مقالات رأي
من باب المحبة… سورية

الاعلامي إدريس أحميد أحميد
من باب المحبة، لا من باب المزايدة، نكتب عن سوريا.
سوريا التي عاصرنا مسيرتها التاريخية التليدة، بحضارتها الضاربة في جذور التاريخ، وتنوعها الاجتماعي والثقافي، وجمالها، وعطاء إنسانها. سوريا التي كان يمكن، بما تملكه من موقع جغرافي وتاريخ وإمكانات بشرية واقتصادية، أن تكون في مصاف الدول إقليميًا ودوليًا. ولأننا نحب سوريا، لا نستطيع أن نختزلها في نظام حكم، ولا أن نختصر تاريخها في مرحلة سياسية واحدة.
سوريا والدور العربي
لا يمكن الحديث عن سوريا الحديثة من دون التوقف عند دورها العربي والإقليمي، وفي مقدمة ذلك القضية الفلسطينية.
كانت سوريا من الدول العربية التي تبنت القضية الفلسطينية، ورفضت الاعتراف بشرعية الاحتلال الإسرائيلي والتطبيع معه، ودفعت أثمانًا كبيرة بسبب موقفها من الصراع العربي الإسرائيلي. وكانت، بحكم موقعها الجغرافي والسياسي، دولة مواجهة، وقدمت تضحيات كبيرة في الحروب والصراعات المرتبطة بالقضية الفلسطينية.
وقد دافعنا عن هذا الدور، وسنبقى نميز بين الدفاع عن حق الشعوب في مواجهة الاحتلال وبين الدفاع عن أي نظام سياسي.
كما لا ينبغي أن ننسى الدور السوري في لبنان خلال الحرب الأهلية اللبنانية. فقد كان لسوريا حضور وتأثير كبيران في مسار الحرب وصولًا إلى مرحلة انتهت فيها الحرب وبدأ لبنان يستعيد قدرًا من الاستقرار.
ولا يعني ذلك أن التجربة السورية في لبنان كانت خالية من الأخطاء أو التجاوزات؛ فقد شابت تلك المرحلة ممارسات وسياسات كانت موضع خلاف وانتقاد كبير. لكن قراءة التاريخ بإنصاف تقتضي ألا نمحو الدور السوري كله بسبب أخطاء ارتُكبت خلاله، كما لا ينبغي أن تتحول الأخطاء إلى وسيلة لإنكار حقيقة أن سوريا كانت طرفًا أساسيًا في المعادلة التي ساهمت في إنهاء الحرب الأهلية اللبنانية. وهذا، في نظرنا، يُحسب لسوريا كدولة ودور عربي، وليس بالضرورة لنظام أو لشخص بعينه.
ومن المحطات التي تستحق التذكير أيضًا موقف سوريا خلال أزمة الخليج وحرب تحرير الكويت. فقد شاركت القوات السورية ضمن التحالف الذي تشكل لتحرير الكويت بعد الغزو العراقي عام 1990، في موقف عكس في تلك المرحلة رفض احتلال دولة عربية لدولة عربية أخرى، رغم كل الخلافات والتعقيدات التي كانت تحيط بالنظام العربي آنذاك.
هذه الوقائع كلها تجعل من الصعب اختزال سوريا في صورة واحدة أو في موقف سياسي واحد.
بين الدفاع عن الدولة ورفض الظلم
نعرف أيضًا أن سوريا، مثل غيرها من دول المنطقة، عاشت انقلابات سياسية دامية، وأعمال قمع واعتقال وقتل وتهجير، وأن الإنسان السوري دفع أثمانًا باهظة في مراحل مختلفة. وهنا لا بد من قول الحقيقة كاملة.
الدفاع عن سوريا في مواجهة إسرائيل، أو رفض حصارها والعقوبات المفروضة عليها، لا يعني تبرير الظلم الذي تعرض له السوريون في الداخل.
لقد كنا نرفض العقوبات والحصار، لأن أثرهما لا يقع على المسؤول وحده، وإنما يصل إلى المواطن في خبزه ومائه وصحته وتعليمه وأمنه ومعيشته. وكنا نرفض أن تتحول معاناة الشعب السوري إلى أداة سياسية في صراع دولي.
لكننا، في الوقت نفسه، لا نستطيع أن نتجاهل معاناة كل من اعتُقل من دون ذنب، وكل من قُتل في السجون، وكل من غُيّب، وكل من اضطر إلى مغادرة وطنه سنوات طويلة، ليس لشيء إلا لأنه رفض الظلم وأراد أن يكون له رأي في قضايا بلده.
وما حدث في سوريا ليس استثناءً عربيًا؛ فقد عرفت دول عربية كثيرة أشكالًا مختلفة من القمع والاعتقال والتهجير، وهو واقع مؤلم يحتاج إلى مراجعة تاريخية وسياسية وأخلاقية.
مراجعة الموقف
لقد دافعنا طويلًا عن فكرة أن سوريا دولة مواجهة، وأنها تقف في مواجهة إسرائيل، وأنها تتعرض لضغوط وعقوبات بسبب مواقفها السياسية. لكن الأحداث والتطورات وما انكشف من وقائع مؤلمة تفرض علينا أن نراجع حساباتنا بصدق.
فكون الدولة في مواجهة عدو خارجي لا يمنح النظام الحاكم الحق في ظلم مواطنيه. ولا يمكن للقضية الفلسطينية أن تكون مبررًا لإهدار حقوق الإنسان السوري. ولا يمكن لمواجهة التدخل الخارجي أن تصبح ذريعة لرفض الإصلاح الداخلي.
كان يمكن للنظام أن يتعامل مع المطالب الشعبية بمزيد من العقل والشفافية، وأن يفتح المجال أمام السوريين للمشاركة في بناء وطنهم، بدل أن تتجه الأمور نحو القمع والعنف، بما حمل البلاد لاحقًا من كوارث ودمار ونزوح وتهجير. وحين انكشفت لاحقًا حقائق مؤلمة عن سنوات الحكم، أصبح من واجبنا أن نقول بوضوح: لا يمكن تبرير الظلم، أيًا كان مصدره، ولا يمكن الدفاع عن جريمة لمجرد أن مرتكبها كان يرفع شعارًا سياسيًا نؤمن ببعض جوانبه.
هل كان كل ما سمي بالربيع العربي مؤامرة؟
كنا ولا نزال نرفض كثيرًا من أشكال التدخل الخارجي في الدول العربية، ونرى أن القوى الدولية استغلت الأزمات والاحتجاجات في المنطقة بما يتوافق في أحيان كثيرة مع مصالحها. لكن ذلك لا يعني إنكار الأسباب الداخلية التي دفعت الشعوب إلى الاحتجاج.
فالشعوب لا تتحرك من فراغ، والاستبداد والفساد والبطالة والفقر وغياب الحريات وانسداد الأفق السياسي كانت عوامل حقيقية في عدد من الدول العربية.
لقد رفضنا تحويل مطالب الشعوب المشروعة إلى فوضى أو حروب بالوكالة، كما رفضنا أن تتحول فكرة التغيير إلى مشروع لتدمير الدول وتهجير شعوبها. والحل، في رأينا، لم يكن في القمع، كما لم يكن في الفوضى والتدخل الخارجي. كان المطلوب إصلاحًا حقيقيًا يحفظ الدولة ويحفظ الإنسان في الوقت نفسه.
سوريا بعد سقوط النظام
انتهى النظام، وانكشفت حقائق كثيرة مؤلمة، ولا يزال السوريون ينتظرون تحقيق العدالة والإنصاف ومعرفة الحقيقة كاملة.
لكن العدالة لا ينبغي أن تكون انتقائية.
كما يجب التحقيق في الانتهاكات التي وقعت خلال سنوات الحكم السابقة، يجب أيضًا التحقيق في أي انتهاكات حدثت بعد سقوط النظام. فالظلم لا يصبح عدلًا لأن الضحية تغيرت. ولا يجوز أن يتحول الانتقال السياسي إلى فرصة للانتقام من جماعة أو طائفة أو منطقة أو دين.
لقد وقع ظلم على أساس الهوية والطائفة والدين، وهذه أخطر الصفحات التي يجب أن تُغلق في سوريا الجديدة. ومن عانى الظلم والقهر والتهجير بالأمس، يفترض ألا يسمح بتكرار الظلم بحق إنسان آخر اليوم.
الفرصة التاريخية
نعتقد أن سوريا أمام فرصة تاريخية. فالسلطة الجديدة أمام مسؤولية هائلة: إعادة بناء الدولة، وإعادة الإنسان السوري إلى وطنه، وترميم الثقة بين السوريين، وتحقيق العدالة، وحماية الحريات، وضمان المساواة بين المواطنين، وإطلاق عملية تنمية حقيقية تعيد بناء الاقتصاد والتعليم والصحة والزراعة والصناعة.
سوريا تحتاج إلى دولة مواطنين، لا دولة طوائف وتحتاج إلى قانون يحمي الجميع، لا قانون ينتصر فيه طرف على طرف. وتحتاج إلى مصالحة حقيقية لا تقوم على النسيان، وإنما على الحقيقة والعدالة وجبر الضرر.
المخاطر الخارجية
وفي الوقت نفسه، لا تستطيع سوريا الجديدة تجاهل المخاطر المحيطة بها.
فهناك الأطماع الإسرائيلية في المنطقة، والتوترات الإقليمية، والتنافس التركي الإسرائيلي، والتداخلات في لبنان، ومحاولات التأثير على القرار السوري، فضلًا عن الضغوط الأمريكية والغربية. ولا ينبغي لسوريا أن تتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية والدولية.
إن الحفاظ على السيادة السورية لا يعني الانغلاق على العالم، كما أن الانفتاح على العالم لا يعني التنازل عن القرار الوطني. والقوة الحقيقية لسوريا في النهاية لن تكون في السلاح وحده، وإنما في وحدة شعبها، وعدالة مؤسساتها، وقوة اقتصادها، واحترام مواطنيها.
الشعب السوري هو الضمانة
قد يختلف السوريون في السياسة، وفي الدين، وفي المذهب، وفي رؤيتهم للمستقبل، وهذا أمر طبيعي في أي مجتمع. لكن المطلوب ألا يتحول الاختلاف إلى كراهية، ولا إلى إقصاء، ولا إلى قتل، ولا إلى تهجير.
إذا توحد السوريون على قاعدة المواطنة والعدالة والتنمية، فلن يكون من السهل على أي قوة خارجية أن تستخدم الانقسامات الداخلية ذريعة للتدخل.
أما إذا بقيت ملفات الأقليات والهوية والدين وحقوق الإنسان مفتوحة على الظلم، فسوف تبقى أبواب التدخل الخارجي مفتوحة. ولهذا فإن أفضل دفاع عن سوريا هو بناء دولة عادلة.
سوريا أكبر من الأنظمة
لقد عرفنا الإنسان السوري عن قرب، وزرنا سوريا، والتقينا بأبنائها، وعرفنا فيهم النخوة والعروبة والمواقف المشرفة والذكاء والبراعة والقدرة على العطاء. وهذا الإنسان هو الذي بنى سوريا، وهو الذي صنع تاريخها، وهو الذي جعل لها مكانتها العربية والإقليمية.
لذلك لا ينبغي أن نخلط بين سوريا والنظام الذي حكمها.
يمكن أن ننتقد نظامًا، ونرفض القمع، ونطالب بالمحاسبة، وفي الوقت نفسه نحب سوريا ونحترم تاريخها ونقدر أدوارها العربية. ويمكن أن ندافع عن حق سوريا في السيادة والاستقلال، من دون أن ندافع عن أخطاء حكوماتها. ويمكن أن نقف مع فلسطين ونرفض الاحتلال والتطبيع، من دون أن نجعل القضية الفلسطينية غطاءً لأي انتهاك لحقوق الإنسان.
هذه ليست تناقضات؛ بل هي محاولة للوقوف على أرضية أكثر عدلًا.
كلمة أخيرة
من باب المحبة نكتب عن سوريا.
لا نريد لها عودة إلى الماضي، ولا نريد أن تُمحى صفحات تاريخها الجيدة بسبب أخطاء أنظمتها، كما لا نريد أن تُبرر الجرائم والانتهاكات بحجة المواقف الوطنية والقومية.
نريد سوريا التي تحترم الإنسان.
سوريا التي تحفظ سيادتها ولا تسمح بتحويلها إلى ساحة للصراعات الدولية.
سوريا التي تبقى وفية للقضية الفلسطينية، من دون أن تجعل المواطن السوري يدفع ثمنًا من حريته وكرامته.
سوريا التي تنظر إلى دورها العربي باعتباره مسؤولية، لا أداة للهيمنة.
سوريا التي تصالح أبناءها، وتعيد المهجرين، وتكشف مصير المفقودين، وتحاسب من ارتكب الجرائم، أيًا كان موقعه أو انتماؤه.
سوريا التي لا ينتصر فيها طيف على طيف، ولا طائفة على طائفة، ولا حزب على شعب.
فالسوريون جميعًا بحاجة إلى وطن يتسع لهم.
وسوريا، بتاريخها وحضارتها وشعبها، أكبر من أي نظام، وأبقى من أي سلطة، وأحقّ بأن تكون دولةً لكل أبنائها.
من باب المحبة… سورية.









