق التلاميذ بالتحرك، وانتقلت الاحتجاجات سريعًا إلى مؤسسات أخرى تعاني من نقص الموظفين وتقادم المباني واضطراب الجداول الدراسية. ومنذ ذلك الحين انتقل الحراك من بوابات المدارس إلى الجامعات والشوارع، وانضمت إليه نقابات مدرسين وموظفين وأولياء أمور.

في يوم 8 أكتوبر، قالت وزارة الداخلية إن نحو 71,500 شخص شاركوا في المظاهرات، بينهم 24,500 في باريس، مع توقيف أكثر من 500 شخص. أما يوم 6 أكتوبر، فقد تراوحت التقديرات التي أوردتها وسائل إعلام فرنسية بين 266 ألفًا و450 ألف متظاهر، بحسب الجهة التي أحصت المشاركين. اختلاف الأرقام لا يلغي حقيقة أساسية: الاحتجاج اتسع جغرافيًا وسياسيًا، ولم يعد محصورًا في مجموعة صغيرة من التلاميذ.

لماذا انفجر الغضب الآن؟

  1. نقص المدرسين وتحول الغياب إلى أمر عادي

يضع المحتجون في مقدمة مطالبهم توفير مدرس أمام كل قسم. وتفيد بيانات نقابية نقلتها فرانس 24 بأن أكثر من نصف المدارس الإعدادية والثانويات الفرنسية تفتقد مدرسًا واحدًا على الأقل، وأن 69% منها تعاني نقصًا في عضو واحد على الأقل من أعضاء هيئة التدريس أو الدعم. والنتيجة أقسام مكتظة قد تضم 35 تلميذًا، ومدرسون يغطون حصص زملائهم، وتلاميذ يفقدون ساعات من التعليم أو يتلقون تعليمًا متقطعًا .

المشكلة هنا ليست إدارية فقط. فغياب المدرس يوسع الفجوة بين الأسر القادرة على اللجوء إلى التعليم الخاص أو الدروس الخصوصية، والأسر التي لا تملك هذه الخيارات. كما أنه يضرب ثقة التلميذ في قيمة المدرسة العمومية بوصفها أداة للترقي الاجتماعي.

  1. مبانٍ متقادمة وحرارة متطرفة وظروف لا تليق بالتعلم

تتحدث شهادات طلاب ومدرسين عن تسرب المياه، ودورات مياه غير صالحة، وحشرات وقوارض، وأقسام شديدة البرودة شتاءً أو مرتفعة الحرارة صيفًا. وتقول تقارير إعلامية فرنسية إن متوسط عمر بعض الثانويات يبلغ 65 عامًا، وإن واحدًا من كل عشرة ثانويات في حالة متدهورة وفق معطيات منسوبة إلى تقرير لمجلس الشيوخ .

أهمية هذا المطلب تتجاوز الجانب المعماري. فالتغير المناخي جعل موجات الحر عاملًا مباشرًا في جودة التعليم، بينما تعاني مناطق فقيرة، خصوصًا في ضواحي باريس، من تراكم تاريخي في الاستثمار غير المتكافئ. ولهذا يرى المحتجون أن الحديث عن تكافؤ الفرص يفقد معناه إذا كان التلميذ لا يدرس في مبنى آمن ومهيأ.

  1. يوم دراسي طويل ونظام توجيه يسبب القلق

يقول طلاب إن بعض الجداول تمتد من الثامنة صباحًا إلى السادسة مساءً، مع فترات فراغ لا تعني بالضرورة راحة، ثم واجبات منزلية كثيرة وتنقلات طويلة. ويرتبط جزء من الاضطراب بإصلاحات المرحلة الثانوية وبنظام اختيار التخصصات.

كما يوجه الطلاب انتقادات حادة إلى منصتي Parcoursup وMon Master،  اللتين تنظمان الولوج إلى التعليم العالي. وفي نظرهم، تحول القبول الجامعي إلى مسار غامض وضاغط يكرس الانتقاء الاجتماعي. هذا يفسر لماذا لم يعد الحراك ثانويًا فقط؛ فقد التحقت به الجامعات لأن أزمة المدرسة تمتد إلى السكن والمنح والطعام وفرص الولوج إلى التعليم العالي  .

  1. انفجار الغضب في لحظة تقشف مالي

تأتي الاحتجاجات بينما تفاوض الحكومة على ميزانية 2027 في ظل سعي إلى تصحيح مالي بقيمة تقارب 54 مليار يورو. وفي المقابل، تشير التغطية إلى أن مخصصات التعليم سترتفع 1.4% إلى 90.9 مليار يورو، لكن هذا الرقم لا يعني أن كل المطالب قابلة للتنفيذ فورًا، ولا سيما أن جزءًا مهمًا من الإنفاق يذهب إلى أجور والتزامات تقاعدية ومصاريف قائمة  .

هنا يظهر التناقض المركزي: الدولة تعترف بأن التعليم يحتاج إلى استثمار، لكنها مطالبة في الوقت نفسه بخفض العجز وطمأنة الأسواق. لذلك لا يرى الطلاب في الوعود العامة حلًا كافيًا؛ فهم يريدون أرقامًا، ومواعيد، ومصادر تمويل، واضحة.

ماذا يطالب المحتجون؟

طرحت اتحادات طلابية وتلاميذية منصة من عشرة إجراءات طارئة. ويمكن تلخيصها في أربع كتل رئيسية.

أولًا، يطالبون بخطة عاجلة لترميم المدارس والجامعات، وتأهيلها لمواجهة الحر والبرد، وضمان نظافة المرافق وصلاحية دورات المياه. ثانيًا، يريدون توظيفًا واسعًا للمدرسين والممرضين والأخصائيين النفسيين ومستشاري التوجيه؛ وتقترح المنصة حدًا أدنى من ممرض وأخصائي نفسي ومستشار توجيه لكل 500 طالب، إلى جانب تثبيت وظائف المرافقين التربويين .

ثالثًا، يطالبون بإعادة النظر في إيقاع اليوم الدراسي وإصلاحات الثانوية، وإلغاء الانتقاء عبر Parcoursup وMon Master، مع إنشاء 250 ألف مقعد إضافي في التعليم العالي. رابعًا، يطرحون قضايا المعيشة الجامعية: رفع المنح، توسيع الاستفادة منها، تثبيت إيجارات مساكن CROUS، توفير وجبة الطالب بيورو واحد، وبناء مساكن جديدة.

ويحتل مطلب وقف القمع موقعًا مستقلًا في المنصة. فالحركة لا تطالب بالاستثمار فقط، بل بإشراك الشباب في القرار، وحماية حقهم في التنظيم والتعبير، والتحقيق في أي استخدام غير متناسب للقوة.

من الحوار إلى أزمة الثقة

اعترفت الحكومة بشرعية أصل المطالب. وقال رئيس الوزراء إن خطة عمل، تتضمن ردودًا «ملموسة وسريعة وممولة بالكامل»، ستقدم قبل نهاية أكتوبر. كما أعلن وزير التعليم نشر 3,000 مدرس إضافي بين 9 و13 أكتوبر في المؤسسات ذات الأولوية، مع إمكان توظيف بضع مئات آخرين. ووعدت الحكومة بمراجعة الجداول الدراسية، وتسريع شغل الوظائف الشاغرة، ووضع جدول زمني لأعمال الترميم  .

لكن هذه الخطوات لم توقف التعبئة. السبب ليس رفض كل إجراء، بل فجوة المصداقية. فقد سمع الطلاب وعودًا سابقة لم تُنفذ بالسرعة المطلوبة، فيما لم يتضمن الإعلان الحكومي الأول تفاصيل كافية عن المدارس المستفيدة، والتمويل، والجدول الزمني، وآلية المتابعة. ولذلك يطالب ممثلوهم بلقاء مباشر مع رئيس الوزراء وتقديم مقترحاتهم المحسوبة بالأرقام.

العنف: قضية مستقلة لا يجوز أن تبتلع أصل الاحتجاج

كان معظم التحركات سلميًا، لكن بعض المدن شهدت اشتباكات وتخريبًا وإحراقًا. وقالت السلطات إن 24 ثانوية تضررت بالحريق أو التخريب إلى درجة قد تبقيها مغلقة لأسابيع، بما يؤثر في نحو 30 ألف تلميذ، مع كلفة إصلاح قدرت بين 20 و30 مليون يورو . كما تعرض مدرسون وعناصر شرطة ومتظاهرون للإصابة.

في المقابل، أثار استخدام الشرطة للغاز والقنابل الصوتية انتقادات واسعة، خصوصًا بعد إصابة تلميذ في الخامسة عشرة وفقدانه يده. وأعلنت الحكومة تعليق استخدام القنابل الصوتية في احتجاجات طلاب الثانويات، مع إحالة 18 واقعة إلى التفتيش العام للشرطة. وبحسب أرقام حكومية أوردتها الجزيرة، أصيب منذ 28 سبتمبر 215 تلميذًا و89 مدرسًا و761 شرطيًا ودركيًا، واحتُجز 6,629 شخصًا؛ وهي أرقام رسمية ينبغي قراءتها في سياق سياسي وأمني متوتر  .

المعادلة الصعبة هنا مزدوجة: لا يمكن تبرير تخريب المدارس أو الاعتداء على المدرسين والشرطة باسم الاحتجاج، كما لا يمكن أن تتحول أعمال أقلية إلى مبرر لمعالجة حركة واسعة بالقوة وحدها. فالفصل بين التظاهر السلمي والعنف، والتحقيق المستقل في تجاوزات الشرطة، شرطان لاستعادة الثقة.

النتائج السياسية والاجتماعية المحتملة

أول نتيجة هي أن التعليم انتقل إلى قلب النقاش حول الدولة والميزانية. لم يعد السؤال: كم عدد المدرسين؟ بل: أي خدمات عامة تريد فرنسا أن تمول، ومن يدفع ثمن الأزمة المالية؟

ثانيًا، أظهر الحراك قدرة جيل شاب على بناء تحالف مع المدرسين والجامعات والنقابات. وهذا يمنحه وزنًا أكبر من احتجاج مدرسي قصير، لكنه يضعه أيضًا أمام تحدي الحفاظ على وحدة المطالب ومنع العنف من تغيير صورته.

ثالثًا، يتزامن الغضب مع استقطاب سياسي قبل الانتخابات الرئاسية. تستثمر قوى اليمين المتطرف في مشاهد التخريب للمطالبة بالصرامة وخفض الإنفاق، بينما تدعم قوى اليسار الاحتجاج وتتهم الشرطة بالمبالغة. خطر هذا الاستقطاب أن تتحول مطالب مدرسية قابلة للنقاش إلى معركة انتخابية تمنع الحلول الوسط  .

رابعًا، تواجه الحكومة اختبارًا ماليًا حقيقيًا. فالإنفاق العاجل على المدرسين والترميم ضروري، لكن الحل المستدام يحتاج إلى ترتيب أولويات وتنسيق بين الدولة والمناطق والبلديات، لأن مسؤولية مباني الثانويات موزعة جزئيًا على السلطات المحلية.

ما الحل الواقعي؟

الحل لا يبدأ بحزمة وعود عامة، ولا بإجراءات أمنية وحدها، بل باتفاق قابل للقياس بين الحكومة وممثلي التلاميذ والطلاب والمدرسين والمناطق.

أولًا، ينبغي نشر خريطة وطنية شفافة للوظائف الشاغرة، وعدد الأقسام المكتظة، وحالة كل مؤسسة، ثم توجيه المدرسين الإضافيين إلى المدارس الأشد نقصًا وفق معايير معلنة. نشر 3,000 مدرس خطوة إسعافية مهمة، لكنه لن يحل مشكلة بنيوية إذا بقي الاعتماد على التعاقد المؤقت وسد الغياب بدل بناء مسار مهني جاذب للتدريس.

ثانيًا، يجب إطلاق خطة ترميم متعددة السنوات، تبدأ بالسلامة والحرارة والنظافة، وتحدد لكل مشروع الكلفة والجهة المسؤولة وموعد الإنجاز. التمويل يمكن أن يأتي من إعادة ترتيب الإنفاق، ومن مساهمة الدولة والمناطق، ومن أدوات استثمار طويلة الأجل، لا من شعارات غير ممولة.

ثالثًا، ينبغي فتح مراجعة مستقلة لنظام الجداول وParcoursup وMon Master، بمشاركة الطلاب والمدرسين والجامعات. الهدف ليس إلغاء التنظيم الوطني، بل جعله مفهومًا وأقل انتقائية وأوضح في معاييره، مع ضمان مقاعد إضافية حيث يثبت نقص العرض.

رابعًا، لا بد من حوار مؤسسي دائم مع الشباب، لا دعوة ظرفية بعد اندلاع الاحتجاج. يمكن منح مجالس الحياة المدرسية والهيئات الطلابية صلاحيات استشارية حقيقية، ونشر ردود الحكومة على مقترحاتها بندًا بندًا.

خامسًا، يجب حماية حق التظاهر مع محاسبة العنف. وهذا يتطلب قواعد واضحة لاستخدام القوة، وتعريفًا دقيقًا للمسؤوليات، وتحقيقًا سريعًا في الإصابات، ومنع معاقبة التلاميذ جماعيًا بسبب المشاركة السلمية.

الخلاصة

تقول احتجاجات فرنسا إن أزمة التعليم ليست نقصًا في الطباشير أو المقاعد فحسب. إنها أزمة وعد اجتماعي: وعد بأن المدرسة العمومية تمنح أبناء مختلف المناطق والطبقات فرصة متقاربة، وأن الدولة قادرة على حماية هذه الفرصة. حين يرى الطلاب مدرسًا غائبًا، ومبنى متداعيًا، ويومًا دراسيًا مرهقًا، ثم يسمعون أن الميزانية لا تسمح، فإنهم لا يحتجون على خدمة واحدة فقط؛ بل على ترتيب الأولويات في بلدهم.

يمكن للحكومة أن تهدئ الشارع إذا انتقلت من الاعتراف بالمطالب إلى تنفيذ قابل للتحقق. أما إذا اكتفت بإعلان أرقام مؤقتة وتأجيل القرارات إلى نهاية الشهر، فقد يتوسع الحراك ويتصل بملفات المعيشة والعدالة الاجتماعية. والنتيجة النهائية لن تتحدد بعدد المتظاهرين وحده، بل بقدرة الدولة على تحويل الغضب إلى إصلاح، وقدرة المحتجين على الحفاظ على سلمية حركتهم ووضوح مطالبهم.

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock