“مخاطر” ما بعد “اليونيفيل” مجرد “خواطر” لبنانية بحتة!؟
منذ ساعتين
3 دقائق
19,463 مشاهدة
ما واجهه سلام ورجي في نيويورك وواشنطن من رفض التمديد لـ “اليونيفيل” عزز المخاوف مما هو آت من أزمات ما زالت في بداياتها. ذلك اننا دفعنا وما زلنا ثمنا لتجاوزنا آلية تطبيق القرار 1701 كاملا.
الجمهورية – جورج شاهين
كلما تقلّصت الفترة الفاصلة عن نهاية ولاية “اليونيفيل” نهاية هذه السنة، إنفاذاً لقرار مجلس الأمن الدولي، تتقلّص الآمال بإمكان تعديله ولو لفترة وجيزة، وترتفع معها الهواجس لما يمكن أن يقود اليه الفراغ الأمني في منطقة محتلة. والدليل يكمن في فشل أي مسعى بُذل على أعلى المستويات.
فلا الحملة الديبلوماسية التي خاضها لبنان في أروقة الأمم المتحدة نهاية الشهر الماضي أنتجت شيئاً، ولا يُتوقع أن تأتي عريضة نيابية وقعّها ثلثا أعضاء المجلس بما أُريد منها. وعليه، ما هي الظروف التي تستدعي كل هذه المخاوف؟ لم يكن القرار 2790 الصادر في 27 آب 2025 الذي قضى بـ”تمديد ولاية قوة الأمم المتحدة الموقتة في لبنان (اليونيفيل) للمرّة الأخيرة حتى 31 كانون الأول 2026، وأن يبدأ خفض قوامها وانسحابها بنحو منظّم وآمن اعتباراً من ذلك التاريخ وفي غضون سنة واحدة”.
الإنذار الأول والأخير للبنانيين، للتنبّه إلى المخاطر المترتبة على خرق مجموعة القرارات الدولية، التي قالت بعدم وجود أي مسلح غير شرعي في جنوب نهر الليطاني وضبط الوضع في المنطقة وترك الحرّية لـ “اليونيفيل” لتقوم بمهمّات إلى جانب قوات الجيش اللبناني والقوى الأمنية الأخرى، بعدما فرض القرار 1701 منذ صدوره في 12 آب 2006 ترتيبات على هذه القوة والجيش اتخاذها. وقد حالت تصرفات المحازبين من بيئة “حزب الله” دون بعض الخطوات التي كان يمكن في حال اتخذت “كاملة” من حماية بعض القرى التي نسفت فيها قوات الاحتلال أنفاقا حفرت تحت منازلهم والمجمعات التجارية في أكثر من منطقة وقد حال ما عرف بـحزبي “الاهالي” و”النساء” دون اكتشافها في بعض القرى المدمرة اليوم بما حفر تحتها وما بني فوقها.
وإن كان القرار الأخير الذي أنهى مهمّة “اليونيفيل” جاء مكملاً للقرار الذي سبقه، والذي سمح للقوة الدولية بالتحرك بلا مواكبة الجيش اللبناني، قد سبق أن تمّ تعطيله بقوة الأمر الواقع وبغض نظر دولي رضخت له قيادة “اليونيفيل” في الجنوب. وإن كان القرار 2790 قد تجاوز هذه الأجواء غير الطبيعية التي كانت تعاني منها الوحدات الدولية، عندما أكّد مجدداً “التنفيذ الكامل للقرار 1701، وكرّر دعمه القوي للاحترام الكامل للخط الأزرق والوقف التام للأعمال العدائية إلى جانب إنهاء مهمتها”. كان ذلك قبل أن تتعطّل مفاعيله تلقائياً لمجرد إطلاق مسلسل حروب “الإسناد والإلهاء” التي كشفت انّ لبنان لم يلتزم يوماً بالقرار 1701، بعدما اكتشف حجم التسلح في قرى جنوب الليطاني وما حُفر من أنفاق وإنشاء مواقع عسكرية قريبة من الحدود مع فلسطين المحتلة.
وأمام هذه المعطيات التي تجدد البحث فيها من باب الخروقات اللبنانية للتفاهمات السابقة، قد دفعت بقوات الاحتلال إلى التوسع بعد الاحتفاظ بالنقاط الخمس بعد تفاهم 27 ت 2 2024 إلى التمدّد بعد حرب “أولي البأس” التي تلت اغتيال الأمينين العامين للحزب وقياداته العسكرية وعمليتي تفجير “البيجر” و”الووكي توكي” إلى شمال الليطاني، مع التهديد المباشر بإمكان التوسع إلى إقليم التفاح وجزين، ولا ضمان يحول دون احتلال البقاع الغربي أيضا إن تجدّدت الحرب ولم يلتزم لبنان بتنفيذ قرارات الحكومة التي اتُخذت ما بين 5 و7 آب 2025 و2 آذار و8 نيسان من السنة الجارية، لجمع السلاح غير الشرعي وحظر أي نشاط مسلح في كل لبنان، بعدما تلهّى اللبنانيون ما يكفي بالتفريق بين مناطق تقع جنوب الليطاني وما بين هذا النهر وشماله امتداداً إلى البقاع بمناطقه المختلفة.
لم يكن هذا العرض لمجرد تاريخ محطات فوّتها اللبنانيون، سوى للإضاءة على الصعوبة في البحث في أي مشروع قرار جديد للتمديد لقوات “اليونيفيل” ولو لأشهر معدودة، بعدما تلمّس رئيس الحكومة نواف سلام ووزير الخارجية يوسف رجي، العقبات الدولية التي واجهتهما في نيويورك على هامش أعمال الجمعية العمومية للأمم المتحدة، وفي واشنطن حيث عُقدت اللقاءات مع وزير الخارجية ماركو روبيو وقادة الكونغرس ووزارة الخزانة والأمن القومي وصندوق النقد الدولي، وفي الكونغرس، حيث سمعا كلاماً واضحاً بالدعوة الصريحة إلى إنهاء وجود أي فريق مسلح غير شرعي، قبل طلب أي خدمة أخرى مالية كانت أم ديبلوماسية وعسكرية .
وإلى هذه المصاعب التي تواجه رغبة اللبنانيين بالتمديد لـ”اليونيفيل”، فإنّ النظر إلى المخاوف التي تلي نهاية ولايتها باتت مشروعة، لا بل فهي تقض مضاجع المسؤولين العسكريين والسياسيين على حدّ سواء. وإن كان المثل العامي يقول عند البحث في مصير “السلاح غير الشرعي” أنّ “العين بصيرة واليد قصيرة”، فإنّ المجتمع الدولي لم يعد يستوعب هذا المثل ولا يقتنع به. لأنّ بعلمه أنّ الإجماع الحكومي بعد النيابي متوافر لتنفيذ قرارات مجلس الوزراء. وإنّ الحديث عن “رفض شيعي شامل” لم يعد ينطلي على هذا المجتمع.
فأكثرية الوزراء الشيعة صوّتوا إلى جانب القرار. وإن لم يُنفّذ فستكون ردّات الفعل الإقليمية والدولية باهتة، ولن تُقدم الدول والمؤسسات المانحة والمستثمرة على أي خطوة تتصل بإعادة إعمار ما تهدّم او الإقدام على أي خطط او برامج استثمارية، تستعد الحكومة لطرحها في مجالات إنتاج الطاقة والمياه وادارة المرافق الخدماتية الكبرى، التي عجزت الحكومات المتعاقبة عن مواجهتها منذ الأزمة المالية الكبرى التي عصفت بالبلد وما قبلها بقليل.
على هذه الخلفيات، تتوسع المراجع الديبلوماسية والسياسية في تعداد العقبات أمام التمديد لـ”اليونيفيل”، ولا تتردّد في تعداد محاولات اوروبية ودول عدة لمعالجة الفراغ المحتمل بعد انسحابها. وهي ولّدت اقتناعاً لا نقاش فيه، يقود إلى القول، إنّ دون أي خطوة من هذا النوع سيقابلها بون واسع من “الانتظار الثقيل”، حيث من المتوقع أن تتعاظم المخاوف وتتعمّق الأزمات التي يعيش اللبنانيون نماذج من بداياتها، مع ضرورة الاستعداد لمزيد مما هو أكثر خطورة منه.