صفقة الديزل.. المصالح الأمريكية تكتسح المصالح الأوروبية
منذ ساعتين
3 دقائق
22,904 مشاهدة
م. ميشال كلاغاصي
بالتزامن مع وصول وفود أوكرانية وأوروبية إلى ميامي لمناقشة سبل تقديم المزيد من المساعدة لأوكرانيا والضغط على روسيا، تم الإعلان عن إتصالٌ هاتفي استمر تسعون دقيقة بين الرئيسين ترامب وبوتين، وكان كافياً لفوز روسيا بتخفيف العقوبات الأمريكية عن كاهلها، دون تقديمها أي إلتزاماتٍ حقيقية في جدالات وعروض وبازارات السلام في أوكرانيا.
بشكلٍ مفاجئ تم الإعلان عن إتفاق بين ترامب وبوتين لضخ ملايين الأطنان من الديزل الروسي، الأمر الذي شكل تحولاً دراماتيكياً في مشهد الطاقة والسياسة الدولية، مما فجّر مواجهة علنية حادة مع الاتحاد الأوروبي ممثلاً بزعيمة الدبلوماسية الخارجية كايا كالاس، تعكس تضارباً عميقاً في الأولويات بين واشنطن وبروكسل، حيث تُقايض أمريكا الضغط الجيوسياسي بالمكاسب الاقتصادية الداخلية، بينما يرى الأوروبيون في ذلك تهديداً مباشراً لأمنهم وجودياً.
بالنسبة للولايات المتحدة، فلديها اليوم دوافع وحسابات انتخابية، بالإضافة إلى الضغوط الداخلية.. إذ يواجه ترامب ضغوطاً سياسية هائلة مع الارتفاع القياسي لأسعار الديزل (التي تجاوزت 6.20 دولاراً للغالون) نتيجة اضطرابات مضيق هرمز والحرب في الشرق الأوسط، ويمثل الديزل العصب الحيوي للمزارعين، مربي الماشية، وسائقي الشاحنات في أمريكا.
كذلك الأمر بالنسبة لإنتخابات التجديد النصفي للكونغرس، التي بات موعدها يطرق الأبواب، ما يجعل الديمقراطيون لا يفوتون فرصة استغلال غضب الشارع الأمريكي من ارتفاع معدلات التضخم، في وقتٍ يجد فيه ترامب نفسه مضطراً لإتخاذ “خطوات استثنائية” لخفض الأسعار بسرعة لحماية حزبه الجمهوري من الهزيمة الانتخابية.
وإذ تواجه إدارة ترامب الصعاب الداخلية المختلفة، تحاول التصرف بواقعية ومن خلال البراغماتية الإقتصادية، وقد علّقت وزارة الخزانة الأمريكية العقوبات على الديزل الروسي بشكلٍ مؤقت، ووافقت على السماح الفوري بتدفق أكثر من 4.8 مليون طن من المادة، مفضلةً الإستقرار الإقتصادي الداخلي على استمرار الحظر الكامل.
أما بالنسبة لروسيا، فقد وجدت في الاتفاق مع ترامب فرصةً ذهبية لإختراق جدار العزلة والتمويل، وضخ منتجاتها البترولية مباشرةً في الأسواق العالمية والحصول على عوائد مالية ضخمة بالعملة الصعبة.
ومن جهةٍ أخرى، يمكن تسجيل هذا الاتفاق كوثيقة نجاح للرئيس بوتين، بإحداث الشرخ داخل المعسكر الغربي، عبر توظيف ورقة الطاقة لإحداث الإنقسام العلني بين الحلفاء الأطلسيين الأمريكيين والأوروبيين، وتكون بموجب الاتفاق قد فازت بتخفيف العقوبات دون تقديم أي إلتزاماتٍ حقيقية في جدالات وعروض وبازارات السلام في أوكرانيا.
لكن الأمر بالنسبة للأوروبيين لم يكن ليسير وفق ما يتمناه الفريق الأوروبي مجتمعاً، إذ أكد رئيس وزراء جورجيا، أن إبرام “اتفاقية الديزل” بين الولايات المتحدة وروسيا يؤكد صحة مسار جورجيا في التخلي عن العقوبات المناهضة لروسيا، ورغم ذلك اشتعل الغضب الأوروبي، وانفجر غضباً وانتفاضةً تزعمتها مسؤولة الدبلوماسية الخارجية للاتحاد الأوروبي كايا كالاس، التي شنت هجوماً عنيفاً لاذعاً على الإتفاق، واعتبرت أن “الوقت ليس مناسباً لتخفيف الضغط” على روسيا، وأن تسييل الديزل الروسي يمنح الكرملين الإيرادات اللازمة لمواصلة قصف المدن الأوكرانية، وتوعدت كالاس بإقرار أكبر حزمة عقوبات أوروبية ضد روسيا، تشمل إضافة قرابة 1,600 فرد وكيان إلى القائمة السوداء، لتأكيد أن “أوروبا لن تسير خلف الخطوة الأمريكية التخفيفية”، إذ يرى الأوروبيون أن روسيا تكثف ضرباتها وعملياتها السيبرانية والهجينة ضد دول الإتحاد وحلف الناتو، وبالتالي فإن مكافأتها بصفقات طاقة تعد خطراً أمنياً مباشراً عليهم.
لكن المتحدثة بإسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا، أبت ألاّ ترد على انتقادات كالاس للولايات المتحدة حول رفع العقوبات عن الديزل الروسي، بمثل شعبي بالقول: “تتعفن الأسماك بدأ من رؤوسها”.
لا يمكن تجاهل ما فازت به روسيا من خلال الاتفاق، ورصد مفاعيله ونتائجه وتداعياته الجيوسياسية والإقتصادية المتوقعة، ولم يعد إنكار حالة التصدع الواضحة في وحدة الموقف الغربي تجاه روسيا تصرفاً ذكياً، في وقتٍ تتحرك فيه واشنطن ببراغماتية تجارية بينما تتمسك بروكسل بذريعة وضرورات التشدد الأمني.
وفي ذات الوقت، جاء وقع الاتفاق كالصاعقة في أروقة حكومة كييف، وانتابها شعورٌ عارم بالخذلان وخيبة الأمل، حيث اعتبر زيلينسكي الصفقة “هدية مجانية لبوتين”، وضربةً قاضية مبكرة أدت إلى انهيار المحادثات الدبلوماسية الأوكرانية في أمريكا احتجاجاً على الاتفاق، خصوصاً وأن الاتفاق يأتي بعد تصريحات لافتة للرئيس ترامب حول “ضرورة استبدال زيلينسكي الذي رفض عدة فرص لحل النزاع ، وبات يضر بمصالح دول أخرى، بما في ذلك المزارعين الأمريكيين، واستمراره في مهاجمة مصافي النفط الروسية، رغم تحذير ترامب للأوكرانيين من مغبة مهاجمة منشاّت الديزل، وحيث أشاد كيريل ديميترييف، الممثل الإقتصادي الخاص للرئيس بوتين بتصريح ترامب وصف الحاجة إلى تغيير القيادة في أوكرانيا بأنه “هام وتاريخي” ، كذلك نشر على حسابه في وسائل التواصل الاجتماعي، صورة غلاف مجلة تايم الذي يظهر صورة زيلينسكي، وأضاف كيريل تعليقاً عليها “انتهت اللعبة”.
بالنسبة إلى طبيعة الاتفاق، وبحسب بعض وسائل الإعلام، وما يخرج عن خبراء سوق الطاقة العالمي، فقد بدأ الحديث عن شكوكٍ حقيقية حول قدرة الصفقة على خفض الأسعار بشكل مستدام، نظراً لأن الكميات الروسية قد لا تغطي سوى أيام قليلة من الإستهلاك، فضلاً عن تضرر المصافي الروسية من الضربات الأوكرانية السابقة، لكن نص الاتفاق يؤكد وأن رفع الحظر عن صادرات الديزل الروسية، وبدء تزويد الأسواق الأمريكية والعالمية الفوري بأكثر من 300 ألف طن من الديزل، و500 ألف طن في نوفمبر/تشرين الثاني، تليها مرحلة ضخ مليون طن، ثم بتوريد 3 ملايين طن إضافية في غضون فترة وجيزة ترتبط بمدى جاهزية وقدرة مصافي التكرير الروسية.
وبالتزامن مع هذا الاتفاق، أصدرت وزارة الخزانة الأمريكية ترخيصاً مؤقتاً يمتد حتى أبريل 2027 للسماح ببدء تدفق الديزل الروسي، وذلك في محاولة لكبح الارتفاع القياسي في أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة.
ورغم المخاوف والقلق والشكوك التي أحاطت الاتفاق، لكنه في حقيقة الأمر كشف اللثام عن أزمةٍ كبرى في واشنطن، تربط بين “أمن الطاقة والمصالح السياسية المحلية”، بما يكفي لإظهار مدى تفوقها على “المبادئ الجيوسياسية المشتركة” مع الحلفاء، وفي حين يرى ترامب في الديزل الروسي يمثل طوق نجاة لأسواق بلاده ولحزبه قبل مرحلة صناديق الإقتراع، وتراه كايا كالاس وأوروبا وقوداً إضافياً لآلة الحرب الروسية التي تهدد حدودهم الشرقية.