تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

اخر الاخبار
مقالات رأي

حين يعود نحميا إلى لبنان

ماذا لو عاد نَحَمْيَا اليوم إلى لبنان؟

مفيد خطّار

 نحميا، أحد الشخصيات الواردة في العهد القديم من الكتاب المقدّس، ارتبط اسمه بإعادة بناء أسوار أورشليم بعد خرابها.

ماذا لو وقف على سحابة تطل على لبنان، فرأى شوارعه المهدّمة، وحجارته المتناثرة، وصوره الممزقة، ولم يرَ في الخراب ما تهدّم في الحجر وحده، بل ما تهدّم في الإنسان أيضًا؟

قد لا يجد سورًا واحدًا سقط، بل أسوارًا كثيرة: سور الدولة، وسور السيادة، وسور القانون، وسور الثقة. وقد يجد الإنسان اللبناني واقفًا أمامها، حائرًا: من أين نبدأ؟

كان نحميا قد سمع أن أورشليم خراب، وأن أبوابها أحرقت بالنار، فجلس وبكى وصام وصلّى. لكنه لم يبق عند البكاء. كان يعرف أن الدموع، مهما كانت صادقة، لا تعيد حجرًا إلى مكانه.

قام. وحين قام، بدأ البناء.

هذه هي الرسالة التي يحتاج إليها لبنان اليوم: أن نقوم.

ليس المطلوب أن نفتش أولًا عن كل الذين أسقطوا الحجارة، ولا أن نقضي العمر في تعداد الخسائر. المطلوب أن نعرف أن السور لن يعود إلى مكانه إذا بقي كل واحد منا ينتظر الآخر.

قال نحميا لشعبه: «هلمّ فنبنِ سور أورشليم». وكأن لبنان يحتاج اليوم إلى الصوت نفسه: هلمّوا فنبنِ لبنان. نبنيه لا بالحجارة وحدها، بل بالمواطن. نبنيه بدولة تكون الدولة، وبقانون يكون فوق الجميع، وبسيادة لا تحتاج إلى ترجمة، وبمؤسسات تكون ملكًا للوطن.

نبنيه حين يفهم اللبناني أن الوطن ليس مساحة يسكنها، بل مسؤولية يحملها.

ولم يكن نحميا يبني في زمن هادئ. كان هناك خوف وخصوم ومن يريدون أن يتوقف العمل قبل أن يكتمل. ومع ذلك، لم يسمح للخوف أن يتحول إلى قدر. ولبنان أيضًا لا يحتاج إلى انتظار الزمن المثالي. فالزمن المثالي لا يأتي.

الوطن يبنى في الزمن الصعب، وإلّا لم يبنَ أبدًا.

لكن البناء لا يكتمل بإعادة الأحجار إلى مكانها. هناك شيء آخر يجب أن يعاد بناؤه: الإنسان نفسه.

فالذي اعتاد أن يرى وطنه ساحة للصراع، يحتاج إلى أن يتعلم كيف يراه وطنًا للحياة. والذي اعتاد أن يبحث عن قوته في طائفته أو حزبه أو زعيمه، يحتاج إلى أن يكتشف أن قوته الأولى في مواطنته. والذي تعوّد أن يخاف من أخيه اللبناني، يحتاج إلى أن يمدّ له يده. وهنا نستعيد صوتًا لبنانيًا لم يمت.

صوتًا جعل من الوحدة بين اللبنانيين عهدًا وقسمًا، مسلمين ومسيحيين.

لم يكن معنى القسم أن نكون متشابهين، بل أن نبقى معًا. أن يكون المسلم والمسيحي شريكين في الوطن، لا جماعتين تعيشان في وطن واحد.

ذلك القسم لا يحتاج اليوم إلى أن نردده فقط.، يحتاج إلى أن نحوله إلى حياة. وترتفع أصوات لبنانية كثيرة تلامس جوهر ذلك النشيد؛ أصوات أبناء وطن، وأحزاب وجمعيات، وإن اختلفت مواقعها وتعبيراتها، تجمعها ثوابت واضحة: سيادة لبنان، جيش لبنان، وشراكة اللبنانيين.

فالسيادة ليست شعارًا، والجيش ليس مجرد مؤسسة تحمل السلاح، والشراكة ليست تسوية بين الطوائف.

إنها وجوه وطن واحد: دولة تحمي أبناءها، وجيش يحمي حدودها، ومواطنون يتقاسمون المسؤولية والكرامة والمصير.

هنا يبدأ العهد الجديد.

ليس عهدًا سياسيًا فقط، ولا تبديلًا في الوجوه والكلمات، بل عهدًا مع الإنسان اللبناني نفسه: أن يكون هذا الوطن وطنه فعلًا، لا مجرد عنوان في بطاقة هويته.

نريد لبنانًا يعرف أن السيادة حقيقة، وأن الحرية مسؤولية، وأن الدولة ليست خصمًا، وأن الاختلاف بين أبنائه لا يبرر سقوط البيت الذي يجمعهم. وحين يبدأ السور في الارتفاع، سيأتي يوم الفرح.

ليس يومًا ينتصر فيه لبناني على لبناني، بل يوم ينتصر فيه لبنان على خوفه.

يوم يشعر اللبناني أن وطنه عاد إليه؛ فلا يبحث عن وطن بديل، ولا عن قوة تحميه خارج دولته.

يوم تصبح حدود لبنان حدوده، وقراره قراره، ومؤسساته مؤسساته، وسيادته حقيقة يعيشها لا كلمة يرددها. وفي ذلك اليوم، لن نحتاج إلى رفع أصواتنا أكثر، بل إلى أن نتكلم بلسان جديد.

لسان لا يعرف التخوين.

لسان لا يعيش على الثأر.

لسان لا يقول: أنا أولًا، وطائفتي ثانيًا، ولبنان بعد ذلك.

بل يقول: لبنان أولًا، لأننا لا نكون إلَّا به.

لسان يعرف أن المصالحة ليست نسيانًا للحقيقة، وأن الغفران ليس تبرئة للخطأ، وأن بناء الوطن لا يحتاج إلى محو الذاكرة، بل إلى تحريرها من الانتقام. حين يعود نحميا إلى لبنان، لن يسألنا: من هدم السور؟

قد يسألنا سؤالًا أبسط وأصعب: ماذا فعلتم حين رأيتم السور مهدّمًا؟

هل جلسنا نبكي؟

هل تبادلنا الاتهامات؟

هل انتظرنا أن يأتي الآخرون ليبنوا لنا وطننا؟

أم قمنا، كل من مكانه، وحمل حجرًا؟

فلبنان لا يحتاج اليوم إلى نحميا واحد.

يحتاج إلى كثيرين يقولون: هلمّوا فنبنِ الوطن. وحين يحمل اللبناني الحجر، لا يعود الحجر حجرًا.

يصبح وعدًا. وحين يضعه إلى جانب حجر أخيه، لا يعود البناء بناء سور فقط.

يصبح بداية بناء وطن.

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock