تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

اخر الاخبار
مقالات رأي

من العقوبات إلى الصفقات: “دبلوماسية الديزل” عند ترامب

سعيد بترووني *

بعد ثلاثة أسابيع فقط من طرحه تشريعاً شاملاً يهدف إلى معاقبة الدول التي تجرؤ على التجارة بالطاقة الروسية، مدّ الرئيس الاميركي دونالد ترامب طوق نجاة غير متوقع إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. غير أنّ “سخاء” واشنطن المفاجئ لم يكن فعلَ ندم. فخلف الإيماءة الدبلوماسية الظاهرة، يكمن عرضٌ أكثر ربحية بكثير.

إنّ الترخيص الأولي الذي يغطي 300 ألف طن من الديزل الروسي لا يُعتدّ به إحصائياً قياساً إلى استهلاك الولايات المتحدة من الوقود. فبحسب محللي السوق، لا تكفي هذه الكمية لتلبية الطلب المحلي إلا لنحو أربع وعشرين ساعة. كما أنّ هذا المعروض المحدود لا يمكن أن يشكّل علاجاً سريعاً للتضخم، ولا أن يخفّض الأسعار عند محطات الوقود بصورة ملموسة قبيل انتخابات التجديد النصفي.

أما الأهمية الحقيقية لهذا الترتيب فتكمن في مكان آخر.

فقد أصدر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) التابع لوزارة الخزانة الأميركية ترخيصاً عاماً مؤقتاً لمدة ستة أشهر، يُقال إنه ينتهي في 7 نيسان/أبريل 2027، يسمح بعودة بعض إمدادات الديزل الروسي إلى الأسواق الدولية.

لكن تحت هذا الاستعراض من “الفروسية الدبلوماسية”، تكمن صفقة أشدّ تعقيداً بكثير: مفاوضات حول الاستحواذ، بمليارات الدولارات، على الأصول الدولية العائدة إلى عملاق الطاقة الروسي “لوك أويل”.

ووفقاً لصحيفة “نيويورك تايمز”، يشارك المفاوضان الأميركيان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر في محادثات تربط وقفاً محتملاً لإطلاق النار في أوكرانيا بصفقة تجارية ضخمة تشمل ممتلكات “لوك أويل” في الخارج.

وتتضمن الصفقة المقترحة، التي تُقدَّر قيمتها بنحو 20 مليار دولار، بيع محفظة دولية واسعة تضم حقولاً نفطية ومصافي وآلاف محطات الوقود.

وتفيد التقارير بأن المفاوضات تشمل تحالفاً من رجال أعمال ومستثمرين من الشرق الأوسط، بعضهم تربطه صلات بكوشنر وويتكوف، إلى جانب المستثمر الأميركي تود بويلي وأشخاص مرتبطين بالحكومة الأميركية.

والأهم من ذلك أنّ مؤسسة التمويل الإنمائي الدولية الأميركية (DFC) يُقال إنها دُرست كجهة قد تحصل على حصة قدرها 15 في المئة في الأصول المستحوَذ عليها، ما قد يوجّه جزءاً من الأرباح المستقبلية إلى الولايات المتحدة.

وهنا تبدأ الصفقة التجارية بالتحول إلى أداة جيوسياسية.

وتشير التقارير إلى أنّ إدارة ترامب سعت إلى ربط عملية الاستحواذ المقترحة بمفاوضات سرية حول هدنة جزئية في أوكرانيا.

ووفق الترتيب الذي يُقال إنه قيد البحث، ستمنح واشنطن موسكو فرصة تسهيل بيع أصول “لوك أويل” الدولية، مع احتمال أن يترافق ذلك مع الإفراج عن مليارات الدولارات من الأصول السيادية الروسية المجمّدة.

وفي المقابل، سيُحثّ فلاديمير بوتين على القبول بهدنة محدودة، قد تشمل وقف الهجمات على منشآت الطاقة أو على مسارات الشحن.

وبالنسبة إلى واشنطن، قد يحقق هذا الترتيب عدة مكاسب: نفوذاً أميركياً أكبر على أصول الطاقة الدولية، وعائداً مالياً محتملاً، وفتح باب دبلوماسي لإنهاء جزء على الأقل من الحرب في أوكرانيا.

أما بالنسبة إلى موسكو، فقد يوفّر شيئاً لا يقلّ قيمة: طريقاً لاستعادة الوصول إلى أصول ورؤوس أموال تقيّدها العقوبات الغربية. والمفارقة يصعب إغفالها.

فقد أمضت واشنطن سنوات في بناء منظومة عقوبات معقّدة لحرمان موسكو من عائدات الطاقة. والآن، قد تتحول الأصول الاقتصادية نفسها إلى أوراق مساومة في صفقة تهدف إلى إقناع بوتين بتخفيف حدّة حربه.

ففي دبلوماسية واشنطن الجديدة، ليست العقوبات بالضرورة وسيلة لإغلاق الباب. أحياناً هي ببساطة ثمن الدخول إلى طاولة المفاوضات.

دبلوماسية_الديزل #صفقة_ترامب_بوتين #لوك_أويل #عقوبات_النفط_الروسي #وقف_إطلاق_النار_في_أوكرانيا #جيوسياسة_الطاقة #فن_الصفقة #بيروت_تايمز

 *رئيس التحرير في Prognoznews.co.uk

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock