تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

اخر الاخبار
مقالات رأي

العالم ينتظر… ونحن نؤجّل الحياة!

رشيد ج. مينا

الضخ الإعلامي الهائل الذي نشهده في أيامنا هذه، هل هو في خدمة الحقيقة والمعرفة، أم أصبح وسيلة للتضليل وإبعاد الناس عن جوهر ما يجري حولهم؟

سؤال يفرض نفسه أمام هذا السيل المتدفق من الأخبار والتحليلات والتوقعات والتسريبات، حتى بات يصعب على الإنسان التمييز بين الخبر والتحليل، وبين الحقيقة وما يراد له أن يعتقد أنه الحقيقة، وبين الحدث نفسه والحدث الذي يصنعه الإعلام ويضخّمه حتى يحتل عقول الناس واهتماماتهم.

جعلوا العالم كله في حالة ترقب وانتظار لما ستؤول إليه الانتخابات في الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، وكأن مصير البشرية قد عُلّق على نتائج صناديق الاقتراع فيهما، وكأن الحياة توقفت عن الحركة إلى أن يُعرف من سيفوز ومن سيخسر، ومن سيحكم ومن سيغادر.

يا للمفارقة!

أمة صدّرت العلم والمعرفة، وحملت واحدة من أعظم الرسائل الإيمانية والحضارية في التاريخ، بما تمتلكه من إمكانيات بشرية وثروات وموقع جغرافي وتاريخ عريق، تقف اليوم في موقع المتفرج، لا تنتظر ما ستقرره شعوبها، ولا ما ستصنعه بإرادتها، بل ما ستقرره أمريكا وإسرائيل بشأن حاضرها ومستقبلها!

ولبنان، الذي يعيش تحت وطأة العدوان، والاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، وتُستباح فيه حياة الناس وأرزاقهم وأمنهم، يقف هو الآخر في طابور المنتظرين، كأن مصيره ليس شأنًا وطنيًا ينبغي أن يصنعه اللبنانيون بإرادتهم ومؤسسات دولتهم، بل نتيجة تنتظر ما ستسفر عنه حسابات الآخرين واستحقاقاتهم. وحتى لا نظلم السياسيين والمحللين والإعلاميين وحدهم، يبدو أن عدوى الانتظار قد وصلت إلى أحيائنا وبيوتنا!

فها هو جارنا أبو حسين، الذي كان قد وعد ولده بشراء دراجة هوائية، يؤجل تنفيذ الوعد إلى ما بعد الانتخابات الأمريكية والإسرائيلية، تحسبًا لما قد تحمله النتائج من مفاجآت! وجارتنا أم إبراهيم، التي كانت تستعد لدهان غرفة نومها، قررت هي الأخرى تأجيل المشروع إلى أن تتضح الصورة السياسية!

أما ابن صديقنا جوزيف، الذي كان ينوي زيارة جده في الجبل، فقد فضّل تأجيل الزيارة إلى ما بعد هذه الاستحقاقات المصيرية، لعل الطريق إلى بيت الجد يصبح أكثر وضوحًا بعد إعلان النتائج!

يا لسخرية القدر!

لقد أصبحنا ننتظر الآخرين حتى في تفاصيل حياتنا الصغيرة. ننتظر لنقرر، وننتظر لنعمل، وننتظر لنخطط، وننتظر لنعيش، وكأن الزمن الذي نملكه ليس زمننا، والحياة التي نعيشها ليست حياتنا. وليس المقصود التقليل من أهمية ما يجري في العالم، ولا إنكار تأثير القرارات الأمريكية والإسرائيلية في منطقتنا، بل السؤال الأهم:

كيف وصلنا إلى هذا المستوى من الارتهان، حيث تتحول متابعة الأحداث إلى انتظار دائم، ويتحول انتظار النتائج إلى بديل من امتلاك المبادرة؟ وهل وظيفة الإعلام أن يضع الحقائق أمام الناس، ويوسّع قدرتهم على الفهم والتحليل واتخاذ المواقف، أم أن يغرقهم في دوامة من التوقعات والتهويل، حتى تصبح الأحداث التي يصنعها الآخرون أكبر من قدرتهم على التفكير بما يستطيعون هم فعله؟

إن أخطر ما في هذا المشهد ليس أن نتابع انتخابات الآخرين، بل أن ننسى، ونحن نتابعها، حاجتنا إلى صناعة استحقاقاتنا نحن، وإلى بناء الدولة والمؤسسات والقدرة على القرار والفعل. فالأمم الحية تتابع ما يجري حولها لتعرف كيف تحمي مصالحها وتصنع مستقبلها، لا لتعلّق حياتها على ما يقرره الآخرون.

أما نحن، فقد بلغ بنا الانتظار حدًّا يستحق معه أن نسأل: هل ننتظر نتائج الانتخابات الأمريكية والإسرائيلية لنقرر مستقبل أوطاننا، أم ننتظرها أيضًا كي يشتري أبو حسين دراجة لولده، وتدهن أم إبراهيم غرفة نومها، ويزور حفيد جوزيف جدّه في الجبل؟ وإلى أن تتضح النتائج، يبدو أن علينا أن نؤجل الحياة… إلى إشعار آخر!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock