تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

اخر الاخبار
مقالات رأي

الأمس أصبح من التاريخ… عشرون عامًا من الفرص الضائعة في جنوب لبنان

طوني ابو جمرة

شكّلت حرب تموز 2006 محطة مفصلية في تاريخ لبنان الحديث، بعدما خلّفت دمارًا واسعًا في الجنوب ومناطق لبنانية أخرى، وألحقت أضرارًا جسيمة بالبنى التحتية، ووضعت البلاد أمام استحقاق أمني وسياسي بالغ الخطورة. وفي أعقاب الحرب، تحرّكت الحكومة اللبنانية على المستوى الدولي، وصولًا إلى صدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701، الذي رسم إطارًا لوقف الأعمال العدائية، وتعزيز انتشار الجيش اللبناني في الجنوب، وانسحاب القوات الإسرائيلية، وتوسيع دور قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل).

لم يكن القرار 1701 مجرّد إجراء لاحتواء نتائج الحرب، بل شكّل فرصة تاريخية لإعادة تنظيم الواقع الأمني في الجنوب، وتعزيز سلطة الدولة، ومنع عودة المنطقة إلى دائرة المواجهات المسلحة. وقد نصّ على انتشار الجيش اللبناني واليونيفيل في الجنوب، وعلى أن تكون المنطقة الواقعة بين الخط الأزرق ونهر الليطاني خالية من أي أفراد مسلحين أو أصول وأسلحة، باستثناء ما يعود إلى الدولة اللبنانية واليونيفيل، وفقًا لما حدّده القرار.

غير أنّ الفارق بين ما رسمه القرار وما شهدته السنوات اللاحقة كان كبيرًا. فبدل أن تتحوّل تلك المرحلة إلى بداية فعلية لبسط سلطة الدولة، بقي تطبيق القرار ناقصًا، ولم تُستثمر الفرصة بالشكل الذي كان يُفترض أن ينقل الجنوب من واقع السلاح والقرارات المتضاربة إلى واقع الدولة الواحدة والقرار الأمني الواحد.

عشرون عامًا من الفرصة الضائعة

على مدى عقدين، ظلّ جوهر المشكلة قائمًا: وجود قوة دولية مكلّفة بمساندة الجيش اللبناني في تنفيذ مهمات محدّدة، في مقابل عجز الدولة عن استكمال المتطلبات السياسية والأمنية التي تمنح هذا الوجود غايته الكاملة.

فالقرار 1701 لم يمنح اليونيفيل صلاحية الحلول مكان الدولة اللبنانية، ولم يكلّفها نزع سلاح حزب الله في كل لبنان، بل حدّد إطارًا للعمل بالتنسيق مع الجيش اللبناني، ضمن مهمات وصلاحيات واضحة. وكان نجاح هذه المهمة مرتبطًا، ولا يزال، بوجود قرار سياسي لبناني حاسم، وإرادة رسمية جدية، وقدرة مؤسسات الدولة على فرض أحكام القانون وبسط سلطتها.

لكن الوقائع التي تلت انسحاب القوات الإسرائيلية من من الجنوب أظهرت أنّ الوجود الدولي، مهما اتّسع، لا يستطيع وحده أن يصنع دولة، ولا أن يفرض واقعًا أمنيًا مستدامًا في غياب الإرادة الوطنية اللازمة. فقد استمرّ السلاح خارج الإطار الحصري للدولة، وتكرّست معادلة أمنية تتجاوز مؤسساتها، فيما بقيت اليونيفيل تعمل في بيئة شديدة التعقيد، تتعرّض فيها دورياتها ومواقعها لحوادث واعتداءات، وتواجه قيودًا تحدّ من قدرتها على تنفيذ مهماتها.

وفي عام 2007، شكّل التفجير الذي استهدف دورية إسبانية قرب الخيام، وأدّى إلى مقتل ستة من جنودها، حادثة مأساوية كشفت حجم المخاطر التي تواجهها القوات الدولية. ولم يكن هذا الحادث تفصيلًا عابرًا في سجلّ المهمة، بل محطة مؤلمة في علاقة القوة الدولية بالواقع الأمني الذي أُرسلت للتعامل معه.

ومع مرور السنوات، تراكمت الأسئلة حول فعالية الانتشار الدولي، وحدود قدرته على أداء دوره في ظل غياب المعالجة الجذرية لأسباب النزاع، واستمرار الفجوة بين القرارات الدولية والالتزامات اللبنانية المطلوبة لتنفيذها.

من المسؤول عن تعطيل الغاية من القرار؟

إنّ تحميل اليونيفيل وحدها مسؤولية عدم تطبيق القرار 1701 يشكّل تبسيطًا لمشكلة أعمق. فالقوة الدولية لم تُنشأ لتكون بديلًا عن الجيش اللبناني، ولم تُرسل لتحلّ مكان الحكومة ومؤسسات الدولة، أو لتتولّى وحدها حسم مسألة السلاح خارج الشرعية.

المسؤولية الأساسية تقع على عاتق الدولة اللبنانية، بسلطاتها السياسية والعسكرية، في حدود صلاحيات كلّ منها والتزاماتها. فالدولة التي تطلب دعم المجتمع الدولي لا تستطيع أن تكتفي بوجود هذا الدعم، فيما تبقى القرارات السيادية الكبرى معلّقة، وتُترك أسباب النزاع من دون معالجة حاسمة.

كما أنّ حزب الله، بصفته قوة مسلّحة خارج إطار القيادة الحصرية للدولة، شكّل استمرار سلاحه وتكريس قدرته العسكرية المستقلة أحد أبرز العوائق أمام تحقيق الغاية الأمنية والسيادية المنشودة من القرار. وقد أظهرت الحروب المتعاقبة أنّ وجود السلاح خارج سلطة الدولة لا يهدّد الاستقرار فحسب، بل يعرّض السكان وممتلكاتهم ومستقبلهم لمخاطر لا يملكون قرار تجنّبها.

وهكذا، لم تكن المشكلة يومًا في نقص القرارات أو غياب الدعم الدولي ، بقدر ما كانت في غياب التطبيق الكامل والجاد لما التزمت به الدولة، وفي استمرار التناقض بين منطق الدولة ومنطق السلاح المستقل عنها.

اليوم، لماذا يطالبون ببقاء اليونيفيل؟

بعد أن قرّر مجلس الأمن الدولي إنهاء مهمة اليونيفيل وفق الجدول الزمني المعتمد، عاد عدد من السياسيين والكتل النيابية إلى المطالبة بالإبقاء على القوة الدولية، أو البحث في صيغة أوروبية بديلة تواصل القيام بمهامها في جنوب لبنان.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: كيف أصبح وجود اليونيفيل ضرورة لا غنى عنها بعد عشرين عامًا، فيما لم تتمكّن الدولة من استكمال تطبيق القرار الذي كان يفترض أن يكون هذا الوجود جزءًا من آلية تنفيذه؟

وإذا كانت القوى السياسية تقرّ اليوم بأنّ الجنوب يحتاج إلى ضمانات دولية، أفلا يقتضي ذلك أن تفسّر للرأي العام لماذا لم تتحوّل السنوات العشرون الماضية إلى فرصة لبناء ضمانة وطنية فعلية، قوامها جيش قادر، ودولة صاحبة قرار، وحدود لا تُدار بمعادلات تتجاوز مؤسساتها؟

إنّ الدعوة إلى استمرار اليونيفيل، من دون مصارحة اللبنانيين بأسباب الإخفاق السابق، ومن دون خطة واضحة لاستكمال بسط سلطة الدولة، قد تؤدي إلى إعادة إنتاج المشكلة نفسها، ولو تحت مسمّى جديد أو بزيّ دولي مختلف.

فالمسألة ليست في تبديل قوة دولية بأخرى، ولا في تمديد مهمة انتهت صلاحيتها السياسية والعملية، بل في تحديد الغاية من أي وجود دولي مستقبلي، والضمانات التي ستمنع تحوّله مجددًا إلى شاهد على أزمة لا تملك الدولة الإرادة الكافية لحلّها.

أبناء الجنوب ليسوا شهودًا على التجربة فحسب

بالنسبة إلى أبناء القرى الحدودية، لا يُقاس نجاح السياسات الأمنية بعدد الجنود المنتشرين، ولا بعدد الاجتماعات والبيانات والقرارات، بل بقدرتهم على العيش في بيوتهم بأمان، وزراعة أراضيهم، وحماية أرزاقهم، وتعليم أولادهم، وبناء مستقبل لا يكون معلّقًا على موعد الحرب المقبلة.

هؤلاء عاشوا سنوات طويلة بين التهديدات والمواجهات والدمار والنزوح والخوف على المصير. وشاهدوا كيف يمكن أن تتحوّل قراهم إلى ساحات صراع، وكيف تُتّخذ قرارات الحرب والسلم بعيدًا عن إرادتهم، ثم يُطلب منهم تحمّل نتائجها والتكيّف مع خسائرها.

لذلك، فإنّ ذهولهم إزاء المواقف السياسية الأخيرة المتعلقة بالإبقاء على وجود القوة الدولية ليس نابعًا من رفضهم وجود اليونيفيل، ولا من إنكارهم أهمية الدعم الدولي، بل من إدراكهم لحقيقة مؤلمة: أنّ القوى السياسية التي لم تنجح طوال عقدين في تحويل القرار الدولي إلى واقع مستدام، تعود اليوم لتقدّم استمرار الوجود الدولي بوصفه ضمانة أساسية، من دون أن تقدّم بالوضوح نفسه ضمانة وطنية تمنع تكرار المأساة.

لقد دفع أبناء الجنوب أثمانًا باهظة نتيجة الحروب المتعاقبة، وخسروا أرواحًا ومنازل وأرزاقًا وأراضي، وعاش كثيرون منهم مرارة النزوح والاقتلاع من قراهم. ومع ذلك، لا يزال السؤال الأساسي معلّقًا: من يضمن ألّا تتكرّر المأساة؟ ومن يملك القرار الذي يمنع تحويل هذه القرى مرة أخرى إلى خطوط مواجهة وساحات لتصفية الحسابات الإقليمية؟

إنّ حقّ أبناء الجنوب ليس في مجرّد البقاء على قيد الحياة وسط التهديدات، بل في أن يعيشوا حياة طبيعية، في ظل دولة تحميهم وتضمن أمنهم وكرامتهم، وتمنع أي طرف من الزجّ بهم في حرب لم يختاروا خوضها.

القوة الدولية لا تعوّض غياب الدولة

إنّ الأمس أصبح من التاريخ، لكنّ نتائجه لا تزال حاضرة في بيوت الجنوب وطرقه وأراضيه وذاكرة أبنائه. وعشرون عامًا كانت كافية لاستخلاص الدروس، لو توافرت الإرادة السياسية لتحويلها إلى سياسة وطنية ثابتة.

لم يكن الهدف من القرار 1701 أن يبقى الجنوب تحت رقابة دولية دائمة، ولا أن تصبح اليونيفيل بديلًا عن السيادة اللبنانية، بل أن تساعد الدولة على استعادة سلطتها، وأن تتهيّأ الظروف الأمنية التي تتيح لأهل الجنوب العيش بسلام تحت حماية مؤسساتهم الشرعية.

إنّ بقاء اليونيفيل أو استبدالها بقوة أخرى قد يكون موضوعًا مشروعًا للنقاش، لكنّه لا ينبغي أن يتحوّل إلى وسيلة لتأجيل السؤال الأساسي: أين هي الدولة القادرة على حماية مواطنيها، وضبط حدودها، واحتكار قرار الحرب والسلم؟

فالجنوب لا يحتاج إلى إدارة دولية دائمة لأزمته، بل إلى دولة تحضر فيه حضورًا فعليًا، لا موسميًا؛ دولة تحميه، لا تكتفي بإعلان التضامن معه؛ دولة تمنع تحويل أرضه إلى ساحة لحروب الآخرين، ولا تترك أبناءه يدفعون وحدهم ثمن القرارات التي لم يشاركوا في اتخاذها.

عشرون عامًا كانت كافية لكي تستعيد الدولة سيادتها، لكنها مضت من دون أن يتحقق الهدف الذي أُنشئت من أجله هذه المعادلة الدولية. واليوم، بدل أن يُحاسَب المسؤولون عن ضياع الفرصة، يعودون إلى المطالبة بضمانة دولية جديدة، وكأنّ المشكلة كانت يومًا في هوية القوة المنتشرة، لا في غياب القرار السيادي اللبناني.

إنّ مأساة الجنوب ليست في انتهاء مهمة اليونيفيل أو استمرارها، بل في أن يبقى مصير أبنائه معلّقًا على وجود قوة دولية، فيما الدولة التي يُفترض أن تحميهم غائبة او مغيَّبة وفي الحالتين النتيجة واحدة .

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock