جدلية التحذير من التنازع والتفرقة في الإسلام وشرعية التعددية السياسية
منذ 7 ساعات
0 13 دقائق
الكاتبة بهاء إبراهيم
تحذر آيات قرآنية عدة من التنازع والتفرقة في إطار قد يشي مبدئيا بعداء بنيوي متأصل للتعددية. وربما يكون التوحيد على وجه الخصوص كعماد للإيمان مبدأ داعيا للتفحص من زاوية إمكانات امتداده من الوحدة العقائدية إلى الوحدة السياسية، فيبات بذلك منفرا لشرعية الاختلاف والتعدد السياسي وتنظيمه بحجة وحدة الصف. في مقال لنا بعنوان “جدلية التعدد والوحدة في الديمقراطية: من حماية المجموعات السياسية إلى أزمة الاستقطاب” (17 مارس 202. جريدة القاهرة)، أكدنا على التعددية كممارسة جماعية تسعى في نهاية المطاف إلى تحقيق التماسك من خلال الالتفاف حول مصالح مشتركة انطلاقا من الاجماع والتوافق حول مبادئ مؤسسة للدولة وإدارتها للتخفيف من حدة الخوف إزاء أغلبية تنتهك حقوق مواطنين آخرين، محذرين من الاستقطاب كمهدد جاد لصحة المسار الديمقراطي. على هذا الأساس سعينا من خلال الحوار المطول الآتي مع د. نور الدين السافي إلى مساءلة المعاني التي تنطوي عليها الآية 46 من سورة الأنفال “ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم” والآية 32 من سورة الروم “ولا تكونوا من الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعا”، لنخلص إلى تسليط الضوء على ما يحمله مفهوم التوحيد في الإسلام من جدل نحو علاقة تناظر أو تباين بين التعددية العقائدية والتعدد السياسي.
فيما يتعلق بالنفي عن التنازع في السورة 46 من سورة الأنفال نستفسر حول حدود ذلك الصراع وحقيقة إلغاءه للخلاف. يجيب د. السافي: “يمكن اعتبار العلاقة بين النهي القرآني عن التنازع في سورة الأنفال وبين التعددية السياسية الحديثة مدخلا لتفكيك المفهومين لغة ومعنى. ويكون ذلك من خلال إعادة التفكير في الفارق الدقيق بين دلالة لفظ “التنازع” ودلالة لفظ “الاختلاف” في المعجم القرآني والاستعمال اللغوي العربي.
فجذر “ن-ز-ع” يحمل في أصله معنى السّحب بقوة والاقتلاع بالغلبة. وعندما يأتي على وزن المفاعلة “تنازع” فإنه يجسّد حالة من الصراع الحاد والمغالبة الشديدة التي سعى فيها كل طرف إلى سلب إرادة الآخر وإلغاء وجوده، ممّا يؤدي حتما إلى الفشل الحضاري والميداني وفقدان الهيبة والقوة المعبّر عنه بذهاب الريح. في المقابل، نجد أن القرآن الكريم يقدّم “الاختلاف” باعتباره سنّة كونية وفطرة إنسانية أصيلة تمّ إقرارها في آيات متعدّدة كشكل من أشكالا التنوع البشري الذي لا يحمل في ذاته دلالة التدمير الذاتي، نفهم من هذا ان التنازع ليس الاختلاف، لأنه يعبّر عن وضع متأزّم يتجاوز التباين الفكري ليصل إلى الشقاق الذي يهدّد كيان الأمة واستقرارها. وهنا يمكن أن نسأل عن سبب هذه الأزمة المفضية إلى النزاع أو التنازع.
يكون النّزاع غالبا عندما يجتمع فريقان. ونقول فريقان لبيان الفرقة بينهما وعدم وجود أيّ نقطة التقاء بينهما. ويتكمل وجود الفريقين عندما تتمسّك كلّ جهة بوضعها فكرا وممارسة ولا تعترف بإمكان وجود وضع آخر مغايرا فكرا وممارسة. وهذا التمسّك يولّد حالة من التعصّب والانغلاق اعتقادا بأنّ ما يحمله ويمثّله هو الحقّ الذي يجب أن يُتّبع والآخرين على خطأ أو ضلال أو خطأ لا يمكن قبوله بأيّ وجه من الوجوه. فعندما تظهر هذه الحالات في مجتمع ينقسم إلى فرق فيشتدّ الصراع بينها وسرعان ما يبلغ الصراع منتهاه فيتحوّل بالضرورة إلى نزاع شديد. وكلّما قوي التعصّب والانغلاق غاب الاعتراف بالآخر وحقّه في الاختلاف فيقع الجميع في التّنازع والتقاتل الذي لا فضي في الأخير إلا إلى تفكّك الجميع واندحارهم وسقوطهم وبتعبير القرآن يذهب ريحهم فلا يعود لوجودهم أيّ مظهر من مظاهر القوّة. إنها حالة الانتحار الجماعي. ننتهي إذن إلى القول بأنه كلما غاب الاعتراف بالاختلاف قوي التنازع وضاعت القوّة وتلاشت.
ويتأكد هذا المعنى إذن عند قراءة النص القرآني في سياقه الميداني ومحيطه اللفظي، إذ نزلت الآية الكريمة بعد غزوة بدر مباشرة لتضع دستورا حاسما لإدارة المواجهات العسكرية والأمنية المصيرية التي تحتاج إلى وحدة القيادة والصف، ومن ثمّ فإن المقصد الخاص المباشر يتجه إلى منع التضارب والتصارع أثناء إدارة المعركة لما يترتب عليه من انكسار عسكري فوري أمام العدو.
غير أن الاتساع الدلالي للفظ يمنح الآية مقصدا عاما يتجاوز جغرافية المعركة ليتحوّل إلى قاعدة استراتيجية تحذّر من أيّ شقاق داخلي يؤدّي إلى شلل الإرادة الجماعية وعجز المجتمع عن تحقيق غاياته الكبرى، ولكنّ هذا التعميم المقاصدي يبقي حظره موجّها نحو الآثار المدمّرة للتصادم، ولا يمتدّ بالضرورة إلى التنوع الفكري والخيارات السياسية المتعددة ما لم تتحول إلى صراع ينقض أصول الاجتماع السياسي.
وإذا كانت الفضيلة تتوسّط رذيلتين كما قال الفلاسفة القدامى فإن التنوّع والاختلاف وسط أين فضيلة بين رذيلتي التشرذم والتمزّق والواحديّة الرّافضة لأيّ تنوّع. فالمبالغة في التنوّع يؤدّي إلى التفرقة حيث يغيب أيّ نوع من أنواع اللقاء بين الفرق. ولهذا سُميت فرقا. وإقصاء التنوّع يُفضي إلى القول الواحد والوجهة الواحدة فيغيب الثراء ويموت التفكير.
وإذا كان الوضع في حال استبداد القول الواحد يفضي إلى قتل التفكير والتبعيّة الكلية وانسحاب الجميع خوفا من بطش الطاغية المستبدّ فإنه في الحالة الأخرى يتفرّق المجتمع إلى جماعات لا يجمعها أي شيء ولا يوجد بينهما أيّ رابط. وكلّ فرقة ترى نفسها على صواب ولا تعترف بالرأي الآخر فتستبدّ وتقاتل كلّ رأي مغاير. وفي الحالتين يسقط المجتمع في حالة تدمير ذاتيّ. فالحلّ يكمن في استرجاع السنّة الكونية وقانون الوجود الإنساني أي الاعتراف بحقّ الاختلاف لأن الاختلاف يملك القدرة على الجمع بين جميع الأطراف. لأن في الاعتراف يوجد عنصر الجمع والتنوّع المفضي إلى الثراء والقوّة,
وعند فحص التعددية السياسية الحديثة من هذا المنظور المقاصدي واللساني، يتّضح أنها ليست مأسسة للتنازع العبثي أو إقرارا للتشرذم. إنها على العكس من ذلك آلية أسلوبية وهيكلية هدفها الأول تنظيم الاختلاف الطبيعي ومنع استحالته إلى تنازع مدمّر. فالأنظمة التعددية القائمة على دولة القانون والمؤسّسات تضع قواعد إجرائية تحول دون انزلاق القوى السياسية نحو العنف والمغالبة الشديدة، وتنقل التباين في الرؤى والبرامج من دائرة التصادم المسلّح إلى دائرة التداول السّلمي للسلطة والمنافسة الشرعيّة. ومن هذا المنطلق، لا تكون التعددية ناقضة لمقصد النصّ القرآني. إنها تلتقي معه في الغاية لأنّ قمع التنوّع ومصادرة الاختلاف هو الذي يقود غالبا إلى حشر القوى الاجتماعية في زوايا الحرج، وهذا يولّد الانفجارات الداخلية والتنازع العنيف الذي يذهب بريح المجتمعات ويؤدّي إلى فشلها.
وبناء على هذا التكامل التحليلي، فإنّ معيار الفصل بين الاختلاف المباح والتنازع المحظور يتمثّل في المآل والممارسة. وإذا خرجت المنافسة السياسية عن أطرها السلمية وأصبحت وسيلة لتفتيت المجتمع، واستدعاء التدخلات الخارجية، وتعطيل مصالح الأمة الأساسية، فإنها تنزلق مباشرة لتصبح هي “التنازع” الذي حذّرت منه الآية صراحة. أمّا إذا ظلت التعددية وسيلة لإدارة التنوع الفكري والسياسي تحت مظلة الثوابت الجامعة وضمن أطر المؤسّسات الضامنة للاستقرار، فإنها تؤدي وظيفة وقائية تمنع قيام النزاع الهدّام، وتحقّق مقصد الدّين في حفظ قوّة المجتمع وتماسكه، ليكون الفارق حاسما بين صراع يؤدّي إلى الفشل وضياع المنعة، وبين تنظيم واعد يرتكز على عقلنة إدارة الاختلاف وحماية الكيان العام من التلاشي.”.
ولكن هل شرعنت تاريخيا الآية 32 من سورة الروم “ولا تكونوا من اللذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا” لتأصيل رفض التعدد السياسي. يرى د. السافي أن تحليلُ سورة الروم (الآية 32) يقود إلى الاستشهاد بأحد أكثر النصوص القرآنية حظوة بالاستدعاء في التاريخ السياسي والفقهي العربي؛ إذ شُكِّل منه موقف مفهوميٌ لرفض أيّ مظهر من مظاهر التّعدد أو الخروج عن القيادة المركزية تحت شعار “حفظ الجماعة ووحدة الصف”. ولتفكيك هذا التداخل الفكري ومعرفة ما إذا كان هذا الاستخدام يمثّل استيعابا أصيلا للخطاب القرآني أم توظيفا إسقاطيا فرضته سياقات السلطة والنزاع السجالي، ينبغي إجراء مراجعة لسانية وقرآنية واسترداد الدلالات التأسيسية للمفاهيم التي قامت عليها الآية.
ويضيف أنه من الممكن أن نشير أولا إلى أنّ هذه الآية يمكن أن نتناولها في سياق حديثنا السّابق حيث تناولنا أهميّة الاعتراف بالتنوّع والاختلاف والحذر من التشرذم والتنازع وضياع الرّيح. وانطلاقا مما وصلنا إليه في السؤال السّابق يمكن تنول هذه الآية أيضا لمزيد توضيح موقف القرآن من الاختلاف وتدقيقه.
مذكرا “أكّدنا سابقا أن التحليل اللساني لمفهوم “التفرُّق” في المادة اللغوية (ف-ر-ق) يؤكّد على معنى التباعد والشّقاق الذي يزيل وحدة الكيان ويفكّك اللّحمة الجامعة، غير أنّ هذا التفكيك المنهيّ عنه يأتي في الآية مقترنا بإسناد خاصّ ومحدّد صراحة في قوله تعالى: “فَرَّقُوا دِينَهُمْ””. ويتمم كالأتي “فالنهي هنا لا يتوجه إلى مطلق الاختلاف والاجتهاد في الفروع أو التنوّع في إدارة الشأن العام، وإنما ينصبّ على التجزئة التي تطال الأصل الجامع والأمر الإيماني الديني بالتخلّي عن أصوله الكلية لحساب الأهواء والتشتّت العقدي.
أما كلمة “شيَعا، المفردة من “شِيعَة”، فتعني لغويًا الفرقة التي تجتمع على أهوائها وتُشايِع قائدها أو مذهبها في تعصّبٍ يقطع أسباب التواصل مع البقية؛ ولهذا جاء الملمح اللساني البديع في ختام الآية الموالية “كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ” (الروم: 32) ليكشف الجوهر النفسي والاجتماعي لـ “التشيُّع” الهدّام، والمتمثل في النرجسية الفكرية والإغلاق المفهومي الذي يرى فيه كلّ فريق أنه حائز الحقيقة المطلقة وما دونه باطل مطلق. وفي هذا السّياق من الضّروري التنبيه إلى أمر حقيقيّ وفعليّ عرفه الفكر الدينيّ عند المسلمين عموما ويتمثّل في وقوعهم فيما نهت عنه الآية الكريمة.
وتجسّد ذلك في وقوع المجتمع الإسلامي في العقائد وافتراق المسلمين إلى فرق عقديّة عديدة وتشيّعت كلّ مجموعة إلى عقيدتها تنصرها وتعادي غيرها. وللنظر إلى هذه الظاهرة عن قرب نرى أن جميع الفرق وقعوا في فخّ معرفي واحد عندما تجاوزا صفة قرآنية استعملها القرآن لوصف المسلمين وهي “الذين أوتوا العلم والإيمان”. فخرج أصحاب العقائد من هذا الوصف القرآني لأنهم وجّهوا علمهم بالدّين وجهة غير محمودة: ألا وهي الاعتقاد في نتائج بحوثهم ونظرهم. والاعتقاد ينتج عن تفكير في مسألة والانتهاء إلى نتيجة يقرّها الناظر والباحث ويطمئن إليها فيوقف بحثه لأنه يعتبر نفسه قد وصل إلى اليقين النهائي المطلق. فيتوقف العلم والنظر وتصير المسألة الدينيّة التي كانت موضوع إيمان موضوع اعتقاد. فالعقيدة علم توقف توهما منه أنه بلغ اليقين المطلق فيه. ولأنه بلغ تلك الدرجة من اليقين وصار يعتقد في صدق ما وصل إليه فإنه يرى غيره المخالف منحرفا وضالاً، بل ويكفّره أيضا.
والنتيجة صراع أصحاب العقائد. والحال أن القرآن لا نجد فيه لفظ العقيدة وإنما نجده يستعمل لفظ الإيمان فغيّر أصحاب العقائد الكلمة ووضعوا مصطلحهم عوض اللفظ القرآني أي غيّروا كلمة إيمان بكلمة عقيدة. وغادروا العلم بإعلان توقفهم عن التفكير لأنهم اعتقدوا وهما انهم بلغوا اليقين النهائي. فالعارف لا يفكّر. وهم في هذا الموقف يخالفون القرآن الذي يقول: “وما أوتيتم من العلم إلا قليلا” ويقول وفوق كلّ ذي علم عليم” ويقول: “وقل ربي زدني علما”. وبهذه النتيجة يخرج أصحاب العقائد من وصف القرآن أي يخرجون من صفتي العلم والإيمان. فالإيمان يكون بالله والغيب واليوم الآخر وهي مسائل لا يمكن ان نعرفها وغنما نؤمن بها. والعلم نظر منهجي في المسائل الكونية والإنسانية القابلة للمعرفة دون أن يقول الإنسان عنها بأنه قد بلغ درجة اليقين المطلق. لأن العلم نظر مفتوح يصحّح اخطاءه باستمرار فتاريخ العلم تاريخ أخطائه. وهكذا تظهر قيمة هذه الآية الكريمة في الذين فرّقوا دينهم شيعا. وهو الذي حدث فعليا في تاريخ المسلمين إلى اليوم صراع العقائد والفرق وكتبهم تدلّ عليهم مثل الفرق بين الفرق للبغدادي ومقالات الإسلاميين للأشعري وغيرهما.
وعند سبر السياق القرآني والتركيبي للآية، نجد أنّها جاءت في معرض الحديث عن “الفطرة” و”الدين القيّم” وحظر الإشراك بالله، مما يجعل النهي متمحورا حول التشتت الدّيني الذي يُحوّل الدّين الواحد إلى أديان ومذاهب متطاحنة تُلغي مقصد التوحيد واستقامة الفطرة. إنّ الخطاب القرآني إذ يعيب التفريق، يعيب الانقسام الذي يمسّ عمق الإيمان والغايات الجامعة للأمة، ولا يتطرّق من قريب أو بعيد إلى التباين الإجرائي أو التعدّد التنفيذي في السياسة وإدارة مصالح الناس. بل إن القراءة المتفحّصة للكليات القرآنية تثبت أن التعدد في ذاته ليس مذموما، لأن المذموم حقّا هو التحزّب والتعصّب للفرقة والعقيدة التي تقوم على إقصاء فهم الآخرين. حيث يتحوّل الرّأي السياسي إلى عقيدة مغلقة تعادي كلّ المخالفين. وتمنح الآراء البشرية المتبدّلة صفة القداسة والإطلاقية التي لا تقبل المخالفة.
وهنا يتكشف الفرق بين الدلالة الأصلية للنص والتوظيف التاريخي اللاحق له؛ فقد شهدّ التاريخ السياسي الإسلامي ترجمة فعليّة لحكم العقائد المغلقة التي تنتصر لفكرتها وتأويلها متغافلة عن أفهام الاخرين وأفكارهم بسبب اليقين الذي نسبوه لمذهبهم وسلبوه من مذاهب غيرهم فتارة نجد سلطان المعتزلة ومحاكمة المخالفين مع المأمون مثلا. ونجد سلطان السلفية ومحاكمة المخالفين مع المتوكّل مثلا. وكلّ فرقة تزعم انها النّاجية وكلّ حزب بما لديهم فرحون. فصار السّلطان السّياسي وقتها قائما على أساس الفرقة الغالبة لأنه سلطان قائم على المذهب والعقيدة وليس على الإيمان والعلم. فعندما تحمل السّلطة عقيدة أو مذهبا تتحوّل إلى عنف مقنّن ومبرّر يجسّم نظرة عدائيّة إلى الآخر.
وبالتالي تفقد السلطة السياسية أهمّ صفة يجب ان تتصف بها وهي حيادها وخدمتها لشعبها وإدارة الشأن العام دون تمييز طبقي أو مذهبي أو دينيّ تنفيذا لفكرة المواطنة الحقيقية التي تشترط العدل والمساواة أمام القانون. فحكم العقائد والفرق والمذاهب يجسّم حكم الآية التي حذر منها القرآن المسلمين المؤمنين. لأنهم فرّقوا دينهم شيعا. وعوض أن يكون الدّين جامعا بنصّ القرآن صار الخروج عن القرآن سببا في تمزيق الدّين وتمزيق الأمة والسقوط في التناحر والتقاتل الذي أضعف شوكة المسلمين إلى اليوم. فنهي الآية من سورة النور: ” وَلَا تَكُونُوا مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا” صريحا وعدم التزام المسلمين بهذا النّهي جعلهم يصنعون بأيديهم أدوات فرقتهم. فصارت كلمة الفرقة العقدية تهمة تُلاحق أيّ تنوّع سياسي أو معارضة مدنية أو اجتهاد موالي لمصالح الناس، بحيث أُسبغت على الموقف السياسي الشخصي أو السلطوي صفة “الدين”، فصار الخروج عليه أو الاستشكال في قراراته بمثابة “تفريق للدين” وتكوين للـ “شيع”.
لقد أدّى هذا التوظيف التاريخي إلى دمج السياسات المتغيرة بالدين الثابت، ومصادرة المساحات الاجتهادية التي سمح بها الإسلام، واختزلت وحدة الأمة العريضة في الولاء المباشر للحاكم، واستعيض عن الحوار السياسي والمشاركة بتجريم المخالف ووصمه بـ “الشقاق”. وهذا يعني إن الدّين الذي حُكم المسلمين ليس الإسلام وأنّ نصّهم لم يكن القرآن وإنما هي أديان وضعيّة أسّستها برامج عقدية أغلقت باب العقل عن نفسها واصابها داء الكبر فعشقت حقيقتها ويقينها ولم تر في غيرها من الفرق إلا الضلال فحاربتها وقاومتها. فمحاكمة العلماء وحرق كتبهم وقتلهم أو صلبهم كان تجسيما لهذا الدين الوضعي الذي كتبوه بأيديهم. وهو ما عبّرت عنه الآية 79 من سورة البقرة ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾.
إن التعددية السياسية الحديثة حين تُفهم في إطارها الفلسفي والمؤسّسي الصحيح تُعتبر نقيضا تامّا لحالة “الشيع” التي حذّرت منها الآية الكريمة؛ ذلك أن “الشيعية” القاتلة تقوم على التعصب المغلق والادعاء بامتلاك الحقّ المطلق ورفض القواعد الجامعة ومحاربة الاختلاف. في حين تُبنى التعددية السياسية على نفي الاطلاقية وعقلنة الاختلاف عبر قواعد لعبة سلمية محدّدة. فالأحزاب والاتحادات في الدولة التعددية الحديثة لا تطرح أفكارها باعتبارها دينا يُعبد أو حقيقة مطبّقة، بل باعتبارها رؤى وبرامج خاضعة للتعديل والمنافسة والتداول، وتعمل تحت مظلة دستور وقانون يمثّلان الكليات الجامعة التي تحمي المجتمع من التفتت. وبناء على ذلك، فإن الشراكة السياسية المبنية على تنظيم الاختلاف تعصم الأمة من السقوط في “التشيّع” المذموم، إذ إن القمع السياسي والتضييق على التنوع هو الذي يدفع القوى والمجموعات حتما إلى الانغلاق وتكوين تنظيمات سريّة وتعصبية تمارس “التشيع” بمعناه القرآني الحقيقي، مما يهدّد وحدة المجتمع برمتها ويؤدّي إلى التفكّر والتشرذم الذي حذّر منه القرآن.”.
وعما إذا كان مكمن التوحيد متضمنا لعداء بنيوي للتعددية، يرى د. السافي أن مفهوم التوحيد لا يحمل في أصله الفلسفي والبنيوي داخل الإسلام عداء بنيويا للتعددية، مخالفا في ذلك ما عرفته بعض السياقات التاريخية التي جسّمها اللاّهوت المسيحي مثل الأرثوذكسيّة القيصرية أو المدارس الكلّيانية أو الشمولية الحديثة. ولبيان ذلك نحتاج إلى ممارسة منهج تحليليّ تفكيكيّ لسانيّ يمكّننا من النّظر العميق في بنية القرآن الكريم وفهم من خالفه من المسلمين والمسيحيين. فالقول بوحدانية الله قول أَصليّ وأَصيل في الإسلام. وهذه الوحدانيّة التي تنظر إلى الله بكونه فردا صمدا هي التي بيّن القرآن من خلالها أنّ ما سواه اختلاف وتنوّع وتعدّد. وهو ما ورد في سورة المائدة: الآية 48 ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾. وقوله في سورة هود: الآيتان 118-119:﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ*إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِك خَلَقَهُمْ…﴾.
ويتابع قائلا: “يُمثل الاستشهاد بهذه الشرائع اللفظية المتقاربة ركنا حصينا في الفلسفة القرآنية للاجتماع الإنساني، إذ يُخرج “التعدد” من دائرة الصدفة الطارئة أو الانحراف إلى دائرة “القصد الإلهي والغاية التكليفية”. فالآية تبدأ ب”لوشاء”. و”لو” في لسان العرب حرف امتناع لامتناع؛ أي امتناع الجواب لامتناع الشرط. فالآية تؤكد أن جعل البشرية “أمة واحدة” متطابقة المشرَب والشرعة والتوجّه أمر يدخل في مقدور القدرة المطلقة، لكنّ المشيئة الإلهية لحكمة الخلق امتنعت عن إيجاده.
ومن ثمّ، فإنّ أيّ محاولة بشرية أو سلطوية لصهر الناس قسرا في قالب فكري أو سياسي أو عقدي أحادي هي محاولة لمغالبة الإرادة التكوينية ولسُنّة الإله في خلقه. أي إن الاختلاف أصل خلقي، “وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِين” عبر استخدام الفعل المضارع الدال على الاستمرار والضرورة البنيوية، لتتوج هذا المفهوم: بقوله: “وَلِذَٰلِك خَلَقَهُمْ”، حيث الإشارة بأن الاختلاف من أصل الخلقة وفعل الإيجاد ولا يمكن تجاوزه أو محوه لأن ذلك فعل معارض للفطرة وان الحكم عن طبيعة هذا الاختلاف لا يكون إلا إلهيا يوم القيامة. فتجاوز الاختلاف ليس أمرا بشريا. لأن الأمر البشري لا يكون إلا من خلال الاختلاف وداخله. وأيّ فعل لتجاوزه سقوط في محاربة الفطرة والقهر والاستبداد. وبذلك يصبح الاختلاف مقتضى للحكمة من إيجاد الجنس البشري وتمييزه بالعقل والإرادة، وليس عيبا طارئا يجب محوه بالقوة والقهْر.
إنّ “وحدانية المعبود” تقابلها إذن “تعددية الوجود الاجتماعي والسياسي”. تتحدّد ثنائية التوحيد والتعددية في الفكر الإسلامي من خلال ثلاثة مستويات تحليلية: أوّلها الفارق المفهومي بين “التوحيد اللاهوتي” و”الواحدية السياسية” على خلاف ما عرفته الأرثوذكسية الكلاسيكية (ولا سيما البيزنطية أو الروسية التاريخية) التي بنت نظريتها السياسية على التماهي التام بين “الربّ الواحد”، و”الإمبراطور الواحد”، و“الكنيسة الواحدة” (مبدأ الانسجام)، حيث أُسقطت الوَحدانية العقائدية مباشرة على هيكل السّلطة الزمني، مما جعل أيّ خلاف سياسي أو مذهبي بمثابة “هرطقة” تخلّ بالحجم اللاهوتي للكون والمملكة.
أمّا التوحيد الإسلامي في جوهره البنيوي، فيقوم على فصل حاسم بين الخالق والمخلوق: فالله: هو “الأحد” و”الصمد” الواجب بالذات، والوحدانية صفة مطلقة ومحصورة فيه سبحانه (“لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ”). والعالم والبشر والتعدد والتنوع والإمكان صفات بنيوية ملازمة لخلق الله (“وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ”).
بناء على هذا الفصل، فإن محاولة فرض “الواحدية” أو “الإطلاقية” على البشر في مجالاتهم السياسية أو الفكرية تُعتبر فلسفيا تأليها للإنسان ومحاولة لاغتصاب صفة من صفات الذات الإلهية (التفرّد بالإطلاق). ومن ثمّ، فإن التوحيد في عمقه المعرفي يجرّد كلّ سلطة بشرية أو حزب أو حاكم من ادعاء التعبير المطلق عن الحقّ، ويجعل كلّ الأفكار والبرامج البشرية في مرتبة “النسبي” و”الاجتهادي” الخاضع للنقد والتعدّد.
وثانيا: دلالة “وحدة الأمة” في مقابل “التجميع القسري”. فقد يُستشكل امتداد التوحيد إلى مفهوم “وحدة الأمة السياسية” (“وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً”). غير أن التحليل اللساني والمقاصدي لمفهوم الأمة يوضّح أن الوحدة إطار حام للتنوع. ف”وحدة الأمة” في التجربة التأسيسية (كما تجسّدت في وثيقة المدينة) لم تكن إلغاء لعناصر البنية السكنية التي تقطن المدينة، بل كانت إطارا تحالفيا وقانونيا جامعا تعايشت فيه قبائل وأديان متعددة (مسلمون ويهود ومشركون) احتفظت كلّ جماعة منها بذاتيتها التشريعية والاجتماعية تحت مظلة الأمن العام والمواطنة السياسية.
والفرق بين المظلة والنمط: أن “وحدة الأمة” تعني وحدة المقاصد العليا والجامع الأخلاقي والاستقلالي (عدم التفكّك وحفظ القوة ومنع الاحتلال الداخلي والخارجي). بينما التعددية السياسية تقع في دائرة الوسائل والإدارات المتغيرة للوصول إلى تلك المقاصد. والسقوط في العداء للتعددية يحدث فقط عندما يُمارَس “خلط مفهومي” بين الوحدة الجامعة على مستوى الكليات وبين التنميط الشمولي على مستوى الأفكار والآليات. وثالثا في آليات الاشتغال أي كيف يُنتج التوحيد تعددا. فعلى خلاف الإسقاطات السياسية الاستبدادية التي وظفت مفهوم “الجمع” لقمع المخالفين، فإن بنية الفكر الفقهي والكلامي التي تأسست تحت ظل التوحيد أفرزت ظواهر تعدّدية أصيلة نذكر منها مشروعية الاختلاف وتعدّد المذاهب.
وفي هذا إقرار بأنّ النص المطلق يتعامل معه عقل بشري نسبي. وهذا يؤدّي ضرورة إلى نشوء التعددية الفقهية (الافتراق بين المذاهب، وقاعدة “كل مجتهد مصيب” أو “له أجر”)، بحيث لم تُفرض قراءة واحدة للشريعة كقانون أحادي إلاّ في فترات استبدادية طارئة. وفي هذا تأكيد على غياب المرجعية الثيوقراطية المطلقة. فلا يوجد في الإسلام مؤسّسة كنسية احتكارية تملك “حقّ الخلاص” أو تجسّد الإرادة الإلهية على الأرض؛ وبغياب الثيوقراطية، تصبح كلّ التيارات والاجتهادات السياسية اجتهادات إنسانية تتفاضل بالمصلحة والعدل. لكن وفي سياق علاقة السماء بالأرض نرى في الأرثودوكسية البيزنطية إسقاطا مباشرا لفكرة الربّ الواحد على القول بإمبراطور واحد وكنيسة واحدة. بينما في التوحيد الإسلامي نرى القول بتنزيه الخالق والقول بأنه ليس كمثله شيء والإقرار بالتعدّدية في الخلق والاجتماع البشري. وفي سياق موقع الحاكم والسلطة نرى أن الأرثوذكسية تقول بظل الله المطلق الناطق باسم الحقّ المباشر. بينما نرى في التوحيد الإسلامي قولا بوجود وكيل ونائب بشري تختاره الأمّة طوعا وليس كرها ويقيم دوره السياسي والاجتماعي اعتمادا على مبدأ الشورى. ويخضع للأمر بالمعروف والمحاسبة والاجتهاد النسبي.
وفي سياق النظر في طبيعة المخالف نرى أن الموقف الأرثوذكسي يقول بأنه هرطوقي يهدّد البنية اللاهوتية للملكة. بينما نرى في التوحيد الإسلامي بأن المخالف صاحب رأي ومذهب ويمارس حقّ الاجتهاد ويمارس حرّيته الطبيعية في نطاق المبادئ الكلّية للدولة والقرآن. ومن هنا نفهم أن التوحيد لا يحمل عداء بنيويا للتعددية السياسية؛ وإنما تنشأ حالة العداء حين يتمّ “توظيف” التوحيد إيديولوجيا من قبل أنظمة أو جماعات حصرية تقوم بـ سحب صفة الحاكمية والمقادير الإلهية المطلقة وتلبيسها لبرامجها الحزبية أو السلطوية البشرية، فيُتحول التوحيد من أداة لتحرير الإنسان من استعباد البشر إلى تسويغ استبداد الرأي الواحد تحت لافتة الدين. أي إن القرآن يقول بأن الله هو الحق وما سواه اختلاف وتدافع طبيعي بين البشر من اجل بناء أرضهم وإعمارها وسياسة شأنهم وتدبيرها. فالوحدانية الإلهية شرط مؤسّس للتنوّع البشري. وهذا لا يعني أن المسلمين طبقوا المعنى القرآني كما هو. فتاريخ الدول والخلافة والملوك قدّمت نماذج خرجت عن صراط القرآن ومنحت لنفسها قداسة فأشركت بالله اعتقادا عندما رآى السّلطان أو الملك أنّ من حقه ان يقول لشعبه لا أريكم إلا ما أرى. وأنه لا يُسأل عمّا يفعل وهُم (شعبه) يُسألون.”
لم ينص القرآن بشكل صريح دقيق على شكل نظام حكم بعينه أو ممارسة محددة للسلطة، فهل يمكن اعتبار هذا الغياب فراغا تشريعيا فرصة متاحة لتوسيع دائرة التأويل وتعدد التفاسير الفقهية بحيث يتجاوز التوظيف التاريخي الذي سعى إلى تكريس الاستبداد. هذا ما سيكون موضوع حوارنا القادم.