إن كل ما تشاهدونه عبر الشاشات الفضائية والأرضية ومواقع التواصل الاجتماعي، وما ينقله “الذباب الإلكتروني” وما تنقنق فيه “الضفادع”، وما تسمعونه من أفكار وتحليلات “شنكلفوطية” -أو ما يُعرف بالتحليلات الاستراتيجية الكونية الذرية الفيزيائية في السياسة الإقليمية والدولية- ليست في حقيقتها إلا تحليلات “خنفشارية”. هي أشبه بحال رجل دخل السينما في منتصف الفيلم، ولا يعرف إلا اسم البطل والكومبارس، ويحاول جاهداً أن يفهم ما حدث في البداية، ويستدرك أو يتصور كيف ستكون النهاية.
وبعيداً عن كونه فاهماً لما يجري أو سيجري، فهو في الختام ليس إلا متفرجاً دفع ثمن بطاقته وحجز كرسيه بين المقاعد، وينتظر إن كان سيصفق طويلاً أو يبكي طويلاً. لكن، كل أفعاله وتحليلاته لا تقدم ولا تؤخر؛ فالفيلم السينمائي قد بدأ، وما على المتفرجين إلا المشاهدة والتفاعل، أما السيناريو فقد أُعد عام 2017 وبدأ تطبيقه، والأبطال حُددت أدوارهم وكيف سينتهي بهم الحال.
من هنا، ووفقاً لوجهة نظري، وفي هكذا ظروف، نحن لسنا إلا متفرجين، ونظرة بائع الخضار للسياسة هي نفسها نظرة أهم سياسي في العالم العربي؛ الاختلاف فقط في المستويات واستخدام الأدبيات، إن كانت سياسية أو شعبية.
فالـ”خضرجي” سيقول لك: “يا معلّم، برأيي هالإسرائيلي رح يضلّ يرشّ عالحرب ميّ، لحتى تخربط المنطقة وتصير الناس مطحبشة متل البطيخ، ويمكن يوصل الوضع لمرحلة يصير فيها حقّ الإنسان أقلّ من حقّ الخيار. شو بدّي خبرك يا معلّم، العالم زحطت بالسياسة على قشرة موز، وكل واحد صار بدّه يبيعنا بضاعة شكل. وبالآخر، نحنا متل الزيتون، ما منطلع الزيت اللي فينا إلا بالرصّ، بس المشكلة إنّه هالمرّة مش الزيتون لحاله اللي عم ينرص، المنطقة كلّها بقلب المعصرة”.
أما السياسي وأصحاب برامج “التوك شو” فيقولون: “أنا أرى أنّ الأبعاد الاستراتيجية للحرب الإسرائيلية تتجاوز الاعتبارات العسكرية المباشرة، لتندرج ضمن إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية وفرض معادلات جيوسياسية جديدة، ستكون لها انعكاسات عميقة على البنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية في المنطقة. ومن المرجّح أن تؤدي استدامة العمليات العسكرية إلى تفاقم الاختلالات البنيوية، وتآكل منظومة الحماية الاجتماعية، وتراجع الأولويات الإنسانية لمصلحة الحسابات الأمنية والاستراتيجية.
أمّا على المستوى الداخلي، فإنّ الانزلاق في الحسابات السياسية وسوء تقدير مآلات الصراع قد يقودان إلى حالة من التفكك المؤسسي والارتباك المجتمعي، بحيث تصبح الدولة أمام اختبار حقيقي لقدرتها على إدارة تداعيات الحرب واحتواء ارتداداتها الاقتصادية والاجتماعية، في ظل ضغوط متزايدة على الاستقرار النقدي والمعيشي، وتراجع القدرة الشرائية، واتساع رقعة الهشاشة الاجتماعية”.
بس بالختام.. نفس الحكي والفحوى!
أما الناس اليوم، فلم يعودوا يبحثون عن بطل بقدر ما يبحثون عن تأمين “خبزاتهم” وقوت عيالهم، وأن يجدوا ما يسد رمقهم إلى آخر الشهر، وأن يسددوا المستحقات التي عليهم.
وأغلبية السياسيين، لا يختلفون عن الناس؛ كل واحد منهم يحاول قدر المستطاع أن يحفظ منصبه ومكانته ودوره، مع أنهم يتهربون من الناس. فقبل الموعد، يسأل السياسي عن ضيفه: “بده خدمة؟”، فإن كان الزائر قادماً ولا يريد شيئاً، يُستقبل بحفاوة، وينظر إليه السياسي بالكثير من الإعجاب، ويربت على كتفه، ويهنئه بأنه يوجد مواطن لبناني لا يحتاج المساعدة. هذا الأمر يفرح السياسي، ويفرح الزائر أيضاً بأنه من بين الـ 5% في لبنان الذين لا يحتاجون خدمة، ويشكر الاثنان -السياسي والزائر- الله على نعمه.
كرمال هيك، نصيحة من شخص “قبع سنانه، وشاب شعره، وبطلت تحمله ركابه”: يا إما تكملوا العمر بالدعاء والصلاة شو ما كانت صلاتكم، أو ابتعدوا عن متابعة الأخبار وبرامج السياسة، هيك بتحافظوا على صحتكم وروحكم وبتخففوا حق أدوية ضغط وسكري.
نسيت عن شو كنت عم أحكي! الآن تذكرت المقال: “ماذا يجري سياسياً وأين لبنان والعالم العربي”. وقولة عادل إمام في فيلم “حسن ومرقص” -وهي قصة مسيحي يختبئ خلف هوية إسلامية، ومسلم يختبئ خلف هوية مسيحية، ومن أقدار المسيحي الذي يختبئ خلف هوية إسلامية أن يكون اسمه يقارب اسم رجل دين معروف، فيطلب منه أن يعطي دروساً دينية إسلامية في المسجد وبقربه رجل دين مسلم-. فكلما يسأل عادل إمام – الذي هو بشخصية رجل دين مسلم- سؤالاً في الفقه الإسلامي، ينظر إلى الرجل الدين المسلم الذي بقربه ويقول له: “هو الدين بيقول إيه؟”، فيتحدث الشيخ المسلم ويعطي الفتوى، وينهي عادل إمام قائلاً: “شفتم أهي بسيطة، مش محتاجة حاجة”، وتهتف الناس في المسجد لعادل إمام مع أنه لم يتحدث ولا كلمة.
وعنا “قرطة حنيكر” بالسياسة والإعلام -وهنا لا أعني فئة أو طائفة معينة، بل أقصد الغالبية- هم حالهم كحال عادل إمام، لكن الفرق هنا أن القول هو “ترامب بيعمل إيه؟”، وتهتف الناس لهذا السياسي أو ذاك. بالختام، ما حدا فاهم شي من شي.
هو “ترامب بيعمل إيه؟”، هنا نعود إلى “حسني برزان”: “إذا أردنا أن نعرف ماذا يجري في إيطاليا، علينا أن نعرف ماذا يجري في البرازيل”، والمشكلة نحنا مش قادرين أن نعرف ماذا يجري معنا، مش في إيطاليا.والسلام.