تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

اخر الاخبار
منوعات

القارة المحرّمة: ماذا تُخفي أنتاركتيكا تحت كيلومترات من الجليد؟

محمد ناصر

حين يُذكر القطب الجنوبي، تنصرف الأذهان فورًا إلى صحراء جليدية بيضاء قاحلة، أقسى بقعة على وجه الأرض برودةً وعزلة. لكن ما تخفيه هذه القارة تحت طبقاتها المتجمدة يروي فصلًا مختلفًا تمامًا من تاريخ كوكبنا، فصلًا كانت فيه أنتاركتيكا، قبل عشرات ملايين السنين، أرضًا خضراء دافئة تمامًا.

حين كانت أنتاركتيكا غابة استوائية

ليست هذه فرضية خيالية، بل حقيقة علمية موثّقة بالأدلة الأحفورية والجيولوجية. فقبل نحو 90 مليون سنة، خلال العصر الطباشيري، كانت أنتاركتيكا جزءًا من القارة العملاقة “جوندوانا”، وتتمتع بمناخ دافئ معتدل.

في عام 2020، نشر فريق من الباحثين الألمان بقيادة العالمة يوهان كلاغس دراسة في مجلة Nature وثّقت اكتشاف عينات رسوبية من قاع البحر قرب القطب الجنوبي تحتوي على شبكة متكاملة من جذور أشجار متحجرة وحبوب لقاح، تعود لنباتات تشبه غابات نيوزيلندا المطرية اليوم.

تشير التقديرات إلى أن درجات الحرارة الصيفية في تلك الحقبة كانت تصل إلى نحو 12 درجة مئوية في المتوسط، مع أنهار وبحيرات داخلية نابضة بالحياة، دليل قاطع على أن القارة المتجمدة اليوم لم تكن كذلك دائمًا.

خريطة بيري ريس: لغز حقيقي أم سوء تفسير شهير؟

من أكثر القصص تداولًا حول أنتاركتيكا ترتبط بخريطة رسمها الأدميرال العثماني بيري ريس عام 1513، استنادًا إلى مصادر أقدم. يزعم بعض الباحثين الهواة أن الخريطة تُظهر سواحل أنتاركتيكا الشمالية بدقة تفصيلية، بما في ذلك تضاريس لم يكتشفها العلم الحديث إلا عبر الرادار في القرن العشرين، وهو ما يستخدمه أنصار نظريات الحضارات القديمة المفقودة (أبرزهم الباحث تشارلز هابغود في خمسينيات القرن الماضي) كدليل على وجود حضارة متقدمة سبقت العصر الجليدي.

لكن من الأمانة العلمية التوضيح أن المجتمع الأكاديمي المتخصص في تاريخ الخرائط يرفض هذا التفسير بشكل شبه كامل. أبرز دراسة أكاديمية متعمقة في الموضوع، للمؤرخ غريغوري ماكنتوش في كتابه The Piri Reis Map of 1513 (جامعة جورجيا، 2000)، تخلص إلى أن ما يُفترض أنه “أنتاركتيكا” في الخريطة هو في الحقيقة تمثيل مشوّه وغير دقيق للساحل الجنوبي لأمريكا الجنوبية، متصلًا بشكل خاطئ دون وجود مضيق دريك الفاصل أصلًا بين القارتين.

بمعنى آخر: الخريطة لا تُظهر أنتاركتيكا إطلاقًا، بل خطأ ملاحيًا قديمًا أُعيد تفسيره لاحقًا بطريقة مثيرة لكنها غير مدعومة علميًا.

الأنهار والبحيرات الخفية تحت الجليد

بعيدًا عن الجدل، هناك حقيقة علمية مؤكدة لا تقل إثارة: تحت طبقات جليد يصل سمكها إلى أكثر من 4 كيلومترات، يوجد نظام هيدرولوجي ضخم ومعقد. اكتُشف حتى الآن أكثر من 400 بحيرة مياه عذبة سائلة، أشهرها بحيرة فوستوك الروسية، ظلت معزولة عن الغلاف الجوي لملايين السنين بفعل الضغط الهائل للجليد والحرارة الجيوحرارية الأرضية.

هذه البحيرات المعزولة تمامًا تثير اهتمامًا علميًا حقيقيًا وجادًا، إذ يراها علماء الأحياء الفلكية (Astrobiology) نموذجًا مصغّرًا لما قد يوجد تحت الغطاء الجليدي لأقمار يوروبا (تابع المشتري) وإنسيلادوس (تابع زحل)، حيث يُحتمل وجود محيطات مياه سائلة مشابهة قد تحتضن أشكال حياة ميكروبية.

معاهدة أنتاركتيكا: حين تحوّلت القارة إلى أرض محايدة

وسط التوتر الجيوسياسي للحرب الباردة، وُقّعت عام 1959 معاهدة أنتاركتيكا، التي حظرت أي نشاط عسكري في القارة وخصصتها حصريًا للبحث العلمي السلمي المشترك. هذا الحظر الصارم، إلى جانب صعوبة الوصول الفعلي لمعظم مناطق القارة، غذّى على مدى عقود نظريات مؤامرة متعددة، من إشاعات حول قواعد نازية سرية أُقيمت نهاية الحرب العالمية الثانية (وهي شائعات لا يدعمها أي دليل تاريخي موثّق، رغم ارتباطها بعملية استكشاف أمريكية حقيقية عام 1946 تُعرف بـ”المهمة الكبرى العالية” Operation Highjump)، وصولًا لادعاءات أكثر تطرفًا حول حضارات متقدمة أو بوابات زمنية، تبقى جميعها ضمن خانة الأساطير الحديثة دون أي سند علمي.

خلاصة

أنتاركتيكا ليست مجرد نهاية العالم الجغرافية، بل سجل حي لحقبة كان فيها كوكبنا أخضر ودافئًا تمامًا، تؤكده الأحافير لا الأساطير. وبينما تبقى بعض النظريات حول حضارات قديمة مفقودة جزءًا مسليًا من الخيال الشعبي، فإن الحقيقة العلمية الموثّقة وحدها كافية لإثبات أن هذه القارة المتجمدة تخفي تحت طبقاتها تاريخًا أغرب بكثير مما نتخيل.

* كاتب محتوى ثنائي اللغة (عربي – إنجليزي)

linkedin.com/in/mohammed-naseer-1bb596412

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock