تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

اخر الاخبار
مقالات رأي

إفشال سعي المحور الإيراني الحوثي إلى فرض معادلة حصار بحري

إفشال سعي المحور الإيراني الحوثي إلى فرض معادلة حصار بحري

د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب *

تصادمت إيران مع النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة منذ الثورة الخمينية 1979 حتى 2001 عندما اتى النظام الدولي الأميركي ليجاور النظام الإقليمي الإيراني كان زلزالا أصاب الاقليم، وبشكل خاص بعد احتلال أمريكا العراق 2003، سقط نظام صدام حسين، فتغيرت موازين القوى في الإقليم، استثمرت إيران هذا التحول ضد السعودية، لتنشئ منظومة إقليمية استراتيجية ترتكز على الوكلاء أسمته بمحور المقاومة ووحدة الساحات، كانت تلك التسميات نقاط ضعف وليست نقاط قوة تورطت فيها إيران على المدى البعيد، فقط من أجل تمرير مشروعها إقليميا وبالفعل تم تمرير المشروع،  لكن دوليا سيكون هناك تحفظ على هذا المسمى، انضم الحوثيون نتيجة الثورات التي سميت بالربيع العربي إلى هذا المحور لاستكمال تطويق السعودية من جميع الجهات، أدى تدخل حزب الله في سوريا إلى انكشافه أمنيا وعسكريا وحتى عقائديا، تبين هذا الانكشاف خلال حرب الاسناد لغزة، عندها بدأت المواجهة لمحور المقاومة والدولة الراعية له.

حدثت زلازل سياسية في المنطقة في عام 1979 عندما أوتي بالخميني لمواجهة تمدد الاتحاد السوفيتي، وزلزال سياسي بعد احداث 11 سبتمبر، وزلزال سياسي نتيجة اتفاق تهدئة بين الرياض وطهران برعاية بكين في مارس 2023، أزعج الولايات المتحدة وقادها إلى ضرورة إبعاد بكين عن المنطقة التي تهيمن على موقع جيوستراتيجي ومخزون جيوطاقوي فكانت حرب غزة 2023 البجعة السوداء الحدث الذي ضرب أسس النظام القائم، فيه سقط الوكلاء وانتقلت الحرب إلى مركز ثقل الأصل إيران عام 2025 لمدة 12 يوما، وتوالت الحرب بعد ذلك وهي مستمرة حتى الآن.

تعد حماية مضيق باب المندب مصلحة دولية وإقليمية مشتركة نظرا لكونه شريانا رئيسيا لحركة التجارة العالمية وإمدادات الطاقة، وهو ممر حيوي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ومنه إلى قناة السويس وأوروبا وأمريكا.

تشهد ممرات البحر الأحمر تصعيدا عسكريا هو الأشد خطورة، حيث تتحرك جماعة الحوثي بدعم مباشر وميداني من الحرس الثوري الإيراني لفرض حصار بحري وتهديد الملاحة الدولية وإمدادات الطاقة العالمية.

تتداخل المصالح والتحركات العسكرية في هذه المواجهة عبر الدور الإيراني ومشاركة مستشارون من الحرس الثوري الإيراني ميدانيا لتوجيه المعارك ومساعدة الحوثيين في بسط السيطرة على مساحات واسعة من ساحل البحر الأحمر، وتستمر عمليات تهريب المعدات المتطورة، بما فيها أجزاء الطائرات المسيرة وصواريخ الدفاع الجوي، من إيران عبر البحر لدعم عمليات الحوثيين الهجومية.

هدف الحرس الثوري التهديد بحرب طويلة الأمد لتغيير جغرافية الصراع، وربطت تهديد باب المندب بهجمات أمريكا ضد بنيتها التحتية، شكلت هذه المواجهة تحديا لوجستيا كبيرا للجيش الأمريكي تفرض ضغوطا متزايدة لتقسيم الموارد العسكرية على جبهات متعددة، لكن لمواجهة هذا التحدي اللوجستي وهذه التهديدات المباشرة التي تمس أمن المنطقة، فعلت السعودية وتركيا وباكستان اتفاقية مكة للدفاع المشترك على غرار حلف الناتو والتي تتيح وضع القدرات العسكرية الباكستانية والتركية لحماية أمن واستقرار السعودية ضد أي تهديدات عابرة للحدود.

حصلت السعودية على دعم أوروبي إذ أعلنت قوى دولية مثل فرنسا إرسال أنظمة دفاعية وقوات لحماية الموانئ والمدن الساحلية الحيوية المطلة على البحر الأحمر مثل مدينة ينبع، بهدف إفشال سعي المحور الإيراني الحوثي إلى فرض معادلة حصار بحري تؤثر على إمدادات النفط العالمية، فيما تعمل الولايات المتحدة وحلفاؤها الاقليميون والدوليون على فرض معادلة ردع عسكري واقتصادي عالي الكلفة لمنع انهيار الملاحة في مضيق باب المندب والبحر الأحمر.

كما فعل الإيرانيون في مضيق هرمز كرر الحوثيون في باب المندب، تهديد الحوثيون في البحر الأحمر يشكل تحديا كبيرا للجيش الأمريكي، وبفرض حصار بحري على السعودية في البحر الأحمر قد يؤدي إلى توسيع نطاق حرب إيران بشكل كبير، ويفرض ضغوطا إضافية على الجيش الأمريكي الذي يركز بالفعل على وقف هجمات طهران في المنطقة.

أمريكا لا تود فتح جبهة ثانية في البحر الأحمر سيثقل كاهل القوات البحرية الأمريكية، لكن يواجه الحوثيون تحديات في الحصول على الإمدادات نظرا للحصار المستمر المفروض على إيران الداعم الرئيسي للجماعة، رغم ان الحصار الأمريكي ليس فعالا بنسبة 100% لكنه فعال بدرجة كبيرة ونتيجة لذلك يواجه الحوثيون ضغوطا شديدة تعيق مواصلة حملتهم لفترة طويلة.

تولت السعودية للقضاء على الحوثيين لكسر حصار البحر الأحمر تشمل شن عملية على الساحل لتأمين ممر الملاحة في البحر الأحمر إلى جانب شن عمليات على جبهات متعددة، عبر انطلاق القوات اليمنية التي تشر فعليها السعودية ستقود العملية على الأرض بدعم من غارات جوية سعودية أتت بعد القضاء على مراكز القيادة وضرب مخازن الأسلحة.

اليوم تدعم الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي العملية التي تقودها السعودية لتأمين البحر الأحمر بعدما دخلت السعودية اليمن عام 2015 على رأس تحالف عربي لدعم الحكومة المعترف بها دوليا، التي طردها الحوثيون من صنعاء، واستمرت الهدنة التي أمكن الاتفاق عليها بين الأطراف المتحاربة عام 2022 إلى حد بعيد حتى هذا العام 2026 عندما شن الحوثيون هجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة على سفن وبنية تحتية نفطية سعودية في تداعيات الحرب مع إيران.

تقدم الولايات المتحدة دعما استخباراتيا ولوجستيا غير مباشر للعمليات العسكرية السعودية ضد الحوثيين في اليمن، ويتركز هذا الدعم على التخطيط وتحديد الأهداف دون مشاركة قتالية مباشرة، على عكس عام 2018 كان التعاون الأمني بين الولايات المتحدة والسعودية بتقييد الدعم العملياتي في اليمن، حيث تولى وزيرا الخارجية والدفاع الأميركيين مايك بومبيو وجيم ماتيس اقتراحا لاتخاذ سلسلة من الخطوات لإنهاء الأعمال العدائية في اليمن يقوم الحوثيون بوقف هجماتهم الحدودية والصاروخية، وقيام التحالف الذي تقوده السعودية بوقف غاراته الجوية الشديدة الخطورة مما يمهد امام محادثات السلام، لكنها فشلت الجولة كما فشلت الجولة الأولى في جنيف، فيما اليوم تقدم الولايات المتحدة دعما عسكريا للسعودية خلال الهجوم ضد الحوثيين باليمن لكسر حصار البحر الأحمر.

ترى الان الولايات المتحدة الحرب على الحوثيين جزءا مكملا لاستراتيجية أوسع تهدف إلى تقويض النفوذ الإقليمي لإيران وضعف شبكة وكلائها في المنطقة، ووزير خارجية أمريكا ماركو روبيو اعتبر الحوثيون عملاء لإيران، وتربطنا علاقة عسكرية دفاعية قوية مع السعودية، وقال سنفي بالتزاماتنا في اتفاقية الدفاع مع السعودية ووكلاء إيران يهددون أمن المنطقة، ويرى أن كل دول المنطقة تواجه تهديدا من وكلاء إيران، وترمب وصف العملية الجارية ضد الحوثيين في اليمن ستمضي بشكل جيد.

 حيث تنظر الولايات المتحدة وفق تقديرات مراكز البحث السياسي أن الولايات المتحدة تنظر إلى الحوثيين كامتداد عضوي وعسكري لسياسات إيران في الممرات المائية الحيوية، كما يرى محللون عسكريون أن ضرب البنى التحتية العسكرية للحوثيين يخفف من قدرة إيران على استخدامهم كأداة ضغط بحرية أو إقليمية ضد المصالح الأمريكية، وتؤكد التقارير الاستخباراتية أن شبكات التهريب وخطوط الإمداد اللوجستية والعسكرية بين إيران والحوثيين تجعل من استهداف الجماعة حلقة رئيسية في الضغط العسكري الشامل على طهران، رغم ان الحوثيين يحاولون إظهار قرارهم الميداني من أنه مرتبط بحسابات يمنية محلية وإقليمية خاصة، إلا ان الارتباط الاستراتيجي والعقائدي مع إيران يظل هو المحرك الأساسي لطبيعة التصعيد.

حاليا يعمل الوقت والنفط لصالح إيران، وتتحول الحرب إلى حرب استنزاف تريدها إيران، في هذا السيناريو يقع الضرر الأكبر على دول الخليج، بعدما سيطر الحوثيون على ميناء المخا وجزيرة ميون منح طهران نقطة خنق موازية ومثالية رفع أسعار النفط فوق 100 دولار للبرميل مما يضغط بشكل مباشر على الاقتصاد الغربي والداخلي الأمريكي، وهو تحريك وكيلها الإقليمي الحوثي لرفع التكلفة على واشنطن، انخراط الولايات المتحدة في استهداف الحوثيين أو محاولة كبحهم يستنزف مخزوناتها من الذخائر الذكية والصواريخ الاعتراضية الثمينة مثل صواريخ باتريوت في معارك غير حاسمة ضد جماعة أثبتت مرارا قدرتها على ترميم قدراتها العسكرية بسرعة وبتكلفة منخفضة جدا مقارنة بتكلفة الدفاع الأمريكي، لكن تحرير التحالف بقيادة السعودية والحكومة اليمنية وتحرير المخا وباب المندب يجعل إيران تخسر ورقة رابحة تقايض بها أمريكا، وبذلك تكون السعودية قدمت هدية ثمينة للعالم بتحرير باب المندب التي تمر عبره سلاسل الإمداد التجارية والنفطية إلى جميع أنحاء العالم، وبشكل خاص إلى أوروبا تساهم في خفض أسعار النفط.

 

* أستاذ الجغرافيا السياسية والاقتصادية بجامعة ام القرى سابقا

                [email protected]

 

 

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock