منوعات
شارل حنا لـ«بيروت تايمز»: المال يبني المؤسسات… لكن العطاء يبني الإنسان
من كرخا إلى أميركا… اللبناني الذي صنع نجاحه في الاغتراب، وحوّل انتماءه إلى وطنه إلى رسالة إنسانية ومشاريع تنموية ودعمٍ ثابت للجيش اللبناني

بواسطن – بيروت تايمز – حوار منى حسن
في عالمٍ يُقاس فيه النجاح غالباً بحجم الثروة واتساع الأعمال، تبقى هناك قصص تتجاوز الأرقام والأرباح، لتكشف عن المعنى الحقيقي للنجاح حين يقترن بالإنسانية، وعن قيمة الانتماء حين يتحوّل من حنين إلى مسؤولية، ومن ذكريات إلى مبادرات وأحلام قابلة للتحقّق.
من كرخا، البلدة الجنوبية التي غادرها في الخامسة عشرة من عمره، إلى الولايات المتحدة الأميركية، حيث بنى مسيرته في عالم الأعمال من خلال شركة Cedar’s Mediterranean Foods، شقّ رجل الأعمال اللبناني–الأميركي شارل حنا طريقه بالعمل والمثابرة، حاملاً معه اسم لبنان وأرزه، ومتمسّكاً بقيم تربّى عليها في عائلته، وفي مقدّمها الاعتماد على النفس والتواضع والإيمان بأن الإنسان لا يُقاس بما يملك، بل بما يمنحه للآخرين.
غير أن قصة حنا لا تختصرها النجاحات الاقتصادية ولا التكريمات التي حصدها في لبنان والولايات المتحدة. فخلف رجل الأعمال يقف إنسان يرى في مساعدة المحتاج واجباً، وفي دعم الشباب استثماراً في المستقبل، وفي الحفاظ على التراث مسؤولية تجاه الأجيال المقبلة، وفي مساندة الجيش اللبناني تعبيراً عن إيمانه بالدولة ومؤسساتها الوطنية.
من هنا، لا ينظر حنا إلى عودته نحو جذوره الجنوبية بوصفها استعادةً للذكريات فحسب، بل باعتبارها فرصة للتفكير في مشاريع تعيد الحياة إلى المنطقة، وتفتح أبواباً جديدة أمام أبنائها. وفي مقدّم هذه المشاريع، ترميم مزار مار يوحنا المعمدان في كرخا، الذي يعود تاريخ بنائه إلى عام 1706، والحفاظ على إرثه الديني والتاريخي، إلى جانب طرح فكرة إنشاء مشروع سياحي يربط منطقة الدير بمجرى نهر الأولي، بما يمكن أن يوفّره من حركة اقتصادية وفرص عمل.
وفي مسيرته أيضاً، يحتل الجيش اللبناني مكانة خاصة؛ إذ يصفه حنا بالمؤسسة التي تعبّر عن رؤيته للبنان، ويؤكد استعداده لمواصلة دعمه، انطلاقاً من قناعته بأن قوة الدولة تبدأ من مؤسساتها، وأن خدمة الوطن لا تتطلب بالضرورة موقعاً سياسياً أو لقباً، بل إرادة صادقة وعطاءً ملموساً.

وقد شكّل منحه وسام الاستحقاق اللبناني الفضي من رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، في 5 حزيران 2025، محطة اعتزاز في مسيرته، إلى جانب تكريمه بميدالية جزيرة إليس لعام 2025 في الولايات المتحدة، بما يحمله ذلك من تقدير لرحلته بين النجاح الاقتصادي والانتماء اللبناني.
في هذا الحوار الخاص مع «بيروت تايمز»، تحاور الإعلامية منى حسن شارل حنا في محطات من حياته ومسيرته، من وصية والده الراحل القنصل إبراهيم حنا، إلى فلسفته في العطاء، وعلاقته بكرخا، ورؤيته لدور المغتربين، ومشاريعه للمنطقة، وإيمانه بالجيش اللبناني، وصولاً إلى أحلامه للبنان الذي يتمنى أن يستعيد أبناءه الثقة بمستقبله.
إنها حكاية رجل يرى أن الثروة تمنح صاحبها القدرة، لكن الإنسانية تمنح هذه القدرة معناها؛ وأن النجاح لا يكتمل حين يصل الإنسان وحده، بل حين يترك وراءه فرصةً أو أملاً أو باباً مفتوحاً أمام الآخرين.
الإنسان الذي يقف خلف النجاح
س: شارل حنا، بعيداً عن الشركات والثروة والتكريمات، من هو الإنسان الذي يقف خلف هذه المسيرة؟
ج: أنا إنسان لبناني قبل أن أكون رجل أعمال. كل ما حققته لم يغيّر القيم التي تربّيت عليها، ولم يجعلني أنسى أهمية العائلة والأصدقاء ومحبة الناس.
يمكن للإنسان أن يبني شركة كبيرة ويحقق نجاحاً مادياً، لكن ذلك لا يعني شيئاً إذا خسر إنسانيته. أؤمن بأن النجاح الحقيقي هو أن تبقى متواضعاً، وأن تعرف قيمة الأشخاص الذين وقفوا إلى جانبك، وأن تستخدم ما حققته في الخير.
في النهاية، لا يترك الإنسان وراءه ما جمعه فقط، بل ما قدّمه وما زرعه في حياة الآخرين.
كرخا… جذور لا تمحوها المسافات
س: غادرت لبنان وأنت في الخامسة عشرة من عمرك. كيف بقيت كرخا حاضرة في حياتك بعد كل هذه السنوات في أميركا؟
ج: الإنسان يستطيع أن يغيّر مكان إقامته، لكنه لا يستطيع أن يتخلّى عن جذوره. كرخا جزء من شخصيتي وذاكرتي، ومنها بدأت حياتي، ولذلك بقيت حاضرة في داخلي مهما ابتعدت المسافات.
أنا أعتز بحياتي في أميركا وبكل ما حققته فيها، لكنني لم أنسَ يوماً من أين أتيت. وأحرص على أن يعرف أولادي وطنهم وبلدتهم وجذورهم، وأن يحافظوا على لغتهم الأم ولهجتهم اللبنانية.
بالنسبة إليّ، معرفة الجذور ليست مجرد ارتباط بالماضي، بل هي أساس يساعد الإنسان على بناء مستقبله وهو يعرف هويته.
وصية الأب… قيمة القرش ومعنى العمل
س: تتحدث بمحبة كبيرة عن والدك الراحل، القنصل إبراهيم حنا. ما أبرز ما تركه في شخصيتك؟
ج: والدي تاج رأسي، وأمي أيضاً تاج رأسي. لهما الفضل الكبير في تربيتي وتعليمي القيم التي رافقتني طوال حياتي.
كان والدي يقول لي: «ما ضروري تشتغل عندي، اشتغل عند الناس حتى تعرف قيمة القرش».
هذه العبارة لم أنسها يوماً. علّمتني أن المال الذي يأتي نتيجة التعب والعمل له قيمة مختلفة، وأن الإنسان يجب أن يعتمد على نفسه، وأن يتعلّم من الحياة ومن الناس.
لم تكن وصية والدي مرتبطة بالمال وحده، بل بالكرامة والمسؤولية والاجتهاد. وقد بقيت هذه المبادئ أساساً في حياتي، سواء في العمل أو في علاقتي بالناس.
Cedar’s… أرزة لبنان في الأسواق الأميركية
س: عندما اخترتم اسم Cedar’s لشركتكم، هل كان الهدف تجارياً فقط، أم أنكم أردتم حمل هوية لبنان إلى أميركا؟
ج: الأرزة بالنسبة إليّ ليست مجرد شعار تجاري، بل هي لبنان وهويته وتاريخه.
كان حلم والدي أن نعمل ونرفع اسم لبنان والأرز في مختلف الولايات الأميركية. وعندما تحمل اسم Cedar’s، فأنت تحمل معك شيئاً من وطنك، وتقدّم للعالم صورة عن بلدك من خلال عملك ونجاحك.
أشعر بالفخر عندما أرى هذا الاسم حاضراً في أميركا، لأنني لا أراه مجرد علامة تجارية، بل جزءاً من هويتي اللبنانية. وأؤمن بأن المغترب يستطيع أن يرفع اسم وطنه من خلال التزامه وجودة عمله وصدقيته، وأن يجعل نجاحه مساحة للتعريف بلبنان وقدرات أبنائه.
من الثروة إلى المسؤولية الإنسانية
س: متى شعرت بأن النجاح الاقتصادي لم يعد إنجازاً شخصياً فحسب، بل أصبح مسؤولية تجاه الآخرين؟
ج: عندما يكبر عملك وتصبح لديك القدرة على مساعدة الآخرين، تشعر بأن هذه القدرة تحمل مسؤولية.
إذا استطعت أن تساعد مريضاً في الحصول على العلاج، أو أن تقف إلى جانب عائلة تمر بظروف صعبة، أو أن تفتح باباً أمام شاب يبحث عن فرصة عمل، فلماذا لا تفعل؟
أنا لا أرى العطاء منفصلاً عن النجاح، بل أعتبره جزءاً أساسياً منه. فالمال يستطيع أن يوفّر الإمكانات، لكن قيمته الحقيقية تظهر عندما يتحوّل إلى مساعدة أو فرصة أو أمل في حياة إنسان.
بالنسبة إليّ، لا يكفي أن تنجح في عملك؛ المهم أيضاً أن تسأل نفسك ماذا تستطيع أن تفعل بهذا النجاح من أجل الآخرين.
الإنسانية فوق الطائفة والمنطقة
س: تُعرف بموقفك الإنساني الذي يتجاوز الانقسامات الطائفية والمناطقية. كيف تنظر إلى هذه المسألة؟
ج: الإنسان هو الإنسان، ولا يجوز أن تختلف نظرتنا إليه بسبب طائفته أو مذهبه أو المنطقة التي ينتمي إليها.
عندما أساعد شخصاً، لا أسأله إلى أي طائفة ينتمي، بل أسأل نفسي ماذا يحتاج وكيف يمكنني مساعدته. المرض لا يعرف الطوائف، والفقر لا يعرف المناطق، والطفل الذي يحتاج إلى العلاج لا ينبغي أن يكون انتماؤه معياراً للحصول على المساعدة.
أنا مؤمن بأن الإنسانية يجب أن تكون فوق كل الانقسامات، وأن لبنان لا يستطيع أن ينهض إذا بقي أبناؤه ينظرون إلى بعضهم من خلال الحواجز التي تفرّقهم.
ما يجمعنا كإنسان يجب أن يكون أقوى مما يفرّقنا.
العطاء الحقيقي لا يحتاج إلى الأضواء
س: لماذا تفضّل أحياناً أن تبقى مبادراتك الإنسانية بعيدة عن الإعلام؟
ج: لأنني لا أرى أن كل مساعدة يجب أن تتحوّل إلى خبر. عندما تساعد إنساناً، فالأهم بالنسبة إليّ أن تصل المساعدة إلى من يحتاج إليها، وليس أن يعرف الجميع أنك قدّمتها.
هناك أمور تكون أجمل عندما تبقى بينك وبين الشخص الذي ساعدته. لكنني لا أمانع الحديث عن بعض المبادرات إذا كان ذلك سيشجّع الآخرين على القيام بخطوات مشابهة.
إذا رأى شخص أن مبادرة إنسانية ألهمته ليساعد بدوره عائلة أو مريضاً أو شاباً، يصبح الحديث عنها مفيداً.
أنا لا أبحث عن التصفيق، بل أتمنى أن تصبح ثقافة العطاء أوسع، وأن يشعر كل إنسان بأنه يستطيع أن يفعل شيئاً، مهما كانت إمكاناته.
ماذا تعلّم من الذين ساعدهم؟
س: أنت تقدّم المساعدة للآخرين، لكن هل شعرت يوماً بأن الأشخاص الذين ساعدتهم منحـوك شيئاً لا يُقدّر بالمال؟
ج: بالتأكيد. لقد تعلّمت منهم الكثير، وخصوصاً الصبر والقدرة على مواجهة الظروف الصعبة.
أحياناً تلتقي بأشخاص مرّوا بتجارب قاسية جداً، لكنك تجدهم متمسكين بالأمل وقادرين على الابتسام رغم كل شيء. هؤلاء يعلّمونك أن الحياة ليست مرتبطة بما نملك، بل بقدرتنا على الاستمرار والوقوف من جديد.
وأحياناً تكون كلمة شكر صادقة من شخص ساعدته أغلى عندي من أي نجاح تجاري. هذه اللحظات تذكّرك بأن قيمة ما تفعله لا تُقاس دائماً بالأرقام، بل بالأثر الذي تتركه في حياة إنسان.
لبنان بين الوجع والأمل
س: ما الذي يؤلمك أكثر عندما تنظر إلى الواقع اللبناني، وما الذي يجعلك تتمسّك بالأمل رغم الأزمات؟
ج: أكثر ما يؤلمني هو أن أشعر بأن لبنانياً فقد الأمل بمستقبله، أو أن شاباً لم يعد يرى أمامه فرصة لبناء حياته في وطنه.
لبنان يمتلك طاقات كبيرة، وشبابه يحققون النجاحات في مختلف أنحاء العالم. لذلك لا أعتقد أن المشكلة تكمن في الإنسان اللبناني، بل في الظروف الصعبة التي مرّ بها البلد.
ومع ذلك، ما زلت أؤمن بلبنان، لأنني أرى أبناءه ينجحون في أميركا وكندا وأستراليا وأفريقيا والخليج، وأرى أيضاً لبنانيين يساعدون بعضهم بعضاً في أصعب الظروف.
أتمنى أن يأتي اليوم الذي يستطيع فيه الشاب اللبناني أن يعمل وينجح ويؤسس عائلته في وطنه، من دون أن يشعر بأن الهجرة هي الخيار الوحيد أمامه.
لبنان يستطيع أن ينهض إذا وضعنا الإنسان أولاً، ووفّرنا بيئة تحمي العمل والاستثمار والإنتاج، وأعدنا الثقة بمؤسسات الدولة وبقدرة البلد على استعادة دوره.
المغترب اللبناني… أكثر من تحويلات مالية
س: هل تقتصر مسؤولية المغترب اللبناني على إرسال الأموال إلى أهله ووطنه، أم أن دوره يجب أن يكون أوسع؟
ج: دور المغترب أكبر بكثير من إرسال الأموال. يستطيع أن يستثمر في لبنان، وأن ينقل خبراته، وأن يفتح أسواقاً جديدة أمام المنتجات اللبنانية، وأن يساعد في التعليم والصحة والسياحة والثقافة.
أحياناً تكون الخبرة أهم من المال، وقد تكون علاقة مهنية أو فرصة عمل سبباً في تغيير مستقبل شاب لبناني.
المغترب يستطيع أن يكون جسراً بين لبنان والعالم، وأن يساهم في نقل المعرفة وخلق فرص اقتصادية جديدة.
وأتمنى أن تتحوّل العلاقة بين لبنان واغترابه إلى شراكة حقيقية، تقوم على الثقة والمشاريع المنتجة، بحيث لا يبقى المغترب مرتبطاً بوطنه من خلال الحنين والمساعدات فقط، بل يصبح شريكاً في مستقبله أيضاً.
رسالة إلى الشباب اللبناني
س: ماذا تقول للشاب اللبناني الذي يعتقد أن مستقبله لا يمكن أن يتحقق إلا خارج لبنان؟
ج: أقول له: تعلّم، واعمل، وطوّر نفسك، وإذا اخترت الهجرة بحثاً عن فرصة أفضل، فاستفد من تجربتك، لكن لا تنسَ من أنت ومن أين أتيت.
أنا غادرت لبنان في الخامسة عشرة من عمري، ولم يكن الطريق سهلاً. لكنني تعلّمت أن البداية المتواضعة ليست عيباً، وأن العمل والصبر والإيمان بالنفس يمكن أن يفتحوا أبواباً كثيرة.
لا أريد أن أعطي الشباب وعوداً غير واقعية، لأنني أعرف حجم الصعوبات التي يواجهونها. لكنني أؤمن بقدراتهم، وأتمنى أن تتوافر لهم في لبنان الفرص التي يستحقونها.
والأهم ألا يفقدوا الأمل، وأن يحافظوا على قيمهم وجذورهم مهما كانت الطريق التي يختارونها.
الفشل… محطة للتعلّم لا نهاية للطريق
س: هل واجهت محطات صعبة في مسيرتك؟ وكيف تنظر إلى الفشل عندما يعترض طريق الإنسان؟
ج: لكل إنسان طريقه الخاص، ولا توجد مسيرة تخلو من الصعوبات والتحديات.
المهم ألا يسمح الإنسان للعقبات بأن تجعله يتوقف عن المحاولة، وأن يتعلّم من تجاربه ويواصل العمل. النجاح لا يأتي دائماً بسرعة، وقد يحتاج إلى صبر طويل وإلى إعادة النظر في القرارات والخطط.
أؤمن بأن على الإنسان أن يبقى متواضعاً في نجاحه، وقوياً في مواجهة الصعوبات، وألا يعتبر أن الوصول إلى مرحلة معينة يعني أنه لم يعد بحاجة إلى التعلّم. فالإنسان الذي يريد أن يتقدّم عليه أن يبقى مستعداً للتطوّر والعمل.
الجيش اللبناني… المؤسسة التي تعبّر عن رؤيته للوطن
س: للجيش اللبناني مكانة خاصة في مسيرتك ومواقفك الوطنية. ماذا يمثّل لك الجيش؟
ج: لديّ وجهة نظر واحدة هي لبنان، وأرى أن المؤسسة العسكرية تعبّر عن الكثير من القيم التي أؤمن بها، وفي مقدّمها النزاهة والشجاعة والعطاء.
أعتبر نفسي ابن المؤسسة العسكرية، وأرى في الجيش اللبناني مثالاً في التضحية والخدمة الوطنية. فالجيش يقوم بواجباته في ظروف صعبة، ويقدّم التضحيات من أجل حماية الوطن وأبنائه.
بالنسبة إليّ، الجيش مؤسسة وطنية جامعة، تجمع اللبنانيين حول فكرة الدولة والوطن، ولذلك أؤمن بضرورة دعمه ومساندته.
















