كانَ صغيرًا حينَ أدركَ أنَّ بيتَهُ جدرانٌ فقطْ تحجبُ المطرَ عن رأسِهِ، ولا تحجبُ البردَ عن قلبِهِ. لم يسألْهُ أحدٌ يومًا كيفَ أمضى نهارَهُ، ولم ينتظرْهُ أحدٌ على عتبةِ البابِ حينَ يعودُ. كانَ يدخلُ البيتَ فلا يلتفتُ إليهِ أحدٌ، ولا يفتقدُهُ أحدٌ إنْ غابَ. تعثَّرَ مرارًا ونهضَ وحدَهُ، جُرِحَ فلم تُضمِّدْ جراحَهُ يدٌ حانيةٌ، ومرضَ فلم يسهرْ على جبينِهِ أحدٌ.
كانَ يحتفلُ بنجاحاتِهِ الصغيرةِ في سرِّهِ، لأنَّ ما مِن أُذنٍ تُصغي، وما مِن عينٍ تلمعُ فرحًا بهِ إلّا أختُهُ؛ فقد كانتْ تمسحُ عن وجهِهِ ما يُخفيهِ مِن حزنٍ، وتضمُّهُ بيدينِ صغيرتينِ لا تملكانِ شيئًا سوى الحنانِ، فتُشعرُهُ أنَّ في الدنيا قلبًا يراهُ ويرعاهُ.
وفي الليالي الطويلةِ، حينَ تنامُ البيوتُ المجاورةُ على دفءٍ لا يعرفُهُ، كانَ يضمُّ ركبتيهِ إلى صدرِهِ وينظرُ إلى الغدِ بعينَيْ مقاتلٍ لم يتعلَّمْ بعدُ كيفَ يحملُ سيفًا، لكنَّهُ يعرفُ كيفَ لا ينكسرُ.
لم يكتفِ بالحلمِ؛ فتسلَّقَ سُلَّمَ حياتِهِ درجةً درجةً بالمعاناةِ وسهرِ الليالي ومرارةِ الغربةِ. تعلَّمَ فنونَ القتالِ وحصلَ على البطولاتِ ونالَ مِنَ العلمِ أعلاهُ، وركبَ مِنَ المخاطرِ ما تهابُهُ القلوبُ. ثمَّ بنى عائلةً صغيرةً، فكانتْ أوَّلَ دفءٍ سكنَ أيَّامَهُ، وكانتْ ابنُتهُ نبضَهُ الذي يمشي على الأرضِ.
وحينَ ظنَّ أنَّ العمرَ قد أنصفَهُ، جاءتْهُ هي، مِنَ البابِ الوحيدِ الذي لم يُحكَمْ إغلاقُهُ. كانَ بطلًا في كلِّ ساحةٍ إلّا في ساحةِ الحبِّ؛ فهناكَ خلعَ الدرعَ طوعًا. غمرتْهُ بكلِّ الاهتمامِ الذي حُرِمَ منهُ، وسقتْهُ مِنَ الحنانِ ما كانَ يشتهيهِ منذُ الطفولةِ. أحبَّها بكلِّ ما في روحِهِ، حبًّا لا يحتاجُ إلى ختمٍ ليكونَ صادقًا. في حضنِها وجدَ وطنًا لم يعرفْهُ، وهمسَ لقلبِهِ: ها هيَ الحياةُ تعتذرُ لي أخيرًا.
لكنَّ الجراحَ لا تُترَكُ لتهدأَ طويلًا.
وجاءَ اليومُ الذي وضعتْهُ فيهِ أمامَ خيارينِ: هيَ أو ابنُتهُ. حينَها رأى طفولتَهُ بأكملِها تنظرُ إليهِ، فسقطتْ كلُّ الحساباتِ واختارَ أنْ يكونَ حضنًا لابنِتهِ؛ ذلكَ الحضنَ الذي لم يجدْهُ يومًا ولنْ يحرمَ ابنَتهُ منهُ. لكنَّهُ دفعَ الثمنَ مِن قلبِهِ. كانَ ينتظرُ منها أنْ تحترمَ قرارَهُ وأنْ تقولَ لهُ: اذهبْ إلى ابنِتكَ، ولْيَكُنْ لكَ مِنَ الحياةِ أجملُها. لكنَّها لم تفعلْ.
تبدَّلَ حبُّها إلى عتابٍ وأذية، وراحتْ تعاقبُهُ على أنبلِ ما فيهِ: على فضيلةِ الأبوَّةِ. لم تكنْ تريدُ الرحيلَ بقدرِ ما كانتْ تريدُ معاقبتَهُ على قرارِهِ. هيَ تعرفُ كيفَ تنكأُ جراحَهُ؛ تتَّصلُ، لا شوقًا ولا ندمًا، بلْ لتطمئنَّ أنَّ مفاتيحَ قلبِهِ ما زالتْ في جيبِها. تسمعُ صوتَهُ يرتجفُ وتتركُهُ معلَّقًا على حبالِ الفقدِ وقلبُهُ ينتفضُ. وهكذا خسرَ حبَّهُ وخسرَ عائلتَهُ، وبقيَ وحدَهُ بينَ الجدرانِ يسألُ نفسَهُ:
إنْ كانَ ما عاشتْهُ معهُ صادقًا، فكيفَ مضتْ بهذهِ السهولةِ؟ وإنْ كانَ وهمًا، فكيفَ خدعَهُ قلبُهُ كلَّ ذلكَ الوقتِ؟ وكيفَ لهذا الرجلِ الذي قهرَ المستحيلَ أن يتهاوى كلَّ ليلةٍ على وسادةٍ تعرفُ مِن دمعِهِ ما لا يعرفُهُ أحدٌ؟
لم يعدْ ذلكَ الرجلَ الذي تحدَّى الصعابَ، بلْ عادَ صبيًّا صغيرًا تسقطُ عنهُ كلُّ القوَّةِ دفعةً واحدةً. يتساقطُ دمعُهُ صامتًا، ويرتجفُ جسدُهُ كأنَّ صقيعًا استيقظَ في عظامِهِ، وينقبضُ قلبُهُ كقبضةِ يدٍ تعتصرُ ما تبقَّى فيهِ مِن نبضٍ. تضيقُ أنفاسُهُ حتى يظنَّ أنَّ الهواءَ نفسَهُ قد انسحبَ مِنَ الغرفةِ.
لم تعدْ شهاداتُهُ تفرحُ قلبَهُ، ولا سفرٌ يوقظُ فيهِ الدهشةَ، ولا نجاحٌ يغريهِ، ولا بطولاتٌ يفتخرُ بها. أصبح يجلسُ بينَ إنجازاتِهِ كمَنْ يطلُّ على حياتِهِ مِن وراءِ زجاجٍ باردٍ؛ يرى كلَّ شيءٍ في مكانِهِ، وقلبُهُ وحدَهُ هوَ الغائبُ.
وحينَ يسألُهُ أحدُهم عن سرِّ حزنِهِ، يبتسمُ ابتسامةً منهكةً ويقولُ: لا شيءَ. وفي ذلكَ “اللاشيءِ” تسكنُ الحكايةُ كلُّها:
حكايةُ طفلٍ جاعَ إلى الحنانِ، وحكايةُ قلبٍ أحبَّ حتى الثمالةِ فخسرَ ما أحبَّ.
ولا يعرفُ حقيقةَ ذلكَ “اللاشيءَ” إلّا قلبٌ واحدٌ كانَ لهُ في عتمتِهِ سندًا، يُصغي إلى معاناتِهِ ويفهمُ مِن “لا شيءَ” كلَّ شيءٍ. قلبٌ آلمتْهُ ابتسامتُهُ المنهكةُ، ولم يستصغرْ وجعَهُ مرَّةً، وظلَّ في مشوارِهِ كتفًا لا يميلُ، وقنديلًا لا ينطفئُ، ودعاءً يسبقُهُ إلى كلِّ فجرٍ.