شكلت زيارة قداسة البابا لاوون الرابع عشر إلى فرنسا حدثاً تاريخياً، ففرنسا العلمانية زحفت لملاقاة رأس الكنيسة الكاثوليكية في مشهدية قل نظيرها، ففرنسا التي كانت تعرف بإبنة الكنيسة البكر في ما مضى لم تعد على هذه الصورة الإيمانية وذلك بحسب الكثيرين من المراقبين، إلا أن زيارة قداسته جاءت لتؤكد عكس ذلك، فما هي حكاية فرنسا إبنة الكنيسة البكر؟ يعود هذا اللقب إلى أواخر القرن الرابع ميلادي وتحديداً بين العامي 496 و 508 وهو يرمز إلى تاريخ عماد ملك الفرنجة كلوفيس الأول فهو كان أول ملك جرماني الأصل يعتنق الديانة المسيحية، وهكذا أصبحت فرنسا أول مملكة مسيحية في الغرب وقد منحتها الكنيسة امتيازات خاصة، وقد أسس كلوفيس تحالفاً متيناً بين مملكته وبين الكرسي الرسولي في روما.
إلا أن ذلك لم يدم طويلاً إذ سرعان ما تحولت فرنسا إلى دولة علمانية وقد بدأ ذلك في العام 1789 تاريخ الثورة الفرنسية التي قامت بإسم الحرية والمساواة والأخوة ” liberté égalité fraternité بعدة إصلاحات أهمها فصل السلطات وفصل الدين عن الدولة. وفي هذا التاريخ بدأت عملية إزالة حقوق وامتيازات رجال الدين ” le clergé ” وقد استكملت هذه العملية في العام 1801 بمعاهدة عرفت ب ” le concordat ” وقعها عن الكنيسة البابا بيوس السابع وعن الدولة الفرنسية نابوليون بونابرت، وفي العام 1905 تم إلغاء هذه المعاهدة وتم معها إلغاء كل الحقوق العائدة لرجال الدين، ودخلت فرنسا في النظام العلماني حيث تم فصل الدين عن الدولة بالكامل.
زيارة رعوية وسياسية
وبالرغم من الدعاية الصهيونية والماسونية التي كانت تقول بأن الكنائس أصبحت فارغة وأن الإيمان المسيحي الكاثوليكي بات إلى الزوال، جاءت زيارة الحبر الأعظم والزحف المليوني إلى العاصمة باريس والمشاركة الغير مألوفة للشباب الذي تجاوز عدده ال 80.000 شاركوا البابا في السهرة الروحية في ملعب فرنسا الكبير” stade de France “، وقد غصت الشان إليزيه بأكثر من 800.000 مؤمن شاركوا في القداس. وكان لافتاً أن حناجر الشباب كانت تصدح بالألحان الكنسية حيث طغت أغنية comment ne pas te louer seigneur على المارسييز النشيد الوطني الفرنسي.
من لورد إلى ميتز من الدين إلى السياسة
كان انتقال البابا من لورد الذي شارك فيها أكثر من 150.000 شخص إلى مركز روبير شومان الأوروبي بالقرب من ميتز، أكثر من رسالة سياسية حيث نادى قداسته الأوروبيين للإضطلاع بدور طليعي في صنع السلام وهذا الدور لا يمكن أن تلعبه إلا أوروبا المؤمنة بمبادىء العدالة والسلام. وهكذا عادت فرنسا لتكون الإبنة البكر للكنيسة.