تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

اخر الاخبار
منوعات

ماري سيليست: السفينة التي ابتلعت طاقمها بأكمله

محمد ناصر *

في الرابع من ديسمبر 1872، رصد طاقم السفينة البريطانية “داي غراتيا” (Dei Gratia) سفينة تجارية أمريكية تتهادى بشكل غريب وسط مياه المحيط الأطلسي، على بعد مئات الأميال البحرية شرق جزر الأزور. حين اقتربوا منها، أدركوا أنها سفينة “ماري سيليست” (Mary Celeste)، وأنها خالية تمامًا من أي روح بشرية.

طاقم محترف، ورحلة بدأت بشكل طبيعي

غادرت ماري سيليست ميناء نيويورك في 7 نوفمبر 1872، متجهة إلى مدينة جنوة في إيطاليا، محمّلة بـ1701 برميلًا من الكحول الصناعي. قادها الكابتن بنجامين سبونر بريغز، البحار المخضرم ذو السمعة الطيبة والمالك المشارك للسفينة، البالغ من العمر 37 عامًا. رافقه في الرحلة زوجته سارة، وابنتهما صوفيا البالغة عامين، وسبعة بحارة محترفين اختارهم بنفسه بعناية فائقة. تُرك ابنهما الآخر آرثر، سبع سنوات، في رعاية جدته بالولايات المتحدة.

قبل أيام من الإبحار، تناول الكابتن بريغز وزوجته العشاء مع الكابتن ديفيد موورهاوس، قائد سفينة داي غراتيا، التي أبحرت بدورها نحو أوروبا بعد أيام قليلة من ماري سيليست، وهي المصادفة التي جعلت موورهاوس أول من يعثر على السفينة لاحقًا تائهة بلا طاقم.

سفينة سليمة تمامًا، لكن بلا بشر

حين صعد بحارة داي غراتيا على متن ماري سيليست، لم يجدوا أي علامة على عنف أو صراع. كانت الأشرعة بعضها ممزقًا قليلًا وبعضها منصوبًا، وكانت المضخة معطلة جزئيًا، ووُجد نحو متر واحد من الماء في عنبر السفينة، كمية لم تكن خطيرة بما يكفي لإغراقها. الأغرب من ذلك: مؤن الطعام والماء كانت كافية لستة أشهر كاملة، ومتعلقات الطاقم الشخصية، بما فيها بعض الأموال والمجوهرات، بقيت كما هي دون أن يلمسها أحد.

كان قارب النجاة الوحيد مفقودًا، وكذلك أدوات الملاحة الأساسية (السدس والكرونومتر) وأوراق السفينة الرسمية، ما يوحي بأن من غادروا السفينة فعلوا ذلك بشكل مقصود ومنظم، لا هربًا مذعورًا.

فجوة زمنية محيّرة

آخر تسجيل في سجل قبطان السفينة يعود إلى 25 نوفمبر، يحدد موقعها قرب جزيرة سانتا ماريا في الأزور. لكن السفينة لم تُعثر عليها إلا بعد تسعة أيام كاملة، وعلى بُعد مئات الأميال الإضافية شرقًا، مسافة وزمن لا يتطابقان بسهولة مع سفينة تُركت تتجه بلا طاقم، ما أضاف طبقة أخرى من الغموض لم تُفسَّر حتى اليوم بشكل قاطع.

تحقيق جبل طارق، والشبهات التي لم تثبت

اصطحب طاقم داي غراتيا السفينة إلى جبل طارق للمطالبة بمكافأة الإنقاذ البحري. لكن المدعي العام هناك، فريدريك سولي-فلود، اشتبه فورًا في تورط طاقم داي غراتيا نفسه، واتهمهم ضمنًا بقتل بريغز وعائلته وطاقمه من أجل الحصول على المكافأة. استمر التحقيق أشهرًا، لكنه لم يُثبت أي دليل على هذه الاتهامات، ومُنح طاقم داي غراتيا في النهاية مكافأة أقل بكثير من المعتاد (حوالي خُمس قيمة الشحنة فقط)، انعكاسًا لشكوك المحكمة المستمرة رغم غياب الأدلة.

لم يُعثر على الكابتن بريغز أو عائلته أو أي من بحارته السبعة أبدًا، لا أحياء ولا جثثًا، لا في عرض البحر ولا على اليابسة.

كيف وُلدت الأسطورة المبالغ فيها؟

جزء كبير من “التفاصيل المرعبة” التي يرددها الناس اليوم عن ماري سيليست، كأكواب شاي لا تزال دافئة، ووجبة إفطار نصف مأكولة على الطاولة، ليست حقائق موثقة إطلاقًا، بل من نسج خيال الكاتب آرثر كونان دويل (مبتكر شخصية شيرلوك هولمز لاحقًا)، الذي نشر عام 1884 قصة قصيرة خيالية بعنوان “إفادة ج. هاباكوك جيفسون”، استلهمها بحرية من حادثة ماري سيليست الحقيقية، فاختلطت تفاصيله الخيالية بالرواية التاريخية في الذاكرة الشعبية حتى يومنا هذا.

التفسير الأقرب للمنطق

يرجّح كثير من المؤرخين البحريين اليوم تفسيرًا أقل دراماتيكية لكنه معقول: من المحتمل أن عطل أداة قياس عمق الماء في العنبر (Sounding Rod) أعطى قراءة خاطئة أوحت بأن السفينة تغرق، بينما تسربت في الوقت ذاته أبخرة من براميل الكحول الصناعي (عُثر لاحقًا على تسعة براميل فارغة من أصل 1701) قد تكون أثارت رائحة أو ضجيجًا مقلقًا داخل العنبر.

يُرجَّح أن الكابتن بريغز، خشية انفجار أو غرق وشيك، أمر الجميع بالصعود إلى قارب النجاة، مربوطًا بحبل إلى السفينة الأم بهدف البقاء قريبًا منها حتى يتأكد من سلامتها. لكن يُحتمل أن الحبل انقطع في عرض بحر مضطرب، تاركًا القارب الصغير يتوه بمن فيه، بينما واصلت السفينة الفارغة طفوها سليمة لتُكتشف لاحقًا.

نهاية مثيرة للسخرية

واصلت ماري سيليست الإبحار بعد الحادثة تحت ملاك جدد، لكنها حملت لاحقًا سمعة “السفينة المشؤومة” بين البحارة. في عام 1885، تعمّد أحد قباطنتها اللاحقين تحطيمها عمدًا على شعاب مرجانية قرب هايتي في محاولة احتيال تأميني فاشلة، نهاية غريبة لسفينة ارتبط اسمها أصلاً بواحد من أعظم ألغاز البحار التي لم تُحل حتى اليوم.

* كاتب محتوى ثنائي اللغة (عربي – إنجليزي)

linkedin.com/in/mohammed-naseer-1bb596412

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock