قد تستيقظ يومًا، وتجد الشخص الذي كنت معه بالأمس ودارت بينكما أحداث ومواقف كثيرة، ماثلاً أمام عينيك. فتهرع عليه، وتحادثه، بل وتجادله أيضًا، بناء على ما دار بينكما؛ بيد أنَّ تصير تلك المقابلة معضلة عندما تكون هذه الأحداث ليست حقيقية. وأما المشكلة الأكبر، عندما يكون هذا الشخص ربما لم تقابله من قبل، على الإطلاق، لكنك وجدت ذكرياته معك محفورة بداخل عقلك، ولا تستطيع أن تكذبها. وذلك يسمى بعرض “الذاكرة المزيفة” False Memory، أو كما يطلق عليه “تأثير مانديلا” Mandela Effect.
و”تأثير مانديلا” هي عرض يتم من خلاله تكوين نوعًا من الذاكرة التي قد لا تكون حقيقية على الإطلاق، لكن تسبب فيها التأثُّر بموقف ما، أو رؤية صورة، أو لوحة معينة، أو حلم، أو سماع كلمة أو حتى مداعبة عطر ما للأنف؛ شريطة أن تكون كل هذه الأحداث قد ارتبطت بذكرى معينة. فيبدأ اللاوعي في تكرار هذه الذكرى إلى أن تُحفر بالذاكرة، ثم يمررها إلى العقل على أساس أنها حقيقة ملموسة. وبمعنى أكثر وضوحًا، قد يتعرض أحدهم – على سبيل المثال – للإيذاء النفسي من قبل شخص ما، أو لربما تواجد شخصًا أغدقه بالحنان أو التفهُّم.
فبالنسبة للحالة الأولى، يبدأ الفرد برد نفس الإساءة لأي شخص قد تكون به بضع من ملامح من آذاه أو بع بضعًا من خصاله، بغية الانتقام منه في هيئة من يذكِّره به. وعلى النقيض، بالنسبة للحالة الثانية، يبدأ الفرد في وضع ثقته في أي شخص قد يشبه الفرد الذي أظهر له الحنان والرحمة، لدرجة أنه قد يتغاضى عن جميع سلبياته وصفاته المقيتة، بالرغم من كونها واضحة للعيان. وعلى الرغم من ذلك، يميل هذا الفرد لعدم رؤيتها؛ بسبب تلك الذاكرة المزيَّفة. وللأسف، إذا دقق الإنسان في حياته وتعاملاته مع الآخرين، لسوف يجد الكثيرين من هذه الأنماط تحيط به.
فماذا لو اقترنت تلك الذاكرة بتكوين فكرة ما، أو رغبة، أو أمل بعيد المنال؟ هنا، لسوف يكون الأمر أكثر تعقيدًا؛ حيث سيحاول الفرد جاهدا تحقيق تلك الفكرة، أو الرغبة، أو الأمل استنادًا على مرجعيته التي يستدعيها دومًا من مخازن الذاكرة. وهذا ما يمكن اطلاق عليه مجازًا “نكهة مانديلا”. ويعجّ التاريخ بالعديد من الأمثلة في هذا الشأن، لكن من أهم الأمثلة التي كان فيها هذا التأثير، أو بالأحرى تلك “النكهة” واضحة هي حياة الزعيم الأسود “فريدريك دوجلاس” Frederick Douglas (1818-1895) الذي أقنع نفسه بحريته وزعامته، إلى أن نال كل آماله في نهاية المطاف. فلقد ارتقى “فريدريك دوجلاس” Frederick Douglas من حياة العبودية إلى حياة الأحرار، وتمسك بكل كلمة في ذاكرته إلى أن صار مصلح اجتماعي، ومن أعلام من ينادي بإلغاء الرق؛ بالإضافة للارتقاء بمكانته الاجتماعية التي جعلت منه خطيبًا، وكاتبًا، ورجل دولة، لدرجة أنه تم ترشيحه ليكون أول رجل أسود على الإطلاق، في هذا الوقت الذي كانت فيه أمريكا تعجّ بالعبودية، ليصبح آنذاك أول فرد ذو بشرة سوداء يتم ترشيحه لمنصب نائب رئيس الولايات المتحدة من قبل المرشَّحة الرئاسية “فيكتوريا وودهول”Victoria Woodhull.
ولد “فريديريك دوجلاس” عبدًا؛ فلقد كان ثمرة زيجة بين عبدة زنجية ذات أصول هندية حمراء مع سيدها الأبيض. وكان مكان ميلاد “دوجلاس” في مزرعة على الساحل الشرقي لخليج تشيسابك في مقاطعة تالبوت بولاية ميريلاند تحت اسم “فريدريك أوغسطس” Frederick August. ولم يعلم أبدًا “فريدريك دوجلاس” تاريخ ميلاده قط، بما في ذلك السنة التي ولد بها أو حتى يوم الأسبوع الذي شهد ولادته. ودأب على أن ينعي ذلك بقوله: “ليس لدي أي معرفة دقيقة بعمري، ولم أشاهد أي سجل أصيل يحتوي عليه”. مما يعكس شعوره العميق بالمهانة، والاستهانة؛ لأن أبسط حق من حقوقه كإنسان، وهو معرفة تاريخ ميلاده، كان محرومًا منه للأبد. لكنه اختار فيما بعد أن يكون يوم مولده 14 فبراير 1818، وكأنه هو من اختار أن يولد نفسه في هذا اليوم، الذي على بناءه يمكن بناء جميع صفاته وذكرياته؛ لقد مكَّن نفسه لتكون أولى خطواته هي تحرير ذاته من سطوة القدر التي تحدد موعد الميلاد.
وتكتمل المأساة عندما يُنتزع الطفل فريدريك من حضن أمه؛ لأنها بيعت لمزرعة مجاورة. ومنذ ذاك الحين، تعهد رعايته جدته من ناحية الأم التي كانت أيضًا “عبدة”، ويشاركها في ذلك جده الذي حصل بالفعل على حريته، تفضُّلًا من سيده الذي بمقدوره سحبها منه في أي لحظة إذا خالف له أمرًا. والأمر الأكثر قسوة في ذاك الموقف برمَّته أنّ الأم لم تتمكَّن من رؤية طفلها الذي يقطن المزرعة المجاورة لها سوى لمرات قلائل، إلى أن توفَّت بينما لا يزال في السابعة من عمره. وتزداد الوتيرة المأساوية للموقف عندما يُنتزع الطفل مرَّة أخرى من أحضان جديه ليتم بيعه في مزرعة في بالتيمور. لكنَّ، لحسن حظه، كانت زوجة صاحب المزرعة سيدة رحيمة وحنون؛ فلقد منحته ثياب لائقة، وجعلته ينام على فراش وثير، وعلمته القراءة والكتابة. كان الطفل “فريدريك” ينمو مشدوهًا ومتعجِّبًا بما يشعر به ويلمسه من معاملة طيبة راقية.
وأكثر ما كان يؤثِّر في كيانه وتكوينه طيب نفس زوجة صاحب المزرعة وحنانها المفرط. وأكثر من هذا، ما أغدقت عليه من مزايا لم يكن أبداً ليحلم بها، وأهمها تعليمه كفرد من أبنائها. إلى أن جاء اليوم المشؤوم؛ عندما اعترض صاحب المزرعة على تعليم هذا العبد قائلًا: “تعليم العبيد يفضي بهم للمطالبة بحريتهم.” وبدءًا من تلك الواقعة، تبدَّلت أحوال الطفل للأسوأ مع تبدُّل معاملة صاحبة المزرعة معه للنقيض؛ حيث نبذته في مساكن العبيد، وتوقفت ليس فقط عن تعليمه، لكنها أيضًا صارت تخفي عنه أي مادة للقراءة أو الكتابة؛ حتى يغرق في غياهب من الجهل.
وعلى نقيض المتوقَّع أيضًا، أصر الطفل فريدريك على ألا تنمحي من ذاكرته أي حرف أو درس مما تلقاه من تعليم في السَّابق، وأضحى ينقِّب جاهدًا عن أي مادة للقراء؛ لتنمي عقله وتساعده على الحفاظ على ما وصل إليه من مكانة فكرية راقية لائقة. أضف إلى ذلك، بدأ في تعليم جميع من يحيطون به من عبيد، إلى أن بات نبراس النور الذي يتوافد إليه العبيد من المزارع أخرى؛ من أجل تعليمهم القراءة والكتابة. فلقد صار محفورًا بذاكرة “فريدريك” مقولة أن “المعرفة هي الطريق للحرية”، مما جعلها بالنسبة له حقيقة وأمر واقع، وبدأ يتصرف على هذا الأساس.
وبدون أدنى شكّ، لم يكن هذا الوضع مرضيًا بالنسبة لسيده صاحب المزرعة، الذي تمادى في إهانته، وإيذاءه جسدياً على أتفه الأمور، إلى أن سبب له جرحًا غائرًا. وبعد أن ضاق به ذرعاً، باعه لصاحب مزرعة أخرى، والذي كان أشد قسوة عليه، وأغلظ في المعاملة. وإنهاءًا لمأساته، حاول العبد “فريدريك” الهروب من سيده الجديد عام 1837، لكنه لم يفلح.
وصادفه الحظّ فيما بعد عندما قابل سيدة سوداء حرة تكبره بخمس أعوام، فوقع في غرامها. ولقد ساعدته بالأموال، وشجعته على الهرب. وبالفعل، هرب لفلادلفيا حيثما يتجمع العبيد الفارين وينعمون بحياة الأحرار. ومن ثمَّ، اختار العبد الفار “فريدريك” لنفسه حياة جديدة، واسم جديد، ثم سافر لولاية ماساتشوستس، وبدأ هناك حياته كخطيب مفوه، وأحد المنادين بإلغاء الرقّ في الولايات المتحدة. ولمعرفته أن سرد تاريخه الشخصي وعرضه على من يقابله من العبيد، والأحرار أيضًا، لسوف يمثل قوَّة ثورية مؤثرة ثمرتها في نهاية المطاف إلغاء الرق، عمل “فريدريك دوجلاس” على نشر سيرته الذاتية في عدة مجلدات لاقت استحساناً واسعًا، والتي سرد فيها طبيعة ومسيرة سعيه للحرية، وما يموج به من شعور، وما هي المؤثِّرات التي تجعله يعتنق طريق الثورة.
وبالرغم من نجاحه الهائل، إلا أن ما كان دوماً يؤرقه هو هاجس أن سيده يجوز له في أي لحظة أن يأتي، ويقبض عليه، وينتزعه من حياة الحرية؛ ليرجعه لحياة العبودية مرة أخرى. واستناداً على ما يموج بذاكرته عند تذكر أن “المعرفة هي الطريق للحرية”، سافر “فريدريك دوجلاس” لبريطانيا، التي شعر فيها بالحرية الحقيقية؛ حيث لم يشعر بها ولو لوهلة أنه يتم التمييز بينه وبين الآخرين. فاستقر في بريطانيا لمدة سبع سنوات، زار فيها جميع أرجائها، وخاصة أيرلندا التي استهوته لما يموج بها من أحداث سياسية؛ لأنها دولة واقعة تحت الاستعمار البريطاني منذ زمن بعيد، ولا تستطيع الفرار منه. واشتهر “دوجلاس” هناك بكونه خطيبًا مفوهًا يعرض قضيته، وقضية إخوانه من العبيد. وبالتأكيد، لاقى هناك كل الترحيب، إلى أن آب مرة أخرى لأمريكا حيثما تلقَّى أيضًا كل الترحيب، واستطاع اختيار وتشكيل مصيراً مكتمل الملامح دفعه ليعتلي الصدارة.
ودون شك، لو كانت السردية الصغرى Little Narrative لفريدريك دوجلاس هي إحدى أولى البدايات المنظمة لطريق الحرية، والقضاء على عبوديته، فإن ذكرى واحدة كانت كفيلة بإلقاء شرارة البدء على هذا الطريق. لطالما كانت السرديات الصغرى محور اهتمام، أما “تأثير مانديلا” Mandela Effect الذي هو محور اندهاش، واستغراب؛ بسبب تكوين حقائق على أحداث لم تحدث أبدًا، فإنه لا يزال قيد التحري. فقد يكون أحيانًا ذو تأثير محمود، وإن كان في أغلب الأحوال مصدر تعاسة ليس بالنسبة للواقعين تحت وطأته، لكن لمن يتعاملون مع أشخاص يعانون منه.