تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

اخر الاخبار
مقالات رأي

ولي العهد السعودي… هندسة قوة عسكرية جديدة لا تعتمد إلا على نفسها في مواجهة التحديات اليمنية

تحقيق مهم من اعداد الاعلامي جورج ديب

في منطقةٍ تتغيّر فيها موازين القوى بسرعة، وتشتعل فيها الجبهات على وقع التحولات الإقليمية، تقف المملكة العربية السعودية أمام لحظة مفصلية في تاريخها الأمني والعسكري. هذه اللحظة لم تُصنع بالصدفة، بل جاءت نتيجة رؤية واضحة يقودها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، رؤية تقوم على بناء قوة عسكرية سعودية مستقلة، حديثة، لا تعتمد إلا على نفسها، وقادرة على مواجهة التحديات المتصاعدة، وفي مقدمتها التحديات القادمة من اليمن.

الصراع السعودي-اليمني لم يكن مجرد مواجهة حدودية، بل كان اختباراً مباشراً لصلابة الدولة السعودية وقدرتها على حماية أمنها القومي دون انتظار دعم خارجي. ومنذ بداية الحرب، واجهت المملكة تهديدات غير مسبوقة، من صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة إلى محاولات اختراق للحدود واستهداف منشآت حيوية. هذه التهديدات كشفت أن السعودية بحاجة إلى جيش مختلف، جيش لا يكتفي بردّ الفعل، بل يمتلك القدرة على الردع، التخطيط، والتطوير المستمر. وهنا ظهر الدور الحاسم لولي العهد، الذي قرأ المشهد بوضوح: لا يمكن للمملكة أن تبقى رهينة التحالفات الدولية أو المزاج السياسي للقوى الكبرى، ولا يمكن لأمنها أن يُدار من الخارج. لذلك اتجه إلى مشروع ضخم لإعادة بناء القوة العسكرية السعودية من الأساس، مشروع لا يشبه أي مشروع سابق في تاريخ المملكة.

هذا المشروع لم يبدأ بشراء الأسلحة، بل بدأ بتغيير العقلية العسكرية نفسها. ولي العهد وضع هدفاً واضحاً: أن تصبح السعودية دولة تصنع سلاحها، تدرب جيشها، وتدير أمنها بقدراتها الذاتية. لذلك أطلق عملية توطين الصناعات العسكرية، فارتفعت نسبة التصنيع المحلي عاماً بعد عام، وظهرت شركات وطنية قادرة على إنتاج أنظمة دفاعية متطورة، من بينها شركة “سامي” التي أصبحت رمزاً لتحوّل السعودية من دولة مستوردة للسلاح إلى دولة مصنّعة له. وفي الوقت نفسه، أعاد هيكلة القوات المسلحة، فتم تحديث برامج التدريب، تطوير منظومات القيادة والسيطرة، ورفع جاهزية القوات البرية والجوية والبحرية لتصبح أكثر قدرة على التعامل مع التهديدات الحديثة.

اليمن كان الساحة التي اختُبرت فيها هذه التحولات. فالحوثيون، بدعم إيراني مباشر، استخدموا أسلحة متطورة، بعضها لم يكن موجوداً في المنطقة قبل سنوات. ومع ذلك، تمكنت القوات السعودية من اعتراض مئات الصواريخ الباليستية، وإسقاط طائرات مسيّرة متقدمة، وحماية منشآت النفط التي تُعد شريان الاقتصاد السعودي. هذه الإنجازات لم تكن ممكنة قبل سنوات، وهي نتيجة مباشرة لرؤية ولي العهد التي جعلت من تحديث الجيش أولوية وطنية لا يمكن تأجيلها.

لكن التحوّل لم يكن عسكرياً فقط، بل كان سياسياً أيضاً. فالسعودية، بقيادة ولي العهد، لم تعد تتعامل مع اليمن بوصفه مجرد ملف أمني، بل بوصفه جزءاً من معادلة إقليمية أكبر. لذلك سعت إلى إدارة الصراع بطريقة تمنع تمدّد النفوذ الإيراني، وفي الوقت نفسه تفتح الباب أمام مسار سياسي يخفف معاناة المدنيين اليمنيين. ومع ذلك، بقيت الأولوية واضحة: حماية أمن المملكة أولاً، وعدم السماح لأي تهديد أن يقترب من حدودها.

هذا الموقف الحادّ ليس موجهاً ضد اليمن كشعب، بل ضد التهديدات التي خرجت من اليمن خلال السنوات الماضية. فالسعودية تدرك أن اليمن بلد جار، وأن استقراره جزء من استقرار المنطقة، لكنها تدرك أيضاً أن أمنها القومي لا يمكن أن يُترك للصدفة أو للوعود الدولية. لذلك اختار ولي العهد طريقاً واضحاً: بناء قوة سعودية مستقلة، قادرة على حماية الوطن دون انتظار أحد.

هذه الرؤية تتجاوز حدود الصراع مع اليمن، لتصبح جزءاً من مشروع أكبر: تحويل السعودية إلى قوة إقليمية تمتلك قرارها العسكري، وتستطيع أن تواجه التحديات بثقة، وأن تبني جيشاً حديثاً لا يعتمد إلا على نفسه. وهذا التحوّل ليس مجرد تحديث تقني، بل هو إعادة تعريف لمفهوم الأمن السعودي، وانتقال من مرحلة الاعتماد على الخارج إلى مرحلة السيادة العسكرية الكاملة.

إن ما يفعله ولي العهد اليوم هو وضع حجر الأساس لجيش سعودي جديد، جيش لا يخضع للابتزاز السياسي، ولا يتأثر بتقلبات التحالفات، ولا ينتظر دعماً من أحد كي يدافع عن وطنه. جيش قادر على حماية حدوده، مصالحه، وموقعه الاستراتيجي في المنطقة. وهذا ما يجعل موقفك الداعم لدور ولي العهد موقفاً واضحاً وقوياً، لأنك تدعم فكرة أن السعودية يجب أن تمتلك جيشاً مستقلاً، قوياً، حديثاً، قادراً على مواجهة التحديات اليمنية والإقليمية دون الاعتماد على أي طرف خارجي.

في النهاية، ما يفعله ولي العهد ليس مجرد بناء جيش سعودي قوي، بل بناء مستقبل. مستقبل لا تكون فيه السعودية دولة تنتظر الحماية، بل دولة تصنع أمنها بيدها، وتواجه التحديات بثقة، وتبني قوة عسكرية جديدة لا تعتمد إلا على نفسها. هذا هو التحوّل الحقيقي، وهذا هو الموقف الحادّ الذي يستحق أن يُقال بوضوح: السعودية لن تنتظر أحداً كي يحميها… فهي تبني قوتها بنفسها، وتواجه تحديات اليمن بثبات، وتدخل مرحلة جديدة من السيادة العسكرية التي لا تعتمد إلا على إرادتها وقدرتها.

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock