تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

اخر الاخبار
منوعات

شارل حنا لـ«بيروت تايمز»: المال يبني المؤسسات… لكن العطاء يبني الإنسان

من كرخا إلى أميركا… اللبناني الذي صنع نجاحه في الاغتراب، وحوّل انتماءه إلى وطنه إلى رسالة إنسانية ومشاريع تنموية ودعمٍ ثابت للجيش اللبناني

بواسطن – بيروت تايمز – حوار منى حسن

في عالمٍ يُقاس فيه النجاح غالباً بحجم الثروة واتساع الأعمال، تبقى هناك قصص تتجاوز الأرقام والأرباح، لتكشف عن المعنى الحقيقي للنجاح حين يقترن بالإنسانية، وعن قيمة الانتماء حين يتحوّل من حنين إلى مسؤولية، ومن ذكريات إلى مبادرات وأحلام قابلة للتحقّق.

من كرخا، البلدة الجنوبية التي غادرها في الخامسة عشرة من عمره، إلى الولايات المتحدة الأميركية، حيث بنى مسيرته في عالم الأعمال من خلال شركة Cedar’s Mediterranean Foods، شقّ رجل الأعمال اللبناني–الأميركي شارل حنا طريقه بالعمل والمثابرة، حاملاً معه اسم لبنان وأرزه، ومتمسّكاً بقيم تربّى عليها في عائلته، وفي مقدّمها الاعتماد على النفس والتواضع والإيمان بأن الإنسان لا يُقاس بما يملك، بل بما يمنحه للآخرين.

غير أن قصة حنا لا تختصرها النجاحات الاقتصادية ولا التكريمات التي حصدها في لبنان والولايات المتحدة. فخلف رجل الأعمال يقف إنسان يرى في مساعدة المحتاج واجباً، وفي دعم الشباب استثماراً في المستقبل، وفي الحفاظ على التراث مسؤولية تجاه الأجيال المقبلة، وفي مساندة الجيش اللبناني تعبيراً عن إيمانه بالدولة ومؤسساتها الوطنية.

من هنا، لا ينظر حنا إلى عودته نحو جذوره الجنوبية بوصفها استعادةً للذكريات فحسب، بل باعتبارها فرصة للتفكير في مشاريع تعيد الحياة إلى المنطقة، وتفتح أبواباً جديدة أمام أبنائها. وفي مقدّم هذه المشاريع، ترميم مزار مار يوحنا المعمدان في كرخا، الذي يعود تاريخ بنائه إلى عام 1706، والحفاظ على إرثه الديني والتاريخي، إلى جانب طرح فكرة إنشاء مشروع سياحي يربط منطقة الدير بمجرى نهر الأولي، بما يمكن أن يوفّره من حركة اقتصادية وفرص عمل.

وفي مسيرته أيضاً، يحتل الجيش اللبناني مكانة خاصة؛ إذ يصفه حنا بالمؤسسة التي تعبّر عن رؤيته للبنان، ويؤكد استعداده لمواصلة دعمه، انطلاقاً من قناعته بأن قوة الدولة تبدأ من مؤسساتها، وأن خدمة الوطن لا تتطلب بالضرورة موقعاً سياسياً أو لقباً، بل إرادة صادقة وعطاءً ملموساً.

وقد شكّل منحه وسام الاستحقاق اللبناني الفضي من رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، في 5 حزيران 2025، محطة اعتزاز في مسيرته، إلى جانب تكريمه بميدالية جزيرة إليس لعام 2025 في الولايات المتحدة، بما يحمله ذلك من تقدير لرحلته بين النجاح الاقتصادي والانتماء اللبناني.

في هذا الحوار الخاص مع «بيروت تايمز»، تحاور الإعلامية منى حسن شارل حنا في محطات من حياته ومسيرته، من وصية والده الراحل القنصل إبراهيم حنا، إلى فلسفته في العطاء، وعلاقته بكرخا، ورؤيته لدور المغتربين، ومشاريعه للمنطقة، وإيمانه بالجيش اللبناني، وصولاً إلى أحلامه للبنان الذي يتمنى أن يستعيد أبناءه الثقة بمستقبله.

إنها حكاية رجل يرى أن الثروة تمنح صاحبها القدرة، لكن الإنسانية تمنح هذه القدرة معناها؛ وأن النجاح لا يكتمل حين يصل الإنسان وحده، بل حين يترك وراءه فرصةً أو أملاً أو باباً مفتوحاً أمام الآخرين.

Charlie Hanna (@charlie.i.hanna) • Instagram photos and videos

الإنسان الذي يقف خلف النجاح

س: شارل حنا، بعيداً عن الشركات والثروة والتكريمات، من هو الإنسان الذي يقف خلف هذه المسيرة؟

ج: أنا إنسان لبناني قبل أن أكون رجل أعمال. كل ما حققته لم يغيّر القيم التي تربّيت عليها، ولم يجعلني أنسى أهمية العائلة والأصدقاء ومحبة الناس.

يمكن للإنسان أن يبني شركة كبيرة ويحقق نجاحاً مادياً، لكن ذلك لا يعني شيئاً إذا خسر إنسانيته. أؤمن بأن النجاح الحقيقي هو أن تبقى متواضعاً، وأن تعرف قيمة الأشخاص الذين وقفوا إلى جانبك، وأن تستخدم ما حققته في الخير.

في النهاية، لا يترك الإنسان وراءه ما جمعه فقط، بل ما قدّمه وما زرعه في حياة الآخرين.

كرخا… جذور لا تمحوها المسافات

س: غادرت لبنان وأنت في الخامسة عشرة من عمرك. كيف بقيت كرخا حاضرة في حياتك بعد كل هذه السنوات في أميركا؟

ج: الإنسان يستطيع أن يغيّر مكان إقامته، لكنه لا يستطيع أن يتخلّى عن جذوره. كرخا جزء من شخصيتي وذاكرتي، ومنها بدأت حياتي، ولذلك بقيت حاضرة في داخلي مهما ابتعدت المسافات.

أنا أعتز بحياتي في أميركا وبكل ما حققته فيها، لكنني لم أنسَ يوماً من أين أتيت. وأحرص على أن يعرف أولادي وطنهم وبلدتهم وجذورهم، وأن يحافظوا على لغتهم الأم ولهجتهم اللبنانية.

بالنسبة إليّ، معرفة الجذور ليست مجرد ارتباط بالماضي، بل هي أساس يساعد الإنسان على بناء مستقبله وهو يعرف هويته.

وصية الأب… قيمة القرش ومعنى العمل

س: تتحدث بمحبة كبيرة عن والدك الراحل، القنصل إبراهيم حنا. ما أبرز ما تركه في شخصيتك؟

ج: والدي تاج رأسي، وأمي أيضاً تاج رأسي. لهما الفضل الكبير في تربيتي وتعليمي القيم التي رافقتني طوال حياتي.

كان والدي يقول لي: «ما ضروري تشتغل عندي، اشتغل عند الناس حتى تعرف قيمة القرش».

هذه العبارة لم أنسها يوماً. علّمتني أن المال الذي يأتي نتيجة التعب والعمل له قيمة مختلفة، وأن الإنسان يجب أن يعتمد على نفسه، وأن يتعلّم من الحياة ومن الناس.

لم تكن وصية والدي مرتبطة بالمال وحده، بل بالكرامة والمسؤولية والاجتهاد. وقد بقيت هذه المبادئ أساساً في حياتي، سواء في العمل أو في علاقتي بالناس.

رجل الاعمال المغترب اللبناني شارل حنا أسطورة في وطن ..ووطن في أسطورة | جريدة الرسالة

Cedar’s… أرزة لبنان في الأسواق الأميركية

س: عندما اخترتم اسم Cedar’s لشركتكم، هل كان الهدف تجارياً فقط، أم أنكم أردتم حمل هوية لبنان إلى أميركا؟

ج: الأرزة بالنسبة إليّ ليست مجرد شعار تجاري، بل هي لبنان وهويته وتاريخه.

كان حلم والدي أن نعمل ونرفع اسم لبنان والأرز في مختلف الولايات الأميركية. وعندما تحمل اسم Cedar’s، فأنت تحمل معك شيئاً من وطنك، وتقدّم للعالم صورة عن بلدك من خلال عملك ونجاحك.

أشعر بالفخر عندما أرى هذا الاسم حاضراً في أميركا، لأنني لا أراه مجرد علامة تجارية، بل جزءاً من هويتي اللبنانية. وأؤمن بأن المغترب يستطيع أن يرفع اسم وطنه من خلال التزامه وجودة عمله وصدقيته، وأن يجعل نجاحه مساحة للتعريف بلبنان وقدرات أبنائه.

من الثروة إلى المسؤولية الإنسانية

س: متى شعرت بأن النجاح الاقتصادي لم يعد إنجازاً شخصياً فحسب، بل أصبح مسؤولية تجاه الآخرين؟

ج: عندما يكبر عملك وتصبح لديك القدرة على مساعدة الآخرين، تشعر بأن هذه القدرة تحمل مسؤولية.

إذا استطعت أن تساعد مريضاً في الحصول على العلاج، أو أن تقف إلى جانب عائلة تمر بظروف صعبة، أو أن تفتح باباً أمام شاب يبحث عن فرصة عمل، فلماذا لا تفعل؟

أنا لا أرى العطاء منفصلاً عن النجاح، بل أعتبره جزءاً أساسياً منه. فالمال يستطيع أن يوفّر الإمكانات، لكن قيمته الحقيقية تظهر عندما يتحوّل إلى مساعدة أو فرصة أو أمل في حياة إنسان.

بالنسبة إليّ، لا يكفي أن تنجح في عملك؛ المهم أيضاً أن تسأل نفسك ماذا تستطيع أن تفعل بهذا النجاح من أجل الآخرين.

الإنسانية فوق الطائفة والمنطقة

س: تُعرف بموقفك الإنساني الذي يتجاوز الانقسامات الطائفية والمناطقية. كيف تنظر إلى هذه المسألة؟

ج: الإنسان هو الإنسان، ولا يجوز أن تختلف نظرتنا إليه بسبب طائفته أو مذهبه أو المنطقة التي ينتمي إليها.

عندما أساعد شخصاً، لا أسأله إلى أي طائفة ينتمي، بل أسأل نفسي ماذا يحتاج وكيف يمكنني مساعدته. المرض لا يعرف الطوائف، والفقر لا يعرف المناطق، والطفل الذي يحتاج إلى العلاج لا ينبغي أن يكون انتماؤه معياراً للحصول على المساعدة.

أنا مؤمن بأن الإنسانية يجب أن تكون فوق كل الانقسامات، وأن لبنان لا يستطيع أن ينهض إذا بقي أبناؤه ينظرون إلى بعضهم من خلال الحواجز التي تفرّقهم.

ما يجمعنا كإنسان يجب أن يكون أقوى مما يفرّقنا.

شارل حنا ..رحلة كفاح من كرخا الى بوسطن: خدمة الوطن أسمى من السياسة ! | صيدا اون لاين

العطاء الحقيقي لا يحتاج إلى الأضواء

س: لماذا تفضّل أحياناً أن تبقى مبادراتك الإنسانية بعيدة عن الإعلام؟

ج: لأنني لا أرى أن كل مساعدة يجب أن تتحوّل إلى خبر. عندما تساعد إنساناً، فالأهم بالنسبة إليّ أن تصل المساعدة إلى من يحتاج إليها، وليس أن يعرف الجميع أنك قدّمتها.

هناك أمور تكون أجمل عندما تبقى بينك وبين الشخص الذي ساعدته. لكنني لا أمانع الحديث عن بعض المبادرات إذا كان ذلك سيشجّع الآخرين على القيام بخطوات مشابهة.

إذا رأى شخص أن مبادرة إنسانية ألهمته ليساعد بدوره عائلة أو مريضاً أو شاباً، يصبح الحديث عنها مفيداً.

أنا لا أبحث عن التصفيق، بل أتمنى أن تصبح ثقافة العطاء أوسع، وأن يشعر كل إنسان بأنه يستطيع أن يفعل شيئاً، مهما كانت إمكاناته.

ماذا تعلّم من الذين ساعدهم؟

س: أنت تقدّم المساعدة للآخرين، لكن هل شعرت يوماً بأن الأشخاص الذين ساعدتهم منحـوك شيئاً لا يُقدّر بالمال؟

ج: بالتأكيد. لقد تعلّمت منهم الكثير، وخصوصاً الصبر والقدرة على مواجهة الظروف الصعبة.

أحياناً تلتقي بأشخاص مرّوا بتجارب قاسية جداً، لكنك تجدهم متمسكين بالأمل وقادرين على الابتسام رغم كل شيء. هؤلاء يعلّمونك أن الحياة ليست مرتبطة بما نملك، بل بقدرتنا على الاستمرار والوقوف من جديد.

وأحياناً تكون كلمة شكر صادقة من شخص ساعدته أغلى عندي من أي نجاح تجاري. هذه اللحظات تذكّرك بأن قيمة ما تفعله لا تُقاس دائماً بالأرقام، بل بالأثر الذي تتركه في حياة إنسان.

لبنان بين الوجع والأمل

س: ما الذي يؤلمك أكثر عندما تنظر إلى الواقع اللبناني، وما الذي يجعلك تتمسّك بالأمل رغم الأزمات؟

ج: أكثر ما يؤلمني هو أن أشعر بأن لبنانياً فقد الأمل بمستقبله، أو أن شاباً لم يعد يرى أمامه فرصة لبناء حياته في وطنه.

لبنان يمتلك طاقات كبيرة، وشبابه يحققون النجاحات في مختلف أنحاء العالم. لذلك لا أعتقد أن المشكلة تكمن في الإنسان اللبناني، بل في الظروف الصعبة التي مرّ بها البلد.

ومع ذلك، ما زلت أؤمن بلبنان، لأنني أرى أبناءه ينجحون في أميركا وكندا وأستراليا وأفريقيا والخليج، وأرى أيضاً لبنانيين يساعدون بعضهم بعضاً في أصعب الظروف.

أتمنى أن يأتي اليوم الذي يستطيع فيه الشاب اللبناني أن يعمل وينجح ويؤسس عائلته في وطنه، من دون أن يشعر بأن الهجرة هي الخيار الوحيد أمامه.

لبنان يستطيع أن ينهض إذا وضعنا الإنسان أولاً، ووفّرنا بيئة تحمي العمل والاستثمار والإنتاج، وأعدنا الثقة بمؤسسات الدولة وبقدرة البلد على استعادة دوره.

المغترب اللبناني… أكثر من تحويلات مالية

س: هل تقتصر مسؤولية المغترب اللبناني على إرسال الأموال إلى أهله ووطنه، أم أن دوره يجب أن يكون أوسع؟

ج: دور المغترب أكبر بكثير من إرسال الأموال. يستطيع أن يستثمر في لبنان، وأن ينقل خبراته، وأن يفتح أسواقاً جديدة أمام المنتجات اللبنانية، وأن يساعد في التعليم والصحة والسياحة والثقافة.

أحياناً تكون الخبرة أهم من المال، وقد تكون علاقة مهنية أو فرصة عمل سبباً في تغيير مستقبل شاب لبناني.

المغترب يستطيع أن يكون جسراً بين لبنان والعالم، وأن يساهم في نقل المعرفة وخلق فرص اقتصادية جديدة.

وأتمنى أن تتحوّل العلاقة بين لبنان واغترابه إلى شراكة حقيقية، تقوم على الثقة والمشاريع المنتجة، بحيث لا يبقى المغترب مرتبطاً بوطنه من خلال الحنين والمساعدات فقط، بل يصبح شريكاً في مستقبله أيضاً.

رسالة إلى الشباب اللبناني

س: ماذا تقول للشاب اللبناني الذي يعتقد أن مستقبله لا يمكن أن يتحقق إلا خارج لبنان؟

ج: أقول له: تعلّم، واعمل، وطوّر نفسك، وإذا اخترت الهجرة بحثاً عن فرصة أفضل، فاستفد من تجربتك، لكن لا تنسَ من أنت ومن أين أتيت.

أنا غادرت لبنان في الخامسة عشرة من عمري، ولم يكن الطريق سهلاً. لكنني تعلّمت أن البداية المتواضعة ليست عيباً، وأن العمل والصبر والإيمان بالنفس يمكن أن يفتحوا أبواباً كثيرة.

لا أريد أن أعطي الشباب وعوداً غير واقعية، لأنني أعرف حجم الصعوبات التي يواجهونها. لكنني أؤمن بقدراتهم، وأتمنى أن تتوافر لهم في لبنان الفرص التي يستحقونها.

والأهم ألا يفقدوا الأمل، وأن يحافظوا على قيمهم وجذورهم مهما كانت الطريق التي يختارونها.

 الفشل… محطة للتعلّم لا نهاية للطريق

س: هل واجهت محطات صعبة في مسيرتك؟ وكيف تنظر إلى الفشل عندما يعترض طريق الإنسان؟

ج: لكل إنسان طريقه الخاص، ولا توجد مسيرة تخلو من الصعوبات والتحديات.

المهم ألا يسمح الإنسان للعقبات بأن تجعله يتوقف عن المحاولة، وأن يتعلّم من تجاربه ويواصل العمل. النجاح لا يأتي دائماً بسرعة، وقد يحتاج إلى صبر طويل وإلى إعادة النظر في القرارات والخطط.

أؤمن بأن على الإنسان أن يبقى متواضعاً في نجاحه، وقوياً في مواجهة الصعوبات، وألا يعتبر أن الوصول إلى مرحلة معينة يعني أنه لم يعد بحاجة إلى التعلّم. فالإنسان الذي يريد أن يتقدّم عليه أن يبقى مستعداً للتطوّر والعمل.

الجيش اللبناني… المؤسسة التي تعبّر عن رؤيته للوطن

س: للجيش اللبناني مكانة خاصة في مسيرتك ومواقفك الوطنية. ماذا يمثّل لك الجيش؟

ج: لديّ وجهة نظر واحدة هي لبنان، وأرى أن المؤسسة العسكرية تعبّر عن الكثير من القيم التي أؤمن بها، وفي مقدّمها النزاهة والشجاعة والعطاء.

أعتبر نفسي ابن المؤسسة العسكرية، وأرى في الجيش اللبناني مثالاً في التضحية والخدمة الوطنية. فالجيش يقوم بواجباته في ظروف صعبة، ويقدّم التضحيات من أجل حماية الوطن وأبنائه.

بالنسبة إليّ، الجيش مؤسسة وطنية جامعة، تجمع اللبنانيين حول فكرة الدولة والوطن، ولذلك أؤمن بضرورة دعمه ومساندته.

 

اللواء عثمان يُكرّم السيّد شارل إبراهيم حنّا تقديراً لدعمه مؤسّسة قوى الأمن الداخلي. استقبل المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء عماد عثمان بعد ظهر اليوم 28/05/2021 في مكتبه بثكنة المقر العام نجل

دعم الجيش وقوى الامن هو دعم للدولة

س: هل تعتبر أن دعم الجيش اللبناني يتجاوز المساعدة لمؤسسة عسكرية، ليشكّل دعماً للدولة ومستقبل لبنان؟

ج: بالتأكيد. عندما تدعم الجيش، فأنت تدعم مؤسسة من مؤسسات الدولة، وتساعدها على القيام بدورها في حماية لبنان.

أنا أؤمن بأن الدولة تحتاج إلى مؤسسات قوية وفاعلة، والجيش في طليعة هذه المؤسسات. وأحترم كل من يخدم لبنان ويضع مصلحة الوطن فوق مصلحته الشخصية.

دعم الجيش وقوى الامن بالنسبة إليّ ليس موقفاً عابراً، بل تعبير عن قناعة وطنية بأن لبنان يحتاج إلى مؤسساته، وأن الحفاظ عليها وتعزيز قدرتها مسؤولية مشتركة.

وأتمنى أن يبقى الجيش قادراً على أداء مهماته، وأن ينال ما يستحقه من دعم وتقدير، نظراً إلى التضحيات التي يقدمها العسكريون في سبيل الوطن.

«لا أريد أن أكون زعيماً»… خدمة لبنان خارج السياسة

س: رغم نجاحك وعلاقاتك الواسعة وحضورك في المجتمعين اللبناني والأميركي، هل فكّرت في دخول الحياة السياسية؟

ج: لا، ما بدي أعمل زعيم، ولا بدي أتعاطى سياسة. أنا جئت لأعطي من قلبي لوطني.

أرى أن خدمة لبنان لا تحتاج بالضرورة إلى منصب سياسي أو زعامة. يستطيع الإنسان أن يخدم بلده من خلال الاقتصاد والاستثمار والسياحة والعمل الإنساني ودعم المؤسسات.

ما يعنيني هو أن أساهم، ضمن قدرتي وإمكاناتي، في خلق فرص عمل ومساعدة الناس والحفاظ على تراث منطقتي ودعم الجيش اللبناني.

ليس ضرورياً أن تكون سياسياً حتى تخدم بلدك، والأهم أن يكون عملك صادقاً وأن يترك نتيجة ملموسة في حياة الناس.

العودة إلى كرخا… من الحنين إلى المبادرة

س: عندما عدت إلى كرخا بعد سنوات طويلة، هل كانت العودة مجرد استعادة لذكريات الطفولة، أم أنك أردت تحويل ارتباطك بالبلدة إلى عمل ملموس؟

ج: كانت العودة أكثر من حنين. شعرت بأنني أعود إلى جزء مني، لأن كرخا ليست مجرد مكان ولدت فيه، بل هي الذاكرة والجذور والأهل.

لكنني لم أرد أن تبقى العودة مجرد زيارة أو مشاعر مرتبطة بالماضي. كنت أفكّر بما يمكن أن نقدّمه للبلدة والمنطقة، وكيف يمكن أن نحافظ على تراثها ونخلق فرصاً جديدة لأبنائها.

أنا أؤمن بأن حب الإنسان لبلدته يجب أن يظهر في العمل، وأن نحاول تحويل الأفكار إلى مشاريع تفيد الناس وتساعد المنطقة على التطوّر.

معلومات اولية عن عمل سينمائي سوف يتم تصويره في بلدة كرخا تقدمة من رجل الاعمال شارل حنا – نيوز جزين news jezzine

مزار مار يوحنا المعمدان… أمانة عائلية وإرث تاريخي

س: تعملون على ترميم مزار مار يوحنا المعمدان في كرخا، الذي يعود تاريخ بنائه إلى عام 1706. ماذا يعني لك هذا المشروع؟

ج: ترميم مزار مار يوحنا المعمدان في كرخا مسؤولية روحية وعائلية عميقة، ووفاء لأمانة والدي الراحل، القنصل إبراهيم حنا، الذي حرص على صونه والحفاظ عليه.

بالنسبة إليّ، لم يكن المشروع ترميماً للحجارة فحسب، بل حفاظاً على إرث تاريخي وإيماني يعود إلى عام 1706، وذاكرة حيّة لأبناء المنطقة. فالمزار يحمل قيمة روحية وتاريخية، ويربط الأجيال الجديدة بتاريخها وهويتها.

نطمح إلى ترميمه وتأهيله، وتحسين مداخله وساحاته ومحيطه، وتعزيز مكانته على خريطة السياحة الدينية في لبنان، ليكون وجهة للمؤمنين والزوار من مختلف المناطق، وكذلك لأبناء الاغتراب الذين يرغبون في اكتشاف جذورهم وتراثهم.

أريد لهذا المكان أن يبقى حاضراً في حياة الناس، وأن نتمكّن من نقله إلى الأجيال المقبلة بحالة تليق بتاريخه ومكانته.

مشروع سياحي يفتح أبواب التنمية لأبناء المنطقة

س: طرحت فكرة إنشاء «تلفريك» يربط منطقة الدير بمجرى نهر الأولي. ما الرؤية التي تقف خلف هذا المشروع؟

ج: أريد أن يكون المشروع سياحياً بامتياز، وأن يحمل أيضاً بُعداً دينياً، بحيث يصبح وجهة تستقطب الزوار وتؤمّن فرص عمل لأبناء المنطقة.

أنا لا أنظر إلى المشروع باعتباره منشأة منفردة، بل كجزء من منظومة سياحية متكاملة يمكن أن تشمل المطاعم والفنادق والخدمات والمشاريع الصغيرة التي يستفيد منها السكان المحليون.

أي مشروع من هذا النوع يجب أن ينعكس إيجاباً على المنطقة، وأن يحرّك عجلة الاقتصاد ويوفّر فرصاً للشباب.

لدينا في لبنان مقومات طبيعية وتراثية ودينية مهمة، ويمكن استثمارها بطريقة مدروسة تخلق فرصاً جديدة، شرط أن تتوافر الدراسات اللازمة والتخطيط والتنفيذ المناسب.

ما أطمح إليه هو أن تتحوّل هذه الأفكار إلى مشاريع قابلة للتحقيق، وأن تكون التنمية لمصلحة أبناء المنطقة قبل أي شيء آخر.

وسام الاستحقاق اللبناني الفضي… تقدير يضاعف المسؤولية

س: نلت وسام الاستحقاق اللبناني الفضي من رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون في 5 حزيران 2025، كما حظيت بتكريم ميدالية جزيرة إليس لعام 2025 في الولايات المتحدة. ماذا يعني لك هذان التكريمان؟

ج: أشعر بالفخر والامتنان لكل تكريم أحصل عليه، لكنني أعتبر أن التكريم مسؤولية قبل أن يكون لقباً أو ميدالية.

عندما منحني فخامة الرئيس جوزاف عون وسام الاستحقاق اللبناني الفضي، كان لذلك معنى خاص بالنسبة إليّ، لأنني أعود دائماً إلى جذوري اللبنانية، مهما حققت من نجاحات في الخارج.

وقد عبّرت عن شكري وامتناني لهذا الوسام الغالي، متمنياً للرئيس كل التوفيق في قيادة السفينة الوطنية والوصول بلبنان إلى برّ السلام والأمن والازدهار. وأؤكد أنني سأواصل مساعدة لبنان واللبنانيين ودعم الجيش، انطلاقاً من إيماني بوطني وبأهمية الوقوف إلى جانب أبنائه ومؤسساته.

أما تكريم جزيرة إليس في الولايات المتحدة، فيشكّل محطة مهمة في مسيرتي، لأنني أفتخر بكوني لبنانياً–أميركياً استطاع أن يبني تجربة ناجحة في أميركا مع الحفاظ على انتمائه إلى وطنه الأم.

لكن، في النهاية، يبقى أجمل تكريم بالنسبة إليّ أن أرى إنساناً استفاد من مساعدة أو فرصة أتيحت له، وأن أشعر بأن ما قمت به ترك أثراً إيجابياً في حياته.

أحلام لم تنتهِ بعد

س: بعد كل ما حققته في عالم الأعمال، وبعد سنوات من العمل والعطاء، هل ما زالت لديك أحلام تسعى إلى تحقيقها؟

ج: طبعاً. لا أحب أن أقول إنني وصلت إلى النهاية، لأن الإنسان يجب أن يبقى لديه طموح وأهداف يعمل من أجلها.

أتمنى أن أرى مشاريع تساعد المناطق اللبنانية على النمو، وأن تتوافر فرص عمل للشباب، وأن تستعيد السياحة والاستثمارات دورهما في تحريك الاقتصاد.

أريد أن أرى لبنان بلداً قادراً على الاستفادة من طاقات أبنائه في الداخل والاغتراب، وأن تتحوّل الأفكار التي نحملها إلى مبادرات عملية تعود بالفائدة على الناس.

ما زال هناك الكثير مما يمكن فعله، وأنا أؤمن بأن العمل الصادق، مهما كانت بدايته متواضعة، يستطيع أن يترك أثراً إذا توافرت الإرادة والاستمرارية.

«لو استطعت أن أزرع وردة في كل بيت لبناني…»

س: لو طلبنا منك أن تختصر فلسفتك في الحياة وفي العطاء بجملة واحدة، ماذا تقول؟

ج: أقول دائماً:

«لو استطعت أن أزرع وردة في كل بيت في لبنان لما تأخرت، لأن لا شيء أجمل من زرع المحبة والسلام وروح العطاء، وأجمل العطاء ما لا ينتظر مردوداً».

أنا أحب لبنان وأحب شعبه، وأريد أن أرى الناس يعيشون بكرامة وأمان وفرح. أتمنى أن تكون المحبة أقوى من الخلافات، وأن يشعر كل إنسان بأن هناك من يقف إلى جانبه عندما يحتاج إلى المساعدة.

بالنسبة إليّ، العطاء الحقيقي هو الذي يأتي من القلب، من دون انتظار مقابل. وعندما تستطيع أن تجعل حياة إنسان أفضل، ولو بخطوة صغيرة، تكون قد فعلت شيئاً له قيمة كبيرة.

هبة من رجل الأعمال شارلي حنّا لجامعة الروح القدس لدعم التعليم العالي صونًا لمستقبل الشباب – Al Montasher

رسالة إلى لبنان واللبنانيين في الداخل والاغتراب

س: ما رسالتك الأخيرة إلى اللبنانيين في الداخل والاغتراب، في ظل الظروف التي يمر بها الوطن؟

ج: أقول للبنانيين: لا تنسوا لبنان، مهما ابتعدت المسافات ومهما كانت الظروف.

يمكن أن نعيش في الخارج، وأن نبني نجاحاتنا في بلدان أخرى، لكن لبنان يبقى جزءاً منا. ساعدوا أهلكم، وادعموا بلدكم، وافتحوا الأبواب أمام الشباب، وكونوا سفراء حقيقيين لوطنكم من خلال العمل والنجاح والصدق.

لا تجعلوا النجاح يأخذكم بعيداً عن الإنسان، ولا تنسوا أن هناك دائماً من يحتاج إلى فرصة أو مساعدة أو كلمة طيبة.

أتمنى أن يبقى لبنان بلداً يفتخر به جميع أبنائه، وأن يأتي اليوم الذي يعود فيه المغتربون للمساهمة في بنائه، حاملين معهم الخبرات والتجارب والنجاحات التي حققوها في الخارج.

لأننا في النهاية لا نُقاس بما جمعناه، بل بما أعطيناه، وبما تركناه من أثر في حياة الآخرين.

شارل حنا… حين يصبح النجاح رسالة وطنية وإنسانية

بين كرخا وأميركا، رسم شارل حنا مسيرة تجمع بين النجاح الاقتصادي والتعلّق بالجذور والإيمان بالإنسان. لم يعتبر الاغتراب سبباً للابتعاد عن وطنه، بل مساحة لاكتساب الخبرة وتحقيق الإنجازات، ثم التفكير في كيفية تحويل هذه التجربة إلى قيمة مضافة للبنان وأبنائه.

في روايته، تتقاطع وصية الأب مع هوية الشركة، وتلتقي الذاكرة الجنوبية بمشاريع الحفاظ على التراث، فيما يحتل العطاء الإنساني ودعم الجيش اللبناني موقعاً أساسياً في رؤيته للوطن. وبين ترميم مزار تاريخي والتطلع إلى مشاريع سياحية وتنموية، تبدو كرخا أكثر من محطة في الماضي؛ إنها مساحة لأحلام يريد لها أن تجد طريقها إلى المستقبل.

لا يدّعي حنا أن الطريق إلى النهوض سهل، ولا يختصر أزمات لبنان بشعارات التفاؤل. لكنه يتمسّك بقناعة مفادها أن الاستثمار في الإنسان، وفتح الفرص أمام الشباب، ودعم مؤسسات الدولة، وتعزيز الشراكة مع الاغتراب، تشكّل ركائز أساسية لأي محاولة جدية لاستعادة الثقة بالمستقبل.

أما رسالته الأوضح، فتتجاوز عالم الأعمال إلى معنى أعمق للنجاح: أن يبني الإنسان مؤسساته من دون أن يفقد إنسانيته، وأن يحمل وطنه معه أينما ذهب، وأن يجعل من قدرته على النجاح وسيلة لمساعدة الآخرين.

فالثروة قد تبني الشركات، والتكريمات قد توثّق الإنجازات، لكن الأثر الذي يتركه الإنسان في حياة الناس هو ما يمنح مسيرته معناها الحقيقي.

ومن كرخا إلى أميركا، تبقى حكاية شارل حنا شهادة على أن الانتماء لا تقيسه المسافات، وأن خدمة لبنان لا تحتاج دائماً إلى منصب، بل إلى إرادة وعمل وعطاء. فالمال يبني المؤسسات، لكن العطاء يبني الإنسان، والإنسان هو الثروة التي يحتاج إليها لبنان أكثر من أي وقت مضى.

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock