على إيقاع موسم العنب، وبين كروم راشيا وعرائشها وأزقة سوقها الأثري، تستعيد بلدة الاستقلال واحدة من أجمل حكايات التراث الريفي اللبناني، مع انطلاق فعاليات الدورة الثامنة من مهرجان «يوم الدبس» يومي 3 و 4 تشرين الأول، في مناسبة تحولت على مدى السنوات الماضية إلى موعد سنوي يجمع الزراعة بالتراث، والإنتاج المحلي بالسياحة، ويفتح أبواب المنطقة أمام الزوار من مختلف المناطق اللبنانية والعربية.
وتكتسب دورة هذا العام بعداً سياحياً عربياً لافتاً مع زيارة وزير السياحة الأردني إلى قلعة الاستقلال في راشيا، برفقة النائب وائل أبو فاعور، حيث جال في أرجاء القلعة واطلع على معالمها وتاريخها، في محطة سلطت الضوء على أهمية المواقع التاريخية والتراثية في تعزيز الحركة السياحية والتواصل الثقافي بين لبنان ومحيطه العربي.
وتشكّل قلعة الاستقلال أحد أبرز رموز راشيا، وترتبط بمحطات أساسية من تاريخ لبنان واستقلاله، فيما تأتي زيارتها بالتزامن مع «يوم الدبس» لتجمع في مشهد واحد بين ذاكرة المكان وكرم الأرض وحيوية الإنتاج المحلي.
الدبس… حكاية أرض وذاكرة
ليست حكاية الدبس في راشيا مجرد صناعة غذائية أو موسم زراعي عابر، بل هي تقليد ريفي متوارث ارتبط بحياة الأهالي وبيوتهم وكرومهم، وبطقوس الخريف التي تعود معها معاصر العنب إلى العمل، وتتحول خلالها حبات العنب إلى منتج تختزن فيه نكهة الأرض وذاكرة الأجيال.
وخلال المهرجان، تتحول راشيا إلى مساحة مفتوحة أمام الزوار لاكتشاف المنتجات البلدية والحرفية والمونة الريفية، وفي مقدمتها دبس العنب، إلى جانب العسل والزبيب والتين المجفف والمأكولات التقليدية والمنتجات الزراعية والغذائية والحرف اليدوية.
وتستعد البلدة لاستقبال نحو 350 عارضاً من أصحاب المشاريع الصغيرة والمنتجات البلدية والحرف التقليدية، في مشاركة تعكس أهمية المهرجان بالنسبة إلى المنتجين والمزارعين والحرفيين، وتوفر لهم مساحة مباشرة للتعريف بإنتاجهم وتسويقه.
من المعاصر إلى السوق الأثري
ولا تقتصر تجربة «يوم الدبس» على الأسواق والأكشاك، إذ يتيح المهرجان للزوار التعرف عن قرب إلى مراحل صناعة الدبس، من كرمة العنب إلى عصره وغليه وتحويله إلى المنتج الذي عرفته البيوت اللبنانية منذ أجيال.
وتشكّل زيارة معاصر العنب إحدى أبرز محطات المهرجان، حيث يتابع الزوار مراحل الإنتاج ويتعرفون إلى طرق العمل التقليدية، في تجربة تربط المنتج بالمزارع والأرض والحرفة، وتعيد إحياء جانب من التراث الزراعي الذي ما زال حاضراً في راشيا وقراها.
كما يتضمن البرنامج جولات في الأحياء القديمة، وزيارات إلى سوق راشيا الأثري وقلعة الاستقلال، إلى جانب مسارات للمشي واكتشاف الطبيعة والمعالم التراثية، بما يعزز مفهوم السياحة الريفية والبيئية ويقدم للزائر تجربة متكاملة تتجاوز فكرة المهرجان الغذائي.
السياحة تلتقي بالاقتصاد الريفي
وتتحول شوارع راشيا خلال يومي المهرجان إلى مساحة نابضة بالحياة، تلتقي فيها العائلات بالزوار والمزارعين والحرفيين وأصحاب المشاريع الصغيرة، في مشهد يساهم في تنشيط الحركة الاقتصادية والسياحية، ويدعم المنتج المحلي في ظل التحديات التي تواجه المنتجين في الوصول إلى الأسواق.
وقد نجح «يوم الدبس» خلال دوراته السابقة في تكريس نفسه كإحدى المناسبات التراثية والسياحية اللافتة، مستقطباً أعداداً كبيرة من الزوار، وجامعاً بين الأسواق الشعبية والكروم والمعاصر والمواقع التاريخية والأنشطة البيئية والتراثية.
وتعمل الجهات المنظمة، من خلال استمرار المهرجان وتوسيع برنامجه، على تثبيت راشيا كوجهة سياحية لا ترتبط بموسم واحد، بل تستفيد من تنوع مقوماتها الطبيعية والتراثية، من الكروم والينابيع والمسارات الجبلية، وصولاً إلى سوقها الأثري وقلعة الاستقلال.
حضور أردني ورسالة سياحية عربية
ويضيف حضور وزير السياحة الأردني إلى فعاليات «يوم الدبس» بعداً عربياً للمناسبة، ولا سيما أن راشيا لا تقدم خلال المهرجان منتجاً زراعياً فحسب، بل تعرض جزءاً من الهوية الريفية اللبنانية بما تحمله من عادات وتقاليد وحرف ومأكولات وذاكرة جماعية.
ومن قلعة الاستقلال، تبدو الرسالة السياحية واضحة: التاريخ والتراث والإنتاج المحلي يمكن أن تشكل معاً جسراً للتواصل بين الشعوب العربية، وأن تفتح المجال أمام تعاون سياحي وثقافي أوسع بين لبنان والأردن.
وهكذا، تستعيد راشيا في كل خريف طقساً لبنانياً أصيلاً، فتحول موسم العنب إلى مناسبة للاحتفاء بالأرض وأهلها وإنتاجها، وتفتح أبوابها أمام الزوار لاكتشاف وجه من لبنان تختصر فيه حبة العنب حكاية الأرض، ويختصر الدبس ذاكرة مهنة وتراثاً ما زال حاضراً في البيوت والقرى.
«يوم الدبس» في راشيا ليس مجرد مهرجان لمنتج لبناني، بل موعد مع ذاكرة المكان، وكرم الأرض، ودفء الضيافة الراشية، ونافذة جديدة على السياحة الريفية والتراثية في لبنان.