هل سبق أن بحثت في جوجل عن منتج، ثم ظهر لك إعلان عنه مباشرة على شبكات التواصل الاجتماعي؟ أو تسوقت عبر إنستغرام وفيسبوك، فوجدت أمامك محتوى يبدو مصمماً بدقة على ذوقك واحتياجاتك؟ وراء هذه المصادفات الظاهرة منظومة هائلة من البيانات التي تجمعها شركات التكنولوجيا عن مستخدميها. وهذا ما يمكن تسميته ب«رأسمالية المراقبة»، وهو نظام اقتصادي جديد أصبحت فيه المعلومات الشخصية مادة أولية للتنبؤ بسلوك البشر، وتحولت هذه التنبؤات إلى سلعة تهدد، أسس الديمقراطية.
توصف رأسمالية المراقبة بأنها «المؤسسة الاقتصادية السائدة في عصرنا»، وهذا الأمر ليس مبالغة، بل تحول جذري في طبيعة الرأسمالية. ففي القرن الرقمي، أصبح النشاط الاقتصادي قائماً على تجارة السلوك البشري؛ إذ تُراقب أفعالنا، وتحوَّل إلى بيانات، ثم تستخدمها الشركات الكبرى لبناء نماذج تتنبأ بما سنفعله. وبعد ذلك تُباع هذه التوقعات إلى قطاعات مختلفة، من التأمين والصحة إلى التمويل والاستهلاك. وكلما ازدادت قدرة الشركات على تقليل عدم اليقين بشأن سلوكنا، ازدادت قدرتها على تحقيق الأرباح.
قد يبدو هذا كله مريحاً للمستخدم. فالموسيقى التي تقترحها سبوتيفاي، والأفلام التي تختارها نتفليكس، والمنتجات التي يعرضها أمازون، كلها خدمات تجعل الحياة أكثر سهولة. وليس هناك اعتراض على إنكار هذه المنافع؛ بل تكمن المشكلة، في أن المعرفة والبيانات التي تولدها هذه الخدمات لا تعود إلى أصحابها، وإنما تستولي عليها الشركات وتحوّلها إلى مصدر للقوة والربح.
وتكمن خطورة الأمر أيضاً في أن معظم هذه العمليات تجري بعيداً عن أعين المستخدمين. فالتنقيب عن البيانات والتنبؤ بالسلوك يتمان على نطاق هائل، بحيث يصبح من الصعب على الفرد أن يدرك حجم ما يُستخرج منه وما يُبنى عليه من استنتاجات. لذلك فالمطلوب ليس إلغاء التكنولوجيا أو حرمان الناس من الخدمات الرقمية، وإنما إخضاع هذه المنظومة لقواعد جديدة تضمن أن تكون البيانات والمعرفة الناتجة عنها في خدمة الأفراد والمجتمع والمؤسسات الديمقراطية، لا في خدمة مجموعة محدودة من الشركات.
ومن هنا نصل إلى جوهر المخاوف: إما أن نملك مجتمعاً ديمقراطياً، أو مجتمعاً قائماً على المراقبة؛ لا يمكن أن نملك الاثنين معاً. فرأسمالية المراقبة، لا تجمع البيانات فحسب، بل تنتزع من الإنسان جزءاً من قدرته على تقرير ما يُعرف عنه، وكيف يُحكم عليه، وما الذي ينبغي أن يبقى خاصاً به. ولهذا أدعوا إلى تقنين ما يمكن تسميه ب«الحقوق المعرفية»، أي تحويل حق الإنسان في التحكم في المعرفة المتعلقة به إلى حق قانوني يمكن الدفاع عنه.
وتزداد المشكلة وضوحاً حين ننتقل من الفرد إلى المجال العام. فقد أصبحت شركات مثل ميتا تسيطر على مساحات واسعة من التواصل الاجتماعي وتؤثر في المعلومات التي تصل إلى الجمهور. والخطر هنا أن منطق الربح قد يعمل في الاتجاه المعاكس للمصلحة العامة؛ فالمحتوى الأكثر إثارة واستفزازاً وغضباً يحقق تفاعلاً أكبر، والتفاعل يعني مزيداً من البيانات، ومزيداً من البيانات يعني توقعات أدق، ومن ثم أرباحاً أكبر. وهكذا قد تجد الخوارزميات نفسها تشجع المحتوى الأكثر تطرفاً لا لأنه الأفضل للمجتمع، بل لأنه الأكثر قدرة على جذب الانتباه.
ولا يتوقف الأمر عند تشكيل سلوك الأفراد. فهذه المنظومة تستطيع التأثير في السلوك الجماعي أيضاً: زيادة الغضب والاستقطاب، دفع الخطاب نحو الكراهية والتحريض، أو التأثير في الطريقة التي تتشكل بها المواقف العامة. ومثال ذلك بما حدث خلال جائحة كوفيد-19، حين انتشرت المعلومات المضللة على نطاق واسع، وما ارتبط بذلك من آثار خطيرة على حياة الناس.
لذلك فلو أتيح لي اتخاذ قرار واحد لتغيير هذا الواقع، فسأختار وقف الاستخلاص الضخم والصامت للبيانات الشخصية واعتباره غير قانوني. إذ لا يمكن بناء فضاء رقمي ديمقراطي على أساس قوة اقتصادية تستولي على السلوك الإنساني وتحوله إلى مادة تجارية من دون موافقة حقيقية من أصحابه.
المسألة، في النهاية، ليست في أن التكنولوجيا أصبحت جزءاً من حياتنا، ولا في أن الخدمات الرقمية جعلتها أكثر سهولة. المسألة هي من يملك المعرفة التي تنتجها هذه الحياة الرقمية، ومن يملك القدرة على تحويلها إلى قوة. لقد دخلنا هذه الديستوبيا من دون أن نخطط لها، وربما من دون أن نلاحظ أننا دخلناها أصلاً. لكن استمرارها ليس قدراً محتوماً. فإذا كان القرن الرقمي قد بدأ على هذا النحو، فإن استعادته تظل ممكنة، شرط أن نستعيد أولاً حقنا في أن تكون حياتنا، وبياناتنا، ومعرفتنا، ملكاً لنا لا مادة خامة لسلطة الآخرين.