الحياد واللامركزية واستعادة المبادئ التأسيسية للميثاق الوطني اللبناني
منذ 6 ساعات
3 دقائق
38,111 مشاهدة
بقلم: طوني نيسي *
لم يُنشأ لبنان يوماً ليكون ساحةً للصراعات الإقليمية، أو امتداداً لأطماع القوى الخارجية ومشاريعها السياسية، أو وطناً تفرض فيه جماعةٌ على سائر الجماعات هويّتها أو عقيدتها أو تفسيرها الخاص للتاريخ، بل قام ليكون وطناً سيّداً ومستقلاً، يجمع تحت سقفه ثقافات متعدّدة وتقاليد دينية ولغات وهويّات تاريخية مختلفة، تشكّل بتنوّعها جوهر خصوصيّته الوطنية، بدلاً من أن تتحوّل إلى ذريعة دائمة للصراعات السياسية والتدخّلات الخارجية.
لم يكن الميثاق الوطني لعام 1943 مجرّد اتفاق على توزيع المسؤوليات والمناصب السياسية بين الطوائف اللبنانية، بل كان في جوهره تفاهماً وطنياً هدفه صون استقلال لبنان، من خلال التزام متبادل بألّا تستقوي أيّ جماعة بالخارج لفرض إرادتها على الجماعات الأخرى، وألّا تسعى أيّ جماعة إلى تذويب سيادة لبنان ضمن مشروع سياسي إقليمي أوسع، وهو ما أرسى الأسس السياسية لمبدأ الحياد الذي يحمي الوطن من الارتهان للمحاور والصراعات الخارجية.
وعليه، فإنّ الحياد ليس مفهوماً جديداً ينبغي على اللبنانيين ابتكاره، بل هو مبدأ تأسيسي متجذّر في فلسفة الميثاق الوطني، يستوجب استعادة معناه الأصلي وتفعيله، انطلاقاً من أنّ إقامة العلاقات الدبلوماسية والثقافية والاقتصادية مع دول الجوار والعالم لا تعني بالضرورة الانخراط في صراعاتها أو الخضوع لاستراتيجياتها السياسية والعسكرية.
إلّا أنّ التطوّرات السياسية المتعاقبة، والتدخّلات الخارجية، وتعاظم نفوذ التنظيمات المسلّحة، أدّت تدريجياً إلى إضعاف هذا المفهوم، فيما ساهمت الحرب اللبنانية والتسويات السياسية التي أعقبتها في تكريس واقع عجزت فيه الدولة عن ممارسة سلطتها الحصرية على كامل أراضيها، وعن الإمساك بقراراتها الأمنية والسيادية بصورة مستقلّة.
وقد جاء اتفاق الطائف عام 1989، على الرغم من مساهمته في وضع الإطار السياسي لإنهاء الحرب، ليُدخل إلى الدستور تعريفاً للبنان بأنّه «عربيّ الهوية والانتماء»، وهي صيغة أرى أنّها لم تُنصف التعدّدية التاريخية والحضارية التي يتميّز بها لبنان، وتستوجب إعادة النظر فيها من خلال نقاش وطني ديمقراطي حرّ، ولا سيّما أنّ الاتفاق أُبرم في ظروف استثنائية طغت عليها موازين القوى العسكرية والتدخّلات الخارجية التي أثّرت في الحياة السياسية اللبنانية.
فلبنان ليس وطناً لثقافة واحدة، ولا لهوية تاريخية واحدة، ولا لإرث لغوي واحد، بل هو وطن لمواطنين ينتمون ثقافياً وحضارياً إلى روافد متعدّدة، منها العربية والسريانية الآرامية والفينيقية والأرمنية وغيرها، ولا يجوز أن تكون المواطنة المتساوية مشروطة بتبنّي أيّ لبناني للرواية التاريخية أو الانتماء الثقافي الذي تعتمده جماعة أخرى، مهما بلغ حجمها العددي أو نفوذها السياسي.
إنّ الهوية الوطنية للبنان يجب أن تكون لبنانية حصراً، فيما تبقى الهويّات الثقافية متعدّدة وحرّة ومتساوية في الاحترام والحماية، لأنّ الوحدة الوطنية لا تُبنى بفرض التجانس الثقافي، كما أنّ العيش المشترك لا يمكن أن يستمرّ إذا تحوّلت رؤية جماعة واحدة للتاريخ والهوية إلى تعريف إلزامي يُفرض على سائر اللبنانيين.
وينبغي أن ينسحب هذا المبدأ على الحياة السياسية أيضاً، بحيث تتنافس الأحزاب على البرامج والمشاريع الوطنية بدلاً من التعبئة الطائفية والارتباطات الخارجية، وحيث يشكّل احتفاظ حزب الله ببنية عسكرية مستقلة عن سلطة الدولة تناقضاً جوهرياً مع مفهوم السيادة اللبنانية، إذ لا يجوز لأيّ تنظيم سياسي، مهما كانت هويّته الدينية أو المبرّرات التي يستند إليها، أن يمتلك سلطة تقرير الحرب والسلم خارج المؤسسات الدستورية الشرعية.
ولا يستهدف هذا الموقف الطائفة الشيعية أو أيّ طائفة لبنانية أخرى، بل ينطلق من مبدأ أساسي مفاده أنّ جميع اللبنانيين يجب أن يخضعوا لسلطة دستورية واحدة، ولسياسة دفاعية وطنية واحدة، ولدولة واحدة لا تتقاسم سيادتها مع تنظيمات مسلّحة أو قوى سياسية مرتبطة بمشاريع خارجية.
أمّا اللامركزية، فتشكّل المكمّل الداخلي الضروري للحياد، إذ تتيح للمواطنين والمجتمعات المحلية إدارة شؤونهم الإنمائية والإدارية والاقتصادية والسياسية بقدر أكبر من الحرية والمسؤولية، مع المحافظة على وحدة الجمهورية اللبنانية وسيادتها الحصرية في مسائل الدفاع والسياسة الخارجية والضمانات الدستورية والمواطنة المتساوية، ومن دون السماح بتحويل الاستقلالية المحلية إلى وسيلة للهيمنة الطائفية أو التقسيم الجغرافي.
إنّ مستقبل لبنان لا يتطلّب التخلّي عن تنوّعه، ولا اختراع رسالة وطنية جديدة، بل يستوجب استعادة استقلال قراره بعيداً عن الهيمنة الخارجية، وتطبيق لامركزية فعلية، وتكريس حصرية السلاح والقرار الأمني بيد الدولة، والإقرار بأنّه لا يحقّ لأيّ جماعة أن تفرض هويّتها الدينية أو الثقافية أو السياسية على جميع اللبنانيين.
فلبنان يجب أن يبقى لبنانياً في هويّته الوطنية، تعدّدياً في ثقافاته، حيادياً في توجّهاته الدولية، لامركزياً في إدارته، وسيّداً في قراراته، لأنّه وطن لجميع أبنائه على قدم المساواة، وليس ملكاً حصرياً لأيّ طائفة أو حزب سياسي أو قوة خارجية.
* رئيس لجنة متابعة تنفيذ قرارات مجلي الأمن الخاصة بلبنان