لويس أبو شرف لـ بيروت تايمز: الدولة أولاً… ولا سيادة مع السلاح الخارج عنها
الدستور والقانون هما الأساس الذي يجب أن تنتظم عليه الحياة السياسية، وتُحفظ من خلاله حقوق الناس، وتُحاسَب السلطة"
منذ 8 ساعات
4 دقائق
بيروت – بيروت تايمز – حوار خاص من اعداد منى ابراهيم
المحامي والناشط السياسي لويس أبو شرف يعد واحداً من الوجوه القانونية والسياسية البارزة في المشهد السيادي اللبناني خلال السنوات الأخيرة، حيث استطاع أن يجمع بين الخبرة المهنية في القانون والخطاب الوطني الواضح الذي يدعو إلى قيام الدولة واستعادة مؤسساتها ودورها الكامل. برز حضوره من خلال مشاركاته الإعلامية المتكرّرة على الشاشات اللبنانية، مقدّماً مقاربات قانونية دقيقة وتحليلات سياسية ترتكز على مبادئ السيادة، الدستور، وحصرية السلاح بيد الدولة.
خاض أبو شرف تجربة سياسية مباشرة عبر ترشّحه للانتخابات النيابية في دائرة كسروان – جبيل، ضمن توجّه سيادي يسعى إلى تعزيز منطق الدولة ومواجهة مظاهر الدويلة والسلاح غير الشرعي. وقد وضعه هذا الترشّح في موقع متقدّم بين الشخصيات التي تعبّر عن خط سياسي إصلاحي، يطالب بتطبيق القانون، وتفعيل القضاء، وإعادة الاعتبار للمؤسسات الدستورية.
إلى جانب نشاطه السياسي، يتميّز أبو شرف بخلفيته القانونية الراسخة، حيث يشارك في النقاشات العامة حول استقلالية القضاء، الحوكمة، الدستور، والشفافية، ويُعرف بقدرته على الربط بين النصوص القانونية والواقع السياسيعنوان حاد وقوي: لويس أبو شرف لـ”بيروت تايمز”: الدولة ليست خياراً… بل قدر لبنان الوحيد
الاغتراب: ثروة لبنان الأكبر
يروي أبو شرف أن تجربته الشخصية صقلت علاقته بوطنه: “كغيري ناضلتُ في أيام الوصاية السورية ضد الاحتلال السوري، ثم سافرتُ وعملتُ سنواتٍ طويلة في الاغتراب، بين لندن والإمارات العربية المتحدة، في أبوظبي ودبي، وفي أربيل بالعراق. عرفتُ معنى الغربة، وعرفتُ قيمة بلدي، وزادتني هذه التجربة تجذّراً في أرضي وتعلّقاً بلبنان”.
ومن هذه التجربة خرج بعبارته المحببة: “أقول دائماً إن للبنان قلبين: قلباً ينبض في لبنان، وقلباً ينبض في الاغتراب”. ويرى أن الاغتراب اللبناني “من أكبر ثرواتنا، بطاقاته وخبراته ونجاحاته، وقبل كل شيء بتعلّقه ببلده”.
ويلاحظ أن اللبنانيين، أينما ذهبوا، يقيمون “لبنان صغيراً” في بلد إقامتهم: مطاعم لبنانية وإعلام لبناني وجلسات لبنانية وعلاقات تُبقيهم مرتبطين بجذورهم. بل إنهم أحياناً يتابعون السياسة اللبنانية أكثر من كثيرٍ من المقيمين، لأن “المسافة لا تقطع علاقتهم بلبنان، بل تزيدها قوة أحياناً”.
القطار على السكّة… لكنه أبطأ مما يحتاجه الناس
عن المرحلة الراهنة، يعتبر أبو شرف أنه “لأول مرة منذ زمن طويل يمكننا القول إن القطار وُضع على السكّة وإننا نسير في الاتجاه الصحيح”. لكنه يستدرك بأن التغيير “يستغرق وقتاً أطول مما توقعنا، وأبطأ مما يحتاجه البلد والناس”.
وفي تشخيصه، تكمن المشكلة الأساسية في “غياب الدولة عن ممارسة دورها الكامل”. والمطلوب بحسب رأيه أن “تتصرّف الدولة بجدّية على أنها دولة، فتتحمّل مسؤولياتها وتفرض سلطتها”.
ويعدّد عناصر الفرصة الاستثنائية: سقوط نظام الأسد، وتراجع نفوذ النظام الإيراني، وضعف حزب الله في لبنان، إلى جانب دعم خليجي وأوروبي وأميركي “نادر في تاريخنا الحديث”. ويضيف: “لدينا رئيس جمهورية سيادي، ورئيس حكومة سيادي، وحكومة بأكثرية سيادية. هذه فرصة تاريخية لا يجوز أن نضيّعها”. ويشدّد على أن المطلوب “أن تتحوّل إلى قرارات واضحة وخطوات ملموسة على الأرض، يحسّ بها المواطن في حياته اليومية”.
ما معنى الدولة؟ السيادة وحزب الله
يدعو أبو شرف إلى الوضوح في المفاهيم قبل المطالبة بالدولة: “حين نقول إننا نريد الدولة، علينا أن نكون واضحين في معناها”. فالدولة، كما يعرّفها، تقوم على إقليم محدّد برّاً وبحراً وجوّاً، وشعب، وسلطة سياسية ذات سيادة. ومن أهم مقتضيات السيادة أن “تحتكر الدولة وحدها القوة المسلحة وقرار استخدامها”.
وللسيادة في رأيه بُعدان: خارجي، أي استقلال قرار الدولة في علاقاتها مع الدول الأخرى، وداخلي، أي ألّا يكون هناك “شريك للدولة في فرض سلطتها، ولا سلاح خارج مؤسساتها، ولا جهة تقرّر الحرب والسلم عنها”.
وعن الحوار مع حزب الله، يقول: “للأسف، أثبتت التجربة أنه لم يؤدِّ إلى النتيجة المطلوبة”. فللدولة أن تحاور لتسهيل تنفيذ قراراتها، “لكن سيادتها يجب ألّا تكون موضوع مساومة ولا معلّقة على موافقة أي حزب. الدولة تقرّر ضمن الدستور والقانون وتنفّذ، والمطلوب من حزب الله أن يمتثل لقراراتها كأي جهة لبنانية أخرى”.
الطائفة الشيعية ليست حزب الله
يرى أبو شرف أن أبرز أدوات قوة حزب الله هي نفسها من نقاط ضعفه، إذ “يحتمي بطائفته ويحاول تقديم أي اعتراض عليه كأنه اعتراض على الطائفة الشيعية كلها”. لكنه يؤكد أن “الطائفة الشيعية ليست حزب الله”، فهي “جزء أساسي من لبنان، وفيها تنوّع وشخصيات ومفكّرون وأصوات وطنية، ولا يحق لأحد أن يختصرها أو يحتكر تمثيلها”.
ويستشهد بفكر الإمام موسى الصدر والإمام محمد مهدي شمس الدين، اللذين أكّدا الانتماء إلى لبنان والعيش المشترك والاندماج في الدولة، ويعدّ أن “مشروع حزب الله وممارساته يتناقضان مع هذا التوجّه”. ومن هنا يخلص إلى أن مواجهة هذا المشروع “يجب أن تنطلق من حماية الدولة وحقوق جميع اللبنانيين، ومن ضمنهم أبناء الطائفة الشيعية”.
القضاء: الفرصة الأخرى
يتوقف أبو شرف عند القضاء بوصفه فرصة ثانية لاستعادة ثقة الناس بالدولة: “هناك قضاة شرفاء وجريئون، وجيل من القضاة الشباب، نساءً ورجالاً، يدركون أن قراراتهم باتت تحت أنظار الرأي العام، وأن الناس سيقرأونها ويناقشونها ويفنّدونها”. ويرى إمكان البناء على دور الرئيس سهيل عبود وعلى القضاة أصحاب الإرادة في “استعادة هيبة القضاء وثقة الناس به”.
لكنه يربط هذه الفرصة بضمانات مؤسساتية: “المطلوب قانون فعلي لاستقلالية القضاء، يحمي القاضي من التدخّل السياسي ويكرّس المحاسبة والشفافية”. ويقول إن النقاش المستجدّ حول القانون، بعد ردّ المجلس الدستوري له، “يجب أن يصل إلى نص يضمن الاستقلالية في الممارسة”، لأنه “من دون قضاء مستقل لا قيام لدولة قادرة على حماية الحقوق وتطبيق القانون على الجميع”.
بعد “معراب 3”: من اللقاء إلى العمل المنظّم
عن لقاء “معراب 3″، يقول إنه أظهر “مساحة واسعة من القوى السيادية: القوات اللبنانية والكتائب والأحرار، إلى جانب شخصيات مستقلة لها وزنها، مثل النواب ميشال معوض والأستاذ فؤاد مخزومي واللواء أشرف ريفي والدكتور صالح المشنوق، وشخصيات شيعية سيادية مثل الأستاذ جاد الأخوي”.
ويدعو إلى البناء على هذا اللقاء وتطوير التنسيق بين هذه القوى “كي تتحوّل الإرادة المشتركة إلى عمل سياسي منظّم ومؤثّر”. ويحدّد الهدف بـ”توحيد الجهود حول مشروع الدولة، وإنهاء الوصاية الإيرانية على لبنان، واستعادة القرار اللبناني الحر”. ويرى أن ذلك يتطلب “وضوحاً في الأولويات، واستمرارية في العمل، وقدرة على جمع اللبنانيين حول مصلحة بلدهم”.
“لبنان يستحق أن نناضل من أجله”
يختم أبو شرف بنظرته إلى العمل السياسي، وهي نظرة المحامي: “لدي نظرة قانونية إلى الشأن السياسي. الدستور والقانون هما الأساس الذي يجب أن تنتظم عليه الحياة السياسية، وتُحفظ من خلاله حقوق الناس، وتُحاسَب السلطة”.
ويعود إلى ما بدأ به، حبّه لبلده: “أقول دائماً إن لدينا أجمل بلد في العالم، وإن علينا التمسّك به والعمل كي يستعيد مقوّمات الحياة الكريمة والاستقرار”. وهو يؤمن بأن “الله لا يترك لبنان، وأن عناية إلهية ترعى هذا البلد”، وهذا الإيمان يمنحه أملاً بمستقبل الوجود المسيحي في لبنان والشرق، وبدوره ورسالته.
لكنه يشترط أن يقترن الإيمان بالفعل: “يجب أن يدفعنا الإيمان إلى العمل وتحمّل المسؤولية. علينا أن نقوم بما علينا، وأن نواجه التحدّيات بثبات، وألّا نخاف من المستقبل. فلبنان يستحق أن نتمسّك به وأن نناضل من أجله”.