تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

اخر الاخبار
مقالات رأي

صخرة فيليب سالم ونظرية الحياد الفاعل

يوسف طراد

لَكانَت الوطنيّة، ورسالة الطبّ معها، يستحقان، من كل وطنيٍّ لبنانيِّ، أن يبذل الجهد، أقصاه، في سبيل شفاء الشعب والمجتمع ورفعة الوطن وسعادة أهله. ثمَّ، إنَّ الطبّ هو علمُ التشخيص والمداواة، فكم يشبه السياسة الحقّة التي هي علم تشخيص أمراض الشأن العام والعمل على شفائها. فابتعاد الإنسان عن الإنسانيّة، التي هي ركيزة علم الطب والسياسة، يُسقطه. فإنّ للوطن الجميل لبنان حقًّا على كلّ من يحمل الجنسيّة اللّبنانيّة ويفتخر بها، وبخاصّة من هو متعلّق بالوطن والأمّة اللّبنانيّة إلى أقصى الحدود، ومرتبط بهما حنينًا وعلمًا وثقافة سياسيّة، وتوّاق لهناء شعب وطنه.

كتب سياسيّة عديدة أصدرها البروفسور فيليب سالم، وكان آخرها «لبنان والحياد الفاعل»، من إعداد أسعد الخوري والذي تضمّن قسمين: القسم الأوّل تكلم خلاله عدد من الكتّاب على الحياد الفاعل بحسب فكر فيليب سالم، وقد علّلوا موقفه من هذا الحياد في أحد عشر مقالًا نُشرت في الجرائد والدوريّات اللّبنانيّة، والقسم الثاني ضمّ واحدًا وعشرين مقالًا لسالم وقد نُشر قسم منها في الصحف اللبنانيّة، وألقى سالم القسم الآخر في صروح ثقافيّة لمناسبات سياسيّة ووطنيّة عدّة.

رسم فيليب سالم حلم الوطن كلمات ثورة وحلم وحرّيّة. وكان رسّام الكلمة الحرّة، والغضب الفكريّ، في خضم الثورة والإلتزام الفلسفي والسياسي السيادي النبيل. كما كانت مقالاته نبض لبنان الأصيل بالذاكرة والروح والجمال والأرض الأبيّة الخضراء، بقدر ما كانت خارطة طريق رسم على ناصيتها حلم الصمود وهناء العيش في إطار الحياد الفاعل.

أعلن سالم في كتابه بداية عصر جديد: لا سلاح خارج إطار الشرعيّة، لا حرب إلّا في سياق الدفاع عن النفس، حياد فاعل في مجال الأمن، تأمين حدود الوطن وصيانتها، عدم تدخّل الدول الإقليمية والعالمية بالشؤون والشجون اللّبنانيّة، عدم انجرار الشرائح اللّبنانيّة إلى مشاكل المنطقة التي لا تنتهي إلّا بإحقاق الحق لكل شعوبها، الإستقلال الناجز والسيادة الكاملة، فصل الدين عن الدولة… وعلى الرغم من طرحه لهذه الشعارات التي وضع لها خطّة ممنطقة من أجل تحقيقها، أصرّ على دور لبنان الفاعل في السياسة الخارجيّة، ووقوفه مع القضايا المحقّة، وإبداء الرأي الصائب النابع من المصلحة الوطنيّة، والذي يهدف إلى ترميم الإنسانيّة المشرذمة في هذا الشرق الحبيب. من هنا جاءت فاعليّة الحياد الذي طرحه في أكثر من مرحلة ومناسبة.
تبدأ حكاية فيليب سالم ببريق العدالة، وحلم جميل يشبه كلّ حكايا الأوطان التي نهاجر إليها طلبًا للعلم والإستقرار والأمن السياسي والأمان الاجتماعي والاقتصادي.

فقد أصبح لبنان متعبًا جدًا من ظلم الأخوة، لكن الأمور تتغيّر ولو بطريقة دراماتيكيّة كالحرب الدائرة على أرضه اليوم، فشرائح المجتمع اللّبناني التي انجرفت في تيّارات خارجيّة تهدف إلى إرساء ولايات ذات عداء دائم مع الداخل والخارج، أصبحت أكثر استعدادًا لتغيير جلدها بعد تغيير قناعاتها، كما وأصبحت أكثر قدرة على رفض الشعارات التي تجر الويل في حال تطبيقها، وأكثر قدرة على تغيير هذه الشعارات. فالكتاب لا يصف حالة إنسان مسالم يحلم بوطن أفلاطوني، بقدر ما هو نقد لتنظيمات خارجة عن السلطة، حاملة ذاكرة عن ضحية ظلم من التاريخ، ورغبة جلّاد من الحاضر في الوقت نفسه، متجاهلة رسالة تلك الضحية التي تدعو إلى التسامح والإنكفاء في الملمّات من أجل حماية الرعيّة. فالمؤتمنون على هذه التنظيمات المؤدلجة والمسلّحة لا يكرهون الظلم لأنّه ظلم، لكن لأنّهم لم يكونوا هم الذين يمارسونه في معظم الأوقات.

حكايا المقاومة الواهية بدأت بإسم المحرومين والفقراء والمحتاجين والمظلومين، وانتهت بامتيازات طبقة جديدة، ولم تكتفِ بشعارات معلّقة على الجدران والتي يتغيّر معناها في الليل. وقد رفع المؤدلجون المؤتمنون على هذه المقاومة شعار السيادة، إلى أن أصبح لديهم قدرة على انتهاك هذه السيادة من خلال التفرّد في القرار الذي جلب الويل والاحتلال. هؤلاء ينظّرون عن السيادة وهم في مقارعة مع السلطة، أما استراتيجية السلطة لاستعادة السيادة وصون الوطن فهي بالنسبة إليهم خيانة، وقد أصبح معظم الشعب اللّبناني بنظرهم خائنًا.

أمّا في الأمور الأساسيّة الأخرى، فقد ألقى سالم الضوء على من يهاجم الفساد ثم يعيد إنتاجه بأسماء جديدة، وعلى من يبكي على الشعب ويطلب منه الصمت عندما يصل إلى السلطة، معللًا الطلب بعدم قدرة الشعب على فهم المرحلة الآنيّة. ولم يتكلّم سالم عن الإستبداد الخطِر بوجهه القديم فقط، بل عن قدرة السلطة التي تتماهى مع الدويلة داخلها وإعادة الإستبداد بوجه جديد ولغة جديدة، إستبداد يرتدي أحيانًا جلباب رجل دين، وأحيانًا أخرى يحمل كتابًا مقدّسًا، وفي أغلب الأحيان يتحدّث باسم الأمة والأمن، لكن النتيجة واحدة، هناك من سيظل يجر الوطن إلى غايات بعيدة عن حلم أبنائه.

فسالم يعلم أنّ المشكلة ليست بحصر السلاح بيد القوى الأمنيّة فقط، بل بتغيير فكرة التبعية الفقيهيّة، لأنه إذا استلمت القوى الأمنية الأمن وحدها، وبقيت الأيديولوجيّة الخارجية مسيطرة، أكانت قادمة من الشرق أو من الغرب، ستتغيّر لافتة المرحلة فقط من دون المضمون، وربما يصبح السلاح أكثر قسوة لأنه سيحمل شرعية المقاومة وحجّة الحفاظ على الدولة، ويكون هنالك العديد من حفلات الصخب السياسي المشؤوم على غرار «7 أيّار».

فجميع من حمل السلاح بعد اتّفاق الطائف، لم يسرق الخبز الوطني فحسب، بل حاول سرقة ذاكرة اللّبنانيّين الشرفاء ولغتهم الوطنية، ومقاومتهم لمن حاول جعل لبنان وطنًا بديلًا عن وطنه المسلوب، أو إلحاقه بولاية فقيهيّة تعيد سيطرة الإمبراطوريّة الفارسيّة وتقوّض الأنظمة الشرق أوسطيّة. فأعادوا تعريف الثوابت حتى أصبح الإعتراض، مجرّد الإعتراض، على هذه التعاريف خيانة، والإنهيار الاقتصادي والجوع صبر وطني، لذلك نصحونا بزراعة الشرفات.

وكانت العبرة من كتاب سالم ليست في الثورة على الظلم فقط، بل في عدم تقديس من يثور على العيش المشترك بحجّة الظلم. وأبى صاحب نظرية «الحياد الفاعل» أن يسلّم الحلم إلى مجموعة تحاول تهميش اللّبنانيّين واحتكار المقاومة، كما حصل مع جبهة المقاومة اللّبنانيّة «جمول». لأنّ الأحلام التي لا يحرسها أصحابها تتحوّل بسرعة كبيرة إلى واقع احتلال جديد وربما استيطان دائم. كما تتحوّل إلى سلطة مطلقة مهيمنة على الشرعيّة ولها نشيد جديد وجلّاد جديد.

هل كان عقاب فيليب سالم من دون نهاية؟ كلّنا نسمع بأسطورة «سيزيف»، وبالصخرة المتدحرجة التي تشبه قضيّة لبنان، فيدفعها إلى القمّة نخبة من الوطنيّين، لكن كلّما اقترب الوطن من قمّة السلام تتدحرج صخرته إلى الأسفل. ويعود «السيزيفيّون» يدفعونها من جديد إلى القمّة المتمثلة بالحياد الفاعل، وتعاود السقوط قبل الوصول وهكذا دواليك. وكأنّ الحياة الوطنيّة عندهم صعودٌ لذيذ متعب، دافعين الوطن إلى قمّة السلام من دون نتيجة.

هذه الأسطورة التي عاشت طويلًا، لا تتكلّم عن «سيزيف» وحسب، بل عن كلّ إنسان مصمم على الوصول إلى هدف ارتضاه لنفسه، سواء كان الهدف وطنيًا أو إنسانيًّا أو اجتماعيًّا… ويبقى في سعيٍّ دائمٍ وعمل مستمرّ لا ينتهي، وكلّما اقترب من تنفيذ الحلم يبتعد الهدف. وتبقى جميع المحاولات الإصلاحيّة دون مستوى العلاج نسبةً إلى العبء الخارجيّ. فصخرة الفيليب، رمزٌ لعمله الأكاديمي في مجال علاج الأمراض السرطانيّة وهمّه الكبير في علاج الأمراض الوطنيّة اللّبنانيّة، التي تشبه أمراض السرطان الذي لا شفاء منه وقد أصبحت قدرًا جماعيًّا. لذلك حاول سالم إعادة شرح مفهوم الدولة ومعنى القانون والمواطنة والحرّيّة والكرامة والسيادة، في معمعة موجات متلاحقة من الخيبات الوطنيّة. وعلى رغم تدحرج صخرة الوطن يعود مع أترابه إلى أسفل الجبل نفسه بهمم عالية.

لماذا لا يترك فيليب سالم الصخرة ويستسلم ويقول: سئمت وانتهت الحكاية؟ ربّما يعرف أنّه في كلّ مرّة كاد أن يوصل الوطن إلى القمّة المرتجاة، يكاد يقترب من فكرة حقيقة العدم المطلق. لذلك لم يرض أن يكون شاهدًا غير مبالٍ على انهيار حلمه اللّبناني.
هناك قراءات عديدة لأسطورة «سيزيف»، منها مقولة عودة سيزيف إلى الصخرة في حالة انتصار، لأنّه يعود إليها كما البروفسور سالم بوعيه الكامل غير مخدوع، لا ينتظر مكافأة، رافضًا أن يكون الخواء الوطني أقوى من محاولاته العديدة، هو العالِم المدرك أن الأمور صعبة والخيبة مسيطرة ومستمرّة، وأنّ طريق الجهاد الوطني لا يكافأ عليها الطيبون بل يستشهدون. مع ذلك درس وتفوّق وعالج وكتب وأحبّ، وفي كلّ مرّة حاول ويحاول ايجاد الدواء الناجع.

كما أنّ فيليب سالم مدرك لتطوّر الأورام الخبيثة، وقد قطع شوطًا كبيرًا في معالجتها، كذلك هو على يقين تامٍ بمشاكل وطن الأرز. وقد تأكّد من أنّ المشكلة ليست بالصخرة، بل بتحوّل هذه الصخرة الى حجّةً للخنوع والرضوخ. وقد آل على نفسه أن لا يرتاح داخل حقول الهزائم الوطنيّة. هو المؤمن بأنّ معنى وجود الوطن لا يولد فقط من إيصال صخرته إلى القمّة، بل من معجزة الإصرار ورفض الظلم والفساد في كلّ خطوة يقوم بها «السيزيفيّون» وهم يعلمون أنّ الطريق صعب وشاق وطويل. وقد كان الفيليب مثالًا بصدقه ومثابرته وعدم استسلامه لكلّ من يدّعي الحفاظ على السيادة. فهو يعرف حجم الصخرة وانحدار الجبل الكبير، محاولًا ترسيخ ذاكرة السقوط في كيان اللّبنانيّين من أجل العبرة. ففي كلّ مرّة يحاول رفع الصخرة يبعد الخيبة كي لا تكون هي الرافعة.

«السيزيفيّون» كفيليب سالم كثر، وقد تقاطعت مؤلّفاتهم على هدف حياد لبنان الفاعل. فمن يقرأ كتاب «القضيّة اللّبنانيّة في فكر الدكتور شارل مالك» الصادر عام 2018 لميشال الشمّاعي يعلم كم خسرنا من عمر الوطن من أجل القضايا الكبرى المتعلّقة بغيرنا وبصراع وكلاء الله وأنبيائه بيننا. هي القضايا التي سلّط سالم الضوء عليها. على سبيل المثال لا الحصر، ورد في الصفحة 133 و134 من كتاب «الحياد الفاعل» مقالٌ لفيليب سالم نشرته جريدة النهار في 31 أيّار 2018 وهذا مقتطف منه: «الحياد الفاعل لا يعني الحياد السياسيّ بل يبقى لبنان ملتزمًا القضايا العربيّة والمحقّة.

إنّ سياسة الحياد الدفاعي هي سياسة إستباقية للحؤول دون وقوع لبنان ضحية لـ»حروب الآخرين»؛ وسياسة تجنّب لبنان الأزمات والحروب. وكيف يمكنك أن تتجنّب الحرب إن لم تخطط للسلام؟ نحن نريد حيادًا دفاعيًا فاعلًا يصب في مصلحة لبنان ويؤمّن له السلام، حيادًا تحت سقف الجامعة العربيّة وسقف الشرعيّة الدوليّة، حيادًا يبقي لبنان خارج الصراعات العربيّة-العربيّة وخارج الصراعات الإقليميّة». ومن يقرأ كتاب «لبنان الوجود والعدم» الصادر عام 2012 لناجي نعمان، يتأكّد من سيزيفيّته التي تشبه سيزيفيّة فيليب سلام وميشال الشمّاعي وكلّ الذين كتبوا عن لبنان وعن طرق الخلاص من معاناته.

ناجي نعمان مروّج الثقافة هو الذي جاهر برأيه أمام كوكبة من الدكاترة والمثقّفين في حلقة من حلقات مجلسه الأدبي قائلًا: «ما هذا اللّبنان العظيم برجالاته؟ تصوّروا أنّ بلدة بطرام وحدَها أنجبت كلًّا من شارل مالك، وإيلي سالم، وفيليب سالم الذي لم يكتفِ بنطاسيّته التي أطبّقت الآفاق، وبأبحاثه الرّائدة، بل دعاه حبّ لبنان ودفاعه عنه وعن هناء أبنائه إلى البحث عن الحلول الآيلة إلى إنقاذ الوطن ممّا يتخبّط فيه منذ أكثر من خمسين عامًا، وها إنّه، يقترح لبلد الأرز اعتماد الحياد الفاعل».
فهل ينجح «السيزيفيّون» بمعيّته في إيصال الصخرة إلى القمّة وتحويل الإنحدار إلى إستواء؟.

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock