ما أشبه حياتنا بحياة المارد في القصص الخرافية؛ ذلك الكائن الضخم الذي يمتلك قوة هائلة، ومع ذلك نجده حبيس قمقم صغير، يكاد لا يتسع لعيش نملة! ولعل المفارقة ليست في قدرة المارد على العيش داخل ذلك الإناء، فهذا من نسج الخيال، وإنما في عجزه عن الخروج منه رغم ما يمتلكه من قوة وإمكانات. وما أشبه واقعنا اليوم بهذه الحكاية!
نحن أمة عظيمة بتاريخها وحضارتها، بما قدمته من علماء ومفكرين ومبدعين وقادة ومصلحين ومناضلين، وبما تمتلكه من إمكانات بشرية وطبيعية واقتصادية وموقع جغرافي وحضاري. ولا تكاد تخلو مناسبة أو خطبة أو خطاب من استحضار ذلك التاريخ، والتغني بالأمجاد والبطولات والإنجازات التي صنعها السابقون منا.
لكن السؤال الذي قلما نتوقف عنده: هل نستحضر تاريخنا لنتعلم منه ونبني عليه، أم لنضفي على حاضرنا شيئًا من الزينة، ونستر به حقيقة ما نعيشه من تراجع وانحدار؟
فالتاريخ، مهما كان مشرفًا، لا يعوض غياب الإنجاز في الحاضر، ولا يمنح الأجيال حق التباهي بما صنعه السابقون إن لم تمتلك القدرة على صناعة ما يليق بها وبمستقبلها. وما قيمة أن نتحدث عن العلماء والمبدعين إذا لم نوفر البيئة التي تنبت العلماء والمبدعين اليوم؟
وما قيمة أن نتغنى بالحرية والكرامة والعدل، بينما يعيش الإنسان في واقع تنتهك فيه حقوقه وكرامته، ويعاني أشكالًا مختلفة من الاستبداد والظلم والفقر والحرمان؟
وما قيمة أن نمتلك كل هذه الإمكانات إذا عجزنا عن توظيفها في بناء الإنسان والدولة والمجتمع؟
إننا نعيش، في مساحات واسعة من واقعنا العربي، مفارقة يصعب تجاهلها: تاريخ نستحضره باعتزاز، وإمكانات نتحدث عنها بفخر، وواقع معاش لا يعكس بالضرورة شيئًا من ذلك كله.
بل إن الأخطر أننا بدأنا نتكيف مع هذا الواقع، ونتعامل مع كثير من مظاهره وكأنها أمور طبيعية لا تستدعي الرفض أو الاعتراض أو العمل الجدي لتغييرها. نتعود على الأزمات، ونتكيف مع الحرمان، ونجد المبررات للعجز، ونبحث عن وسائل للتعايش مع ما يفترض أن نعمل على تغييره.
إنها الحياة في القمقم.
قمقم ليس بالضرورة جدرانًا من حديد، ولا سجنًا له أبواب وحراس، وإنما واقع تتداخل في تكوينه منظومات سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية، حتى يصبح الخروج منه أشبه بالمستحيل. وفي وطن نحبه ونعشق هواه، هو جزء من هذه الأمة وتاريخها ومصيرها، تبدو المفارقة أشد إيلامًا.
ننشِد للوطن، ونتغنى بوحدته وعزته وكرامته، ثم نعود إلى صراعاتنا وانقساماتنا، نكيد لبعضنا بعضًا، ونستقوي بعضنا على بعض، ونفتح الأبواب أمام من يتدخل في شؤوننا ويتحكم بمصائرنا. وكأننا نستنسخ في كل محطة حكاية قابيل وهابيل، فنستحضر أول صراع دموي بين الأخوين، لا لنتعظ منه، بل لنكرر مأساته بأشكال وأسماء وشعارات مختلفة. ثم نعود جميعًا لننشد للوطن والعلى والعلم!
فأي تناقض هذا بين ما نقوله وما نفعله، وبين ما نعلنه من انتماء وما نمارسه من سلوك؟
وأي وطن يمكن أن نبنيه إذا بقيت علاقاتنا محكومة بالتنازع والتخوين والاستقواء، بدل التعاون والتكامل والمشاركة؟
إن القمقم الذي نعيش فيه ليس مجرد نتيجة لظروف فرضت علينا، بل هو أيضًا حصيلة تراكمات في الفكر والسلوك والثقافة السياسية والاجتماعية، ساهمت في تكريسها سلطات وقوى ومصالح، كما ساهم في استمرارها قبولنا بها أو عجزنا عن تغييرها.
وهنا نعود إلى السؤال الأهم: هل الخروج من القمقم ممكن أم مستحيل؟
أعتقد أنه ممكن، بل إن الإمكانات اللازمة للخروج ليست غائبة، وإنما ينقصنا أن نحسن فهم أسباب بقائنا في الداخل، وأن نمتلك الوعي والإرادة والوسائل التي تمكننا من تجاوزها.
لكن الخروج لا يكون بمجرد الرغبة، ولا باستحضار أمجاد الماضي، ولا بالشعارات والخطب والوعود.
إنه يبدأ بتحرير العقل.
فالإنسان الذي لا يستطيع أن يفكر بحرية، وأن يسأل ويناقش وينتقد ويختار، لن يستطيع أن يصنع مستقبلًا مختلفًا، مهما بلغت الإمكانات المتاحة له. والعقل الذي يبقى أسير الخوف والتبعية والعصبيات والموروثات التي لا تقبل المراجعة، سيجد في جدران القمقم حدودًا لعالمه، وقد يصل به الأمر إلى اعتبارها حماية له بدل أن يدرك أنها تقيد حريته وقدرته على الانطلاق.
وأخطر ما في القمقم أن يعتاد الإنسان العيش داخله، حتى يفقد الرغبة في الخروج أو القدرة على تصور الحياة خارجه.
ولذلك فإن الوعي ليس ترفًا فكريًا، ولا مجرد معرفة نكتسبها من الكتب ووسائل الإعلام، بل هو القدرة على فهم الواقع وأسبابه، والتمييز بين الحق والمنّة، وبين الحرية والتبعية، وبين الانتماء والتعصب، وبين الدولة والسلطة، وبين المصلحة العامة والمصالح الفئوية.
لكن الوعي لا ينبت في الفراغ. ولكي تنبت بذوره، لا بد من تهيئة البيئة المناسبة لنموه.
بيئة تبدأ من الأسرة التي تسمح بالسؤال والحوار، ومن المدرسة التي تعلم التفكير بدل التلقين، ومن الجامعة التي تشجع البحث والنقد والإبداع، ومن الإعلام الذي ينير العقول بدل أن يستثمر في تضليلها وإثارة غرائزها. وتحتاج إلى ثقافة اجتماعية تحترم الاختلاف، وتحرر الإنسان من الخوف، وتغرس فيه روح التعاون والمشاركة والمسؤولية.
كما تحتاج إلى مشروع سياسي وطني يجعل الإنسان غايته، ويعمل على استكمال بناء الدولة ومؤسساتها، وإقامة نظام يقوم على المواطنة وسيادة القانون والعدالة واستقلال القضاء والحريات العامة والشخصية والمشاركة الديمقراطية الحقيقية.
فلا يمكن أن ينمو الوعي الحر نموًا سليمًا في بيئة تجعل الإنسان تابعًا لزعيم أو طائفة أو حزب، أو تربط حقوقه بحاجته إلى الحماية والواسطة والخدمة. ولا يمكن أن ننتظر قيام دولة حقيقية ما دامت القوى التي يفترض أن تعمل على بنائها تجد مصالحها في استمرار ضعفها.
إن تحرير العقل وبناء الدولة مساران متلازمان؛ فلا دولة مواطنة حقيقية من دون إنسان حر واعٍ، ولا يستطيع الوعي أن يتحول إلى قوة تغيير مستدامة من دون مؤسسات تحمي الحرية والحقوق وتتيح المشاركة والمحاسبة. وليس المقصود أن نقطع صلتنا بتاريخنا أو نتنكر لهويتنا وانتمائنا.
على العكس.
إن الاعتزاز بتاريخنا وعروبتنا وما قدمته أمتنا للحضارة الإنسانية ينبغي أن يكون دافعًا إلى العمل والإنجاز، لا ملاذًا نهرب إليه من مواجهة واقعنا.
فالأمم لا تحيا بما أنجزه أسلافها وحدهم، وإنما بما تستطيع أجيالها أن تضيفه إلى ذلك الإنجاز. ولا تكون عظمة الأمة في اتساع جغرافيتها أو وفرة ثرواتها أو كثرة شعاراتها، وإنما في قدرتها على صون كرامة الإنسان، وإطلاق طاقاته، وتوظيف إمكاناتها في العلم والإنتاج والعدل والحرية والتقدم.
ونحن اليوم أمام عالم يتغير بسرعة مذهلة، تتسع فيه آفاق العلم والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وتتغير معه مفاهيم العمل والإنتاج والمعرفة والحياة.
فهل نبقى أسرى قمقمنا، نراقب الآخرين وهم يصنعون المستقبل، ونكتفي باستحضار ما صنعه أسلافنا في الماضي؟
أم نمتلك الشجاعة لنخرج إلى فضاء العلم والتطور والإبداع، ونكون شركاء في صناعة المستقبل لا مجرد مستهلكين لما ينتجه الآخرون؟ والأهم، هل نريد مستقبلًا يكون فيه الإنسان غاية التطور، أم مجرد رقم في حسابات السلطة والاقتصاد والتكنولوجيا؟
فالخروج من القمقم لا يعني الانتقال من تخلف تقني إلى تقدم تقني فحسب، ولا استبدال الإنسان الطبيعي بشبيه اصطناعي، ولا تحويله إلى سلعة تقاس قيمتها بما تنتجه أو تستهلكه.
إنه الخروج إلى عالم يكون فيه العلم في خدمة الإنسان، والاقتصاد في خدمة المجتمع، والدولة في خدمة المواطن، والتكنولوجيا وسيلة للارتقاء بالحياة لا لإلغاء إنسانيتها. ولذلك فإن الطريق، وإن بدا طويلًا وصعبًا، ليس مستحيلًا.
المستحيل الحقيقي أن نمتلك كل هذه الطاقات والإمكانات، ثم نقتنع بأن لا سبيل إلى تغيير واقعنا. وأن نستمر في انتظار مارد يخرج من القمقم ليحقق لنا ما عجزنا عن تحقيقه.
فنحن لسنا بحاجة إلى مارد من عالم الخرافة، بل إلى تحرير الإنسان الحقيقي من القيود التي تكبل عقله وإرادته، وإلى تحويل الوعي إلى عمل، والعمل إلى مشروع، والمشروع إلى واقع.
عندها فقط يصبح الخروج من القمقم ممكنًا.
ليس لأن جدرانه قد اختفت، بل لأننا امتلكنا الوعي والإرادة والقدرة على تجاوزها.
فالأمم لا تخرج من قمقمها بالتغني بعظمة ماضيها، وإنما حين تحرر عقول أبنائها، وتطلق طاقاتهم، وتمنح الإنسان مكانه الطبيعي بوصفه الغاية من كل تقدم وحضارة