نايلة نيكولا… لبنان في وجدانها، وأطفال العالم في عهدتها
قلب لبناني لم تغادره جذوره، وعقل علمي تجاوزت إنجازاته حدود الوطن.
منذ 4 ساعات
2 دقائق
22,423 مشاهدة
بقلم أكرم مندامي زين الدين *
«إذا لم أكن لبنانية، فلا وجود لي». بهذه الكلمات اختصرت الدكتورة نايلة نيكولا انتماءً لم تنل منه المسافات، ولا غيّرته النجاحات. حملت لبنان في وجدانها، ومضت بعلمها إلى فرنسا، حيث وجدت بيئة احتضنت كفاءتها. وفي معهد كوري بباريس، وبعد ست سنوات من العمل ومتابعة 670 مريضًا، نالت عام 2026 جائزة جاك لوفيفر (Jacques Lefebvre) التي تمنحها الجمعية الأوروبية لأشعة الأطفال، تقديرًا لبحثها في تطوير مسار تشخيصي متدرج وقليل التدخل لأورام الأنسجة الرخوة لدى الأطفال والمراهقين. وخلف هذا الإنجاز أطفال ينتظرون التشخيص، وعائلات تحصي أيام القلق، وعلم يسعى إلى اختصار الانتظار وتخفيف المعاناة.
لكن ما استوقفني ليس الجائزة وحدها، بل المسافة بين لبنان الذي بدأت فيه رحلتها، وفرنسا التي اتسعت فيها آفاق علمها. لم يتغير عقلها عند عبور الحدود، وإنما انفتحت أمامه الإمكانات. وهنا يطلّ سؤال اقتصادي قلّما نطرحه: نحسب ما يرسله المغترب إلى لبنان، ولكن من يحسب ما كسبه العالم من لبنان حين استقبل عقول أبنائه؟ فخلف كل طبيب وباحث ومهندس ناجح سنوات من التعليم والخبرة، ورأس مال بشري يتحول في اقتصادات أخرى إلى معرفة وابتكار وقيمة مضافة.
غير أنني لا أرى في الاغتراب خسارة محتومة، ولا في العودة الجغرافية شرطًا لاستعادة هذه القيمة. المطلوب ألا يبقى لبنان بلدًا يصدّر الكفاءات ويستورد أخبار نجاحها، بل أن يصبح شريكًا في القيمة التي تنتجها أينما كانت. والسبيل إلى ذلك جسور علمية ومؤسسية تربط جامعاته ومستشفياته بكفاءاته المنتشرة في العالم، فتحوّل الاغتراب من مصدر للتحويلات المالية وحدها إلى رافعة للمعرفة والتنمية. وفي اختصاص كاختصاصها، لا تحتاج الخبرة إلى تذكرة عودة: صورة رنين مغناطيسي لطفل في بيروت يمكن أن تُقرأ في باريس في اليوم نفسه، ومسار تشخيصي تقوده الأشعة، أثبت جدواه في فرنسا، يمكن أن يُعتمد في مستشفيات لبنان من دون أن تغادر صاحبته مكانها.
ولعل أجمل ما في حكاية نايلة أنها لم تغلق باب لبنان خلفها. فمن ترى أن لا وجود لها خارج لبنانيتها، لا تحتاج إلى من يقنعها بلبنان، بل إلى من يفتح لها فيه بابًا مهنيًا يليق بما بلغته. وفي ذلك رسالة تستحق أن تسمعها المؤسسات اللبنانية: الكفاءة لا تطلب المستحيل، بل تحتاج إلى مؤسسة تعرف كيف تحوّل المعرفة إلى عمل.
قالت نايلة: «إذا لم أكن لبنانية، فلا وجود لي». وأقول: ما دام لبنان حاضرًا بهذا العمق في وجدان أبنائه، فليس السؤال كم لبنانيًا نجح في العالم، بل كم من هذا النجاح عرف لبنان كيف يحوّله إلى مستقبل.
*مستشار وخبير في الشؤون الاستراتيجية والتنمية الاقتصادية