تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

اخر الاخبار
منوعات

كاسبار هاوزر: الصبي الذي وُلد من العدم


محمد ناصر *

في السادس والعشرين من مايو عام 1828، لاحظ أهالي مدينة نورمبرغ الألمانية (ضمن مملكة بافاريا آنذاك) صبيًا مراهقًا يتجول في الشوارع بخطى مترنحة وملابس فلاح رثة، عاجزًا عن الكلام بوضوح، ممسكًا برسالة غامضة موجّهة إلى قائد كتيبة الفرسان السادسة. لم يكن أحد يعلم حينها أنهم أمام بداية واحد من أكثر الألغاز التاريخية إثارة للجدل في أوروبا القرن التاسع عشر.

رسالة بلا توقيع، وطفولة بلا ذكريات

حملت الرسالة التي كان يحملها الصبي تفاصيل غريبة: ادّعى كاتبها المجهول أن الطفل، الذي أسماه كاسبار هاوزر، وُلد في 30 أبريل 1812، وأن والده كان فارسًا توفي، وأن الكاتب تلقّاه رضيعًا في أكتوبر 1812 وربّاه بمفرده دون أن يسمح له بمغادرة المنزل إطلاقًا، أي أن أحدًا لم يرَ هذا الصبي طوال طفولته بأكملها.

لم يكن كاسبار قادرًا سوى على ترديد عبارة واحدة بلهجة بافارية بدائية: “أريد أن أصبح فارسًا كما كان أبي”. احتُجز في البداية في برج “لوجينسلاند” بقلعة نورمبرغ تحت رعاية السجّان أندرياس هيلتل، قبل أن تتبنّاه المدينة رسميًا وتموّل تعليمه.

موهبة الرسم، وحاسّة الليل الخارقة

تولّى المعلّم جورج فريدريش دومر رعاية كاسبار وتعليمه القراءة والكتابة، واكتشف لديه موهبة استثنائية في الرسم.

كما لاحظ من حوله أن الفتى يتمتّع برؤية ليلية حادة وحاسّة شم قوية بشكل غير معتاد، تفاصيل استُخدمت لاحقًا كدليل على صحة روايته عن عزلته الطويلة في مكان مظلم، إذ زعم أنه عاش حياته كلها حبيسًا في زنزانة أو قفص صغير مظلم، لا يملك سوى الخبز والماء وبطانية صوفية وحصانَين خشبيَّين كلعبة وحيدة، دون أن يرى وجه آسره قط.

محاولة اغتيال أولى

في 17 أكتوبر 1829، أي بعد أقل من عامين على ظهوره، زعم كاسبار أن رجلاً ملثّمًا هاجمه وهو في المرحاض الخارجي، وجرح جبهته بسكين قائلاً له: “لا بد أن تموت قبل أن تغادر نورمبرغ”. ادّعى كاسبار أنه تعرّف على صوت الرجل باعتباره الشخص نفسه الذي أحضره إلى المدينة أول مرة.

تدخّل حينها اللورد البريطاني ايرل ستانهوب، الذي أُعجب بقصة الفتى وتبنّاه ماليًا، وأرسله لاحقًا للدراسة في مدينة أنسباخ تحت إشراف المربّي يوهان غيورغ ماير. لكن ستانهوب نفسه، بعد سنوات، أصبح من أشد المشكّكين في رواية كاسبار بأكملها، ونشر لاحقًا كتابًا اعترف فيه صراحة بأنه “خُدع”، ما عرّضه لاحقًا لاتهامات من أنصار كاسبار بأنه متورط في مقتله، وهي اتهامات يرفضها المؤرخون الأكاديميون الذين يدافعون عنه كرجل خيّر صادق النية.

الطعنة الأخيرة

في 14 ديسمبر 1833، عاد كاسبار إلى المنزل مصابًا بجرح طعنة عميقة في صدره، زاعمًا أن غريبًا استدرجه إلى حديقة عامة وطعنه. توفي بعد ثلاثة أيام، دون أن يقدّم تفاصيل إضافية حاسمة. لاحظ الأطباء حينها أن زاوية الجرح وعمقه يتوافقان مع احتمال أن يكون قد أصاب نفسه بنفسه عن طريق الخطأ أثناء محاولة تمثيل إصابة أخف.

نُقش على شاهد قبره في مدينة أنسباخ، باللاتينية، عبارة باتت ملخّصًا لقصته بأكملها: “هنا يرقد كاسبار هاوزر، لغز عصره… مجهول مولده، غامض موته”.

نظرية الأمير المخطوف

الأكثر إثارة بين النظريات أن كاسبار كان في الحقيقة وريث عرش دوقية بادن، أُخفي عمدًا واستُبدل برضيع آخر توفي بعد أيام، في مؤامرة قصر لصالح فرع آخر من العائلة الحاكمة.

عام 1996، قارن علماء عيّنة من الحمض النووي الميتوكوندري أُخذت من خصلة شعر وملابس محفوظة لكاسبار بعيّنات من نسل الأميرة ستيفاني دو بوهارنيه، والدة الأمير المفترض أنه هو. لم تكن النتيجة متطابقة تمامًا، لكنها كانت قريبة بما يكفي لدرجة أن الباحثين وصفوا النظرية بأنها “لا يمكن استبعادها نهائيًا”، دون أن تُثبتها بشكل قاطع أيضًا.

الرأي العلمي الحديث: محتال بارع أم ضحية حقيقية؟

رغم الغموض المستمر، يميل معظم المؤرخين والباحثين المعاصرين اليوم إلى النظر لقصة كاسبار بعين أكثر تشككًا. لاحظ من عاشوا معه، مثل عائلة بيبرباخ التي استضافته لفترة، ما وصفوه بـ”كذبه المروّع” و”براعته في التمثيل والخداع”. ويرى بعض الباحثين أن كاسبار ربما كان يعاني مما يُعرف اليوم بمتلازمة مونخهاوزن، وهي حالة نفسية يفتعل فيها الشخص إصابات لنفسه بدافع لا واعٍ لجذب الاهتمام والتعاطف.

يبقى السؤال الحقيقي الذي لم يُحسم حتى اليوم ليس فقط “من كان كاسبار هاوزر؟”، بل أيضًا: لماذا تظل تفاصيل مثل تشوّه قدميه وساقيه، الذي لاحظه الأطباء عند ظهوره أول مرة، دون تفسير مُرضٍ حتى الآن، سواء كانت روايته صادقة بالكامل أم مختلَقة بذكاء استثنائي؟.

 *كاتب محتوى ثنائي اللغة (عربي – إنجليزي)

linkedin.com/in/mohammed-naseer-1bb596412

 

* تصوير توضيحي تخيّلي لكاسبار هاوزر

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock