حيادٌ يبحث عن وطن: قراءة في مشروع فيليب سالم لإنقاذ لبنان من صراعات الشرق
الحياد الفاعل… محاولة أخيرة لإنقاذ لبنان
منذ 6 ساعات
دقيقة واحدة
بيروت – بيروت تايمز
يشكّل كتاب “فيليب سالم: لبنان والحياد الفاعل”، الواقع في 180 صفحة من القطع الكبير، إضافة فكرية بارزة إلى النقاش السياسي اللبناني في مرحلة تتسم بالانهيار الاقتصادي والمؤسساتي وتراجع دور الدولة. يقدّم الدكتور فيليب سالم في هذا العمل رؤية شاملة لمفهوم الحياد الفاعل بوصفه مشروعاً وطنياً لإنقاذ لبنان من دوامة الصراعات الإقليمية التي حوّلته إلى ساحة مفتوحة للحروب، ويطرح مقاربة تعتبر أن الحياد ليس انسحاباً من العالم ولا وقوفاً على الحياد السلبي، بل هو خيار استراتيجي يعيد للبنان دوره الطبيعي كجسر حضاري بين الشرق والغرب.
يرى سالم أن لبنان فقد الكثير من عناصر قوته التاريخية بسبب غياب الدولة وتراجع السيادة وتفكّك المؤسسات، وأن استعادة هذا الدور لا يمكن أن تتم إلا عبر مشروع حياد فاعل يحمي القرار الوطني من التدخلات الخارجية ويمنع استخدام الأراضي اللبنانية منصة لصراعات الآخرين. ويشدّد على أن الحياد الفاعل لا يمكن أن يتحقق من دون دولة قوية وقضاء مستقل ومؤسسات تعمل خارج منطق المحاور، معتبراً أن القضاء هو الركيزة الأساسية لإعادة بناء الثقة بين اللبنانيين والدولة.
ويقدّم الكتاب قراءة واسعة للواقع الإقليمي، مشيراً إلى تغيّر موازين القوى في الشرق الأوسط وتراجع نفوذ بعض الأنظمة وصعود أدوار جديدة للدول الخليجية، ما يفتح الباب أمام إمكانية أن يحظى مشروع الحياد بدعم دولي واسع شرط أن يكون قراراً لبنانياً داخلياً أولاً. ويعتبر سالم أن لبنان يمتلك تاريخاً وثقافة تؤهّله ليكون مساحة سلام في منطقة مضطربة، وأن تنوّعه الديني والفكري يشكّل قاعدة طبيعية لهذا الدور إذا ما توفرت الدولة القادرة على حماية هذا النموذج.
ويقدّم الكاتب أنور حرب في قراءته للكتاب توصيفاً لسالم بوصفه “رسول سلام” يحمل مشروعاً يتجاوز السياسة اليومية ويبحث عن وطنٍ يستعيد رسالته الأصلية، مؤكداً أن الحياد الفاعل هو الطريق الوحيد لإخراج لبنان من الانقسامات وإعادة وصل اللبنانيين ببعضهم وبالعالم. ويعيد الكتاب فتح النقاش حول هوية لبنان ودوره، ويطرح سؤالاً جوهرياً حول ما إذا كان اللبنانيون يريدون دولة حيادية فاعلة أم استمرار واقع الساحة المفتوحة للصراعات.
يمثّل هذا الكتاب محاولة فكرية جادة لإعادة تعريف لبنان في زمن الانهيار، ويقدّم طرحاً يذهب أبعد من السياسة التقليدية ليضع أمام اللبنانيين مشروعاً قابلاً للنقاش والتنفيذ، ويعيد التذكير بأن مستقبل لبنان لا يُبنى على الاصطفافات بل على دولة واحدة، حيادية، عادلة وقادرة، تستعيد مكانتها الطبيعية كمساحة للسلام لا ساحة للحروب.