تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

اخر الاخبار
مقالات رأي

 نُريد أن نضبطه بالجرم المشهود

الدكتور/ محمد حسين *

 كانا روبرت فيليب هانسن (المولود في 18 أبريل 1944) عميلًا سابقًا لمكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، وقد تورط في جريمة نكراء تمثلت في التجسس لصالح الاستخبارات السوفيتية والروسية ضد الولايات المتحدة الأمريكية طوال الفترة من عام 1979 وحتى عام 2001. وقد وصفت وزارة العدل الأمريكية أفعاله بأنها “ربما أسوأ كارثة استخباراتية في تاريخ البلاد”، وحُكم عليه بالسجن مدى الحياة خمس عشرة مرة، نظراً لخطورة منصبه الحساس في إدارة مكافحة التجسس.

لقد باع هانسن آلاف الوثائق السرية للغاية التي تفصل استراتيجيات الولايات المتحدة في حالات الحرب النووية، وتطورات تقنيات الأسلحة العسكرية، وأسرار برنامج مكافحة التجسس. والأدهى من ذلك والأعظم خطورة أنه سلّم المخابرات السوفيتية أسماء عملاء سريين كانوا يعملون لصالح واشنطن! وحين نتأمل هذا السجل الأسود، يتملكنا الذهول أمام حجم الكارثة التي ألحقها بالأمن القومي الأمريكي، وفدحة الخيانة وجسامة الرغبة في الانتقام منه.

 وعندما بدأ الشك يساور الأجهزة الأمنية، كُلف الشاب إريك أونيل، وكيل مكتب التحقيقات الفيدرالي، بالعمل عن قرب لمراقبة هانسن ورصد تحركاته. وأثناء عملية الرقابة، اكتشف أونيل عالمًا خفيًا وسلوكيات مشينة لهانسن كانت كفيلة بإدانته جنائيًا في قضايا بعيدة تمامًا عن التجسس. ورغم سهولة إغلاق الملف عبر توجيه تلك التهم الجنائية، إلا أن قرار مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) جاء قاطعاً وحاسمٌا “نُريد أن نضبطه بالجرم المشهود.. نريد أن نضبطه بتهمة التجسس ذاتها. لقد رفضوا الاكتفاء بالجرائم الجنائية الجانبية، ليكون الهدف الأسمى هو القبض على الجاسوس متلبسًا بجريمة الخيانة ذاتها، وتقديمه لمحاكمة عادلة وشفافة على مرأى ومسمع من الشعب الأمريكي بأسره.

 هذه هي الكفاءة المؤسسية الحقيقية؛ فمن السهل جدًا، بل ومن أبسط الأمور، تصفية المجرمين خارج نطاق القانون أو تلفيق القضايا الوهمية لهم؛ وتلك هي حيلة “العاجز” في النظم الاستبدادية الفاشلة. فالاستبداد لا يتكلف سوى رصاصة غادرة أو بضع مليمترات من السم لتتخلص السلطة من خصومها. أما أن تملك من الكفاءة الأمنية والتقنية ما يتيح لك ضبط مجرم متلبس بالجرم المشهود، وجمع الأدلة القاطعة التي تثبت جرائمه، ثم تقديمه لمحاكمة علنية يدافع فيها عن نفسه أمام قضاء مستقل، فهذا أمر شديد الصعوبة يتطلب عزمًا، ومثابرة، وإمكانيات مائلة، واحترامًا مطلقًا للإنسان والقانون.

 إن الدولة المحترمة التي تدار بعدالة، وتحترم القانون والعلم وحقوق الإنسان، هي وحدها التي تسمح بوصول الكفاءات الحقيقية إلى مواقع العمل العام، وتستثمر في التعليم والبحث العلمي لتشهد تقدماً حقيقياً في شتى مناحي الحياة. ناهينا عن أنه حتى في حالات “التصفية خارج القانون”، يستحيل على المجتمع التأكد يقيناً مما إذا كان المستهدف هو المجرم الحقيقي أم بريء جرى التخلص منه ظلماً. إن المثول أمام منصة القضاء العادل هو الدليل الوحيد على كفاءة الدولة من ناحية، وعلى ثبوت الجريمة ويقين الجاني من ناحية أخرى.

* أستاذ القانون الدولي العام، المستشار القانوني وخبير السياسات العامة والتدريب

 [email protected]

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock