مرّتْ الحياة السياسية اللبنانية في أواخـر الثمانينات بحالة من الفوضى السياسية والعقم الفكري السياسي تلّخصت بحالة عميقة من التدهــور الذي أصاب المجتمع اللبناني عامةً والمسيحي خصوصًا وتحديدًا الموارنة، نعم غاب القرار الصائب وتمّ تغيِّب الفكر الإستراتيجي… وهذه الحالة الهستيرية أدّتْ إلى تفكيك دقيق للدولة بعد حرب أرادها زعماء الحرب ألعوبة بين أيديهم، وعمّتْ الصراعات الفرعية لقادة الميليشيات وإختلفتْ فيما بينها على الإتفاق حول موضوع إنتخاب رئيس جديد للجمهورية بعد إنتهاء ولاية الرئيس أمين الجميّل.
على أثر تلك الحالة الهستيرية من المواقف الإعتباطية أصدر الرئيس الجميّل في حينه مرسوم تعيين ميشال عون رئيسًا للحكومة الإنتقالية بموجب المرسوم 5387 بتاريخ 22 أيلول 1988، ونص المرسوم ” تعيين قائد الجيش ميشال نعيم عون رئيسًا لمجلس الوزراء ( بالإضافة إلى مهام وزيري الدفاع الوطني والإعلام )” وتلاه في اليوم ذاته المرسوم رقم 5388 تاريخ 22 أيلول 1988 القاضي بتشكيل أعضاء الحكومة الإنتقالية المكوّنة من المجلس العسكري في الجيش. وكان الهدف الدستوري المباشر من تعيين العماد ميشال عون هو تأمين إنتقال السلطة وإنتخاب رئيس جديد للجمهورية بعد فشل البرلمان في ذلك قبل إنتهاء ولاية الرئيس أمين الجميِّلْ.
كان الهدف في حينه محصورًا بموجب الدستور بثلاثة أمور دستورية:
أ- إجراء إنتخابات رئاسية: المقصود هو تأمين إنتقال السلطة وإنتخاب رئيس جديد للجمهورية، ب – إدارة شؤون البلاد مؤقتًا: أي بما معناه الدستوري تسيير المرافق العامة وضبط الوضع الأمني في ظل الفراغ الرئاسي وإنقسام البلاد، ج – بسط سلطة الدولة: أي رفع شعار سيادة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها إخراج القوات الأجنبية الإسرائيلية والسورية.
في حينه كان الإنقسام العامودي القاتل حيث رفضتْ حكومة الرئيس الحص الإعتراف بالحكومة العسكرية المنافسة لها، وكانتْ للعماد ميشال عون طموحات سياسية شخصية بحت خاصة وتمحورت في حينه حول موضوعين أساسيين لازما وصوله إلى قصر بعبدا والهدف إنحصر بالوصول إلى سدّة الرئاسة لفرض رؤية تاريخية شبه دكتاتورية وتأمين نهج سياسي عرف ب”العونية” عبر عائلته وأقاربه وبعض المقرّبين.
في المرحلة الأولى من حكم العماد ميشال عون أواخر الثمانينات تلازم الفراغ والإنقسام وأدّى هذا الأمر لنشوء الإزدواجية في السلطة في فترة حرجة ودقيقة، كما في هذه الفترة إدعّى العماد ميشال عون القدرة على محاربة السوريين معلنًا “حرب التحرير” في 14 أذار 1989 التي إنتهت عسكريًا في 13 تشرين 1990 بعملية عسكرية واسعة مغطاة محليًا وإقليميًا ودوليًا حيث سُمِح لنظام الأسد بإدخال جيشه إلى المناطق التي كانت تحت سيطرة بعض القوى المسيحية ممّا أدى إلى نفي العماد ميشال عون إلى فرنسا.
كما أنه في المرحلة تلك أرسى حربًا خاصة داخلية مسيحية – مسيحية، وكانتْ بمثابة تدمير لبنان ومجتمعه بحرب خاصة وعبثية في تلك الحقبة والتي كانتْ على ما ذكره أحد المسؤولين اللبنانيين “أنها كانت معظم فصولها بطلب من النظام السوري” وهذا الكلام قاله صاحبه عبر إذاعة صوت لبنان ودوّنه في كتبه المنشورة. أضف إلى ما ذكره الأستاذ وليد جنبلاط في كتابه الأخير عن أنّ موفدًا عسكريًا من قبل العماد ميشال عون إستأذن وليد جنبلاط لكي يعبر من المناطق التي كان يُسيطر عليها إلى منطقة جزين للقاء مسؤولين هناك.
لا بُـدّ من التذكير بالتحالف الذي أقامه العماد ميشال عون مع العراق عام 1988 و 1989، وكان بمثابة المحطة المفصلية حيث وجد الرئيس السابق صدام حسين في حلف عون معه الفرصة المثالية لتصفية حساباته السياسية والعسكرية والإستراتيجية مع النظام السوري والإدارة الأميركية وسياسة إسرائيل في المنطقة. وكان لهذا الحلف تداعيات خطيرة على الساحة اللبنانية وأثار ريبة محلية – إقليمية – دولية خشية تمدُّد صدام حسين في المنطقة، فدفع اللبنانيّون ثمن هذا الحلف الخاطىء.
في فترة الفوضى التي أحدثتها سياسة العماد ميشال عون كان هناك تدخُّل فرنسي عبر السفير رينيه ألا René Ala، وكانت بشكل أساسي تتمحور حول إدارة الأزمة السياسية والعسكرية وأبرز عناوين هذه المساعي تركزت على: أ – محاولة إقناع العماد عون بالحلول السياسية والسير بإتفاق الطائف والقبول بالتسوية السياسية المطروحة، ب – الوساطة كانت لتقليل الخسائر والحـد من الصدام، ج – تأمين مخرج آمن والتفاوض على وقف إطلاق النار، د – المبادرة الأخيرة والتي كانت تنحصر بما يلي: أولاً – رفع الحصار الإقتصادي والعسكري عن المناطق التي كان يسيطر عليها عون، ثانيًا – أن تقدّم حكومة عون إستقالتها ويُصار إلى تشكيل حكومة جديدة يكون لعون تمثيل وزان فيها حقائب أساسية له ولحلفائه.
لم يكتُب لهذه المبادرة النجاح بسبب إصرار العماد ميشال عون آنذاك على رفض الإعتراف بشرعية سلطة الطائف ممّا أدى بعد يومين بالتحديد أي في 13 تشرين الأول 1990 إلى إنطلاق الهجــوم العسكري السوري الإقليمي الدولي المشترك وسقط العماد عون.
إنتكاسة وطن في 13 تشرين الأول 1990، وهي النتيجة لقرارات وممارسات مرجعية واهنة أضرّتْ بمصالح الوطن العليا وتجاهلت إحتياجات الموطنين الأساسية وإفتقارها إلى الحكمة والمسؤولية الأخلاقية والوطنية وتقع الملامة في تلك المرحلة على رئيس الجمهورية حين أقال العماد إبراهيم طنّوس وعيّن العماد عون وكان بمثابة الخطأ الأول القاتل إلى الخطأ الإستراتيجي القاتل الذي عيّن بموجبه العماد عون رئيسًا للحكومة الإنتقالية.
* كاتب وباحث سياسي – أمين سر المركز الدولي للأبحاث السياسية والإقتصادية